الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا و بعد
قال العلامة ابن القيم_رحمه الله تعالى_:"وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا نعيم يشبه نعيم أهل الْجنَّة إِلَّا هَذَا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:"حبب إِلَيّ من دنياكم النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة". فَأخْبر أَنه حبب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا شَيْئَانِ النِّسَاء وَالطّيب ثمَّ قَالَ وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة.
وَإِذا كَانَ خدم الْمُلُوك وعبيدهم يعاملونهم فِي خدمتهم بالإجلال لَهُم والتعظيم والاحترام والتوقير وَالْحيَاء والمهابة والخشية والنصح بِحَيْثُ يفرغون قُلُوبهم وجوارحهم لَهُم فمالك الْمُلُوك وَرب السَّمَوَات وَالْأَرْض أولى أَن يُعَامل بذلك بل بأضعاف ذَلِك وَإِذا شهد العَبْد من نَفسه أَنه لم يوف ربه فِي عبوديته حَقه وَلَا قَرِيبا من حَقه علم تَقْصِيره وَلم يَسعهُ مَعَ ذَلِك غير الاسْتِغْفَار والاعتذار من تَقْصِيره وتفريطه وَعدم الْقيام بِمَا يَنْبَغِي لَهُ من حَقه وَأَنه إِلَى أَن يغْفر لَهُ الْعُبُودِيَّة وَيَعْفُو عَنهُ فِيهَا أحْوج مِنْهُ إِلَى أَن يطْلب مِنْهُ عَلَيْهَا ثَوابًا وَهُوَ لَو وفاها حَقّهَا كَمَا يَنْبَغِي لكَانَتْ مُسْتَحقَّة عَلَيْهِ بِمُقْتَضى الْعُبُودِيَّة فَإِن عمل العَبْد وخدمته لسَيِّده مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده ومملوكه فَلَو طلب مِنْهُ الْأُجْرَة على عمله وخدمته لعده النَّاس أَحمَق وأخرق هَذَا وَلَيْسَ هُوَ عَبده وَلَا مَمْلُوكه على الْحَقِيقَة وَهُوَ عبد الله ومملوكه على الْحَقِيقَة من كل وَجه لله سُبْحَانَهُ فعمله وخدمته مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده فَإِذا أثابه عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك مُجَرّد فضل ومنة وإحسان إِلَيْهِ لَا يسْتَحقّهُ العَبْد عَلَيْهِ.
وَمن هَهُنَا يفهم معنى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:" لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل".
وَقَالَ أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ:"يخرج للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة دواوين ديوَان فِيهِ حَسَنَاته وديوان فِيهِ سيئاته وديوان النعم الَّتِي أنعم الله عَلَيْهِ بهَا فَيَقُول الرب تَعَالَى لنعمه خذي حَقك من حَسَنَات عَبدِي فَيقوم أصغرها فتستنفذ حَسَنَاته ثمَّ تَقول وَعزَّتك مَا استوفيت حَقي بعد".
فَإِذا أَرَادَ الله أَن يرحم عَبده وهبه نعمه عَلَيْهِ وَغفر لَهُ سيئاته وضاعف لَهُ حَسَنَاته وَهَذَا ثَابت عَن أنس وَهُوَ أدل شَيْء على كَمَال علم الصَّحَابَة برَبهمْ وحقوقه عَلَيْهِم كَمَا أَنهم أعلم الْأمة بِنَبِيِّهِمْ وسنته وَدينه فَإِن فِي هَذَا الْأَثر من الْعلم والمعرفة مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا أولو البصائر العارفون بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَحقه وَمن هُنَا يفهم قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْإِمَام أَحْمد من حَدِيث زيد بن ثَابت وَحُذَيْفَة وَغَيرهمَا:" إِن الله لَو عذب أهل سمواته وَأهل أرضه لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم لكَانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أَعْمَالهم"( 1).
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.
أبو زيد أمين ليمان الجزائري
٢٨ شوال ١٤٣٦ﻫ
______________
( 1) كتاب أرسله ابن القيم إلى بعض أخوانه : (ص 59_70).تحقيق الشيخ إياد القيسي.
جزاك الله خيرا أخي أمين على هذا النقل المفيد لخير موضوع الصلاة.
اللهم اجعل الصلاة قرة أعيننا، و أعنا على أدائها على الوجه الذي يرضيك عنا، و ارزقنا نعمة الخشوع التام فيها، و اجعلها سكينة و طمأنينة لقلوبنا.