في التخقيق في خطبة العيد و محل قيام الخطيب للعلامة محمد علي فركوس
هل خُطبة العيدين خُطبةٌ واحدةٌ أم ثنتان كخطبتَيِ الجمعة؟ وإذا أُقيمت صلاة العيد في المسجد: فهل يُلقي الإمامُ الخطبةَ على المنبر أو قائمًا على الأرض كما تؤدَّى في المصلَّى؟ وبارك الله فيكم.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فالأقربُ إلى الصواب مِن قَوْلَيِ العلماءِ أنَّ خُطبة العيد خطبةٌ واحدةٌ لم يَثْبُتِ الجلوسُ في وسطها كهيئة الجمعة، وهو المنقول عن الخلفاء: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ والمغيرة بنِ شعبة رضي الله عنهم، خلافًا لِمَا عليه المذاهبُ الأربعةُ وابنُ حَزْمٍ وهو مذهب الجمهور؛ لأنَّ إطلاق الخُطبة ـ في الأصل ـ ينصرف إلى الواحدة إلَّا إذا جاء دليلٌ على أنها خُطبتان، وقد ورد في السُّنَّة الصحيحة وغيرِها مثلُ هذا الإطلاق كما جاء مِن حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ»(1)، وكذا ثبت عن ابن عمر(2) وجابرِ بنِ عبد الله(3) رضي الله عنهم، وأمَّا إطلاقُ الخطبة على خطبتَيِ الجمعة فلوجود ما يرجِّحه، ويؤيِّد هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين مِن جواز خطبة العيد على الراحلة مِن حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: «لَمَّا كَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ… «أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ»…»(4)، ومفادُ مشروعية الخُطبة على الراحلة عدمُ الفصل بين الخطبتين بجلوسٍ؛ لأنه إنما خطب جالسًا على راحلته، وقد كان يفعله الصحابةُ رضي الله عنهم، فقد نُقِل عن إبراهيم النخعيِّ قولُه: «كَانَ الإِمَامُ يَوْمَ العِيدِ يَبْدَأُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَخْطُبُ»(5)، وعن ميسرة أبي جميلة قال: «شَهِدْتُ مَعَ عَلِيٍّ العِيدَ، فَلَمَّا صَلَّى خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ»، قَالَ: «وَكَانَ عُثْمَانُ يَفْعَلُهُ»(6).
نعم لو ثبت أثرُ عبد الله بنِ عُتبة قال: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ»(7)، وما أخرجه ابن ماجه مِن حديث جابرٍ رضي الله عنه قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ»(8)؛ لَلَزم حملُ الدليلين المتعارضين على تغايُر الحال فيجوز الأمران جمعًا بين الأدلَّة وهو أَوْلَى مِن الترجيح، لكنَّ كِلَا الحديثين ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. قال النوويُّ: «ولم يثبت في تكرير الخُطبة شيءٌ، ولكنَّ المعتمد فيه القياسُ على الجمعة»(9)، وقال الصنعانيُّ: «وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة وأنه يقعد بينهما، ولعلَّه لم يثبت ذلك مِن فعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما صَنَعه الناسُ قياسًا على الجمعة»(10).
ولا يخفى أنَّ هذا اعتمادٌ على قياسٍ لم تُدْرَكْ عِلَّتُه وطريقُ صحَّته غيرُ ناهضٍ لعدم معقولية المعنى فيه مِن جهةٍ، ولأنه ـ مِن جهةٍ أخرى ـ ثبتت خُطبتا الجمعة بالدليل خروجًا عن الأصل، و«مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ»، ولو صحَّ القياسُ لَلزم ما يَلزم الجمعةَ مِن جملة أحكامٍ مغايرةٍ للعيد مِن حيث إيقاعُها بعد الخُطبة وجوازُ صلاتها قبل الزوال وبعده وغيرُها مِن الأحكام، وإذا بَطَلَ اللَّازِمُ بَطَلَ الملزومُ، ثمَّ لِمَ لا يقاس بما هو أقربُ منها وهي خُطبة يومِ عَرَفَةَ بِنَمِرَةَ؟ فقد كانت خُطبةً واحدةً على الصحيح، قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وَهِمَ مَن زعم أنه خطب بعرفة خُطبتين جلس بينهما ثمَّ أذَّن المؤذِّن، فلمَّا فرغ أخذ في الخطبة الثانية، فلمَّا فرغ منها أقام الصلاةَ، وهذا لم يجئ في شيءٍ مِن الأحاديث ألبتَّةَ، وحديثُ جابرٍ صريحٌ في أنه لمَّا أكمل خُطبتَه أذَّن بلالٌ وأقام الصلاةَ فصلَّى الظهرَ بعد الخطبة»(11).
هذا، والمعلوم في السنَّة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يصلِّ العيدَ إلَّا في المصلَّى ولم يثبت عنه أنه كان يُخْرِجُ المنبرَ إلى أرضية المصلَّى، ولا أنه كان يرتقي على شيءٍ إلَّا على راحلته، فتحقَّق أنَّ خُطْبتَهُ إمَّا على الراحلة كما تقدَّم، وإمَّا قائمًا على الأرض. وقد صحَّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم «كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَامَ [قَائِمًا](12) [عَلَى رِجْلَيْهِ](13) فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ [بِوَجْهِهِ](14) وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ»(15)، وفيه دليلٌ على قيام الإمام في خُطبة العيد على رجليه، فظهر مِن الحالتين أنْ لا تعدُّدَ في الخطبة ولا فَصْلَ بينها بالجلوس، إذ يتعذَّر في الأولى ولم يُنقل في الثانية.
ويمكن الاستئناسُ بمرسَلِ عطاءٍ عندما سُئل عن الخروج يوم الفطر إلى الصلاة أنه قال: «مَا جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرٍ حَتَّى مَاتَ، مَا كَانَ يَخْطُبُ إِلَّا قَائِمًا، فَكَيْفَ يُخْشَى أَنْ يَحْبِسُوا النَّاسَ؟ وَإِنَّمَا كَانُوا يَخْطُبُونَ قِيَامًا لَا يَجْلِسُونَ، إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَرْتَقِي أَحَدُهُمْ عَلَى المِنْبَرِ فَيَقُومُ كَمَا هُوَ قَائِمًا، لَا يَجْلِسُ عَلَى المِنْبَرِ حَتَّى يَرْتَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَنْزِلُ، وَإِنَّمَا خُطْبَتُهُ جَمِيعًا وَهُوَ قَائِمٌ، إِنَّمَا كَانُوا يَتَشَهَّدُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً، الأُولَى» قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ إِلَّا مِنْبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ مُعَاوِيَةُ حِينَ حَجَّ بِالمِنْبَرِ فَتَرَكَهُ»، قال: «فَلَا يَزَالُونَ يَخْطُبُونَ عَلَى المَنَابِرِ بَعْدُ»(16). فهذا الأثر يفيد أنَّ الخُطبةَ كانت واحدةً ولم يكن لهم مِنْبَرٌ في المصلَّى حيث كانوا يخطبون قيامًا مِن جلوسٍ.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 7 ربيع الأوَّل 1428ه
الموافق ل: 26 مارس 2007م
(1) أخرجه البخاري في «العيدين» باب الخطبة بعد العيد (962) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاري في «العيدين» باب الخطبة بعد العيد (963)، ومسلم في «صلاة العيدين» (888)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) أخرجه البخاري في «العيدين» باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامةٍ (958)، ومسلم في «صلاة العيدين» (885)، من حديث جابرٍ رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري في «العلم» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (67)، ومسلم في «القسامة والمحاربين» (1679)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (5862).
(6) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (5855).
(7) أخرجه الشافعي في «الأمِّ» (1/ 273)، والبيهقي (6213). وضعَّفه النووي في «الخلاصة» (2/ 838).
(8) أخرجه ابن ماجه في «إقامة الصلاة» باب ما جاء في الخطبة في العيدين (1289)، من حديث جابرٍ رضي الله عنه. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (1/ 234): «هذا إسنادٌ فيه إسماعيل بن مسلمٍ وقد أجمعوا على ضعفه، وأبو بحرٍ ضعيفٌ»، وقال الألباني في «الضعيفة» (5789): «منكرٌ»، وأشار إلى ضعفه ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في «فتح الباري» (6/ 99).
(9) «الخلاصة» للنووي (2/ 838).
(10) «سبل السلام» للصنعاني (2/ 670).
(11) «زاد المعاد» (2/ 306).
(12) أخرجه البيهقي (6204).
(13) أخرجه ابن ماجه في «إقامة الصلاة» باب ما جاء في الخطبة في العيدين (1288).
(14) أخرجه النسائي في «صلاة العيدين» باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة (1576).
(15) أخرجه مسلم في «صلاة العيدين» (889)، وانظر الزيادات في «السلسلة الصحيحة» (2968).
(16) أخرجه عبد الرزَّاق (5650)
|