
يوم أمس, 12:10 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 79
|
|
شرح الحديث 27 من الأربعين نووية للشيخ د. خالد حمودة -حفظه الله-
شرح الحديث 27 من الأربعين نووية للشيخ د. خالد حمودة -حفظه الله-
عن عبد الله بن بُسْرٍ رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فبابٌ نتمسك به جامع، قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل» [خرّجه الإمام أحمد بهذا اللفظ، وخرّجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب].
أولاً: مناسبة ختم الكتاب بحديث الذكر
بهذا الحديث الخمسين ختم الحافظ ابن رجب -رحمه الله- الأحاديث، ولعله اقتدى في ذلك بالإمام أبي عبد الله البخاري الذي ختم صحيحه بقول النبي ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» فكان هذا آخر حديث ختم به البخاري صحيحه، ولعل الحافظ ابن رجب اقتدى به فجعل آخر حديث في كتابه عن الذكر.
لماذا تُختم الكتب والأعمال بالذكر؟
لأن الأعمال الصالحة في الشريعة تُختم بالأذكار، ومن أمثلة ذلك:
- الصلاة: فبعد الصلاة تختم الصلاة بالأذكار.
- الحج والمناسك: تُختم بالأذكار كما قال تعالى:{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}.
- عمر الإنسان: يحرص المؤمن على أن يختم حياته بذكر الله عز وجل، لقول النبي ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة».
- الرسالة والنبوة: أمر الله نبيه ﷺ في ختام أعظم وظيفة (وهي النبوة والدعوة) بالذكر، فقال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} إذن، لما كانت الأعمال الصالحات تُختم بالأذكار، ناسب أن يُختم كتاب العلم والحديث بحديث متعلق بالذكر.
ثانياً: فقه الصحابي وتنوع أبواب الخير
هذا الحديث دليل على كمال فقه الصحابي السائل؛ فقد أتى النبي ﷺ وقال: "يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ" (وشرائع الإسلام تعني العبادات التي تعبدنا الله بها وهي كثيرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعمرة، والبر، والصلة، والصدقة)، فطلب من النبي ﷺ قائلاً: "فمُرني بأمر أتمسك به.. فباب نتمسك به جامع"، أي: دلني على باب جامع لمصالح العبادات ولأسباب رضا الله جل وعلا.
قاعدة في السير إلى الله: في هذا الموقف فائدة جليلة: أنه يُشرع للإنسان إذا خشي ألا يقوم بشرائع الدين كلها على الوجه الأكمل، أن يتمسك بباب يجعله طريقه إلى الله تبارك وتعالى. فليس كل أحد يستطيع الإلمام بكل شيء، فلا أقل من أن يستمسك الإنسان (إذا ضعف) بباب أو بابين أو ثلاثة يجعلها طريقه إلى الله، وهذا يتطلب من الإنسان أن يتفقه في حال قلبه ونفسه ليختار الباب المناسب له:
- بعض الناس فُتح عليه في تلاوة القرآن (يتلذذ بتلاوته وحفظه ومراجعته والصلاة به)، فنقول له: اجعل القرآن بابك إلى الله.
- وبعضهم فُتح عليه في الصدقات، فتكون هي طريقه إلى الله.
- وبعضهم جعل طريقه إلى الله الصلاة.
- وبعضهم فتح عليه في العلم، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الجهاد (حيث يكون مشروعاً).
ثالثاً: المعنى الدقيق لـ "رطوبة اللسان" بذكر الله
قال النبي ﷺ مُرشداً إياه إلى الباب الجامع: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» وتأمل -سبحان الله- كيف أن كلام الرسول ﷺ كله صدق ومطابق للواقع، فحتى حينما يختار كلمة تبدو عادية ككلمة (الرَّطْب)، نجد لها دلالات عميقة:
- الرطوبة الحسية: لأن اللسان عندما يتحرك بالذكر يتولد اللعاب في الفم، فيظل اللسان رطباً من الناحية الفيزيائية.
- الرطوبة المعنوية (حياة القلب): فالله تعالى يصف الشيء الحي بأنه "رطب"، والشيء الميت بأنه "يابس"؛ فالشجرة اليابسة تعني أنها ميتة، والشجرة الرطبة تعني أنها حية بالماء، وقد قال النبي ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت» فاللسان الرطب بالذكر هو لسانٌ حيّ، وقلب صاحبه حي بذكر الله أما اللسان الذي لا يتحرك بذكر الله فهو لسان يابس، وقلب صاحبه ميت، فالإيمان في القلب كالشجرة؛ إذا كانت حية نضرة ريَّانَة بماء الإيمان والتقوى، انبعثت جوارح الإنسان كلها لطاعة الله، وصار لسانه حياً بالذكر.
لماذا أرشده النبي ﷺ إلى الذكر خصوصاً؟
لأن الذكر عبادة ميسرة ليس فيها موانع وأعذار؛ فهو لا يحتاج إلى نفقة مالية، ولا يشترط صحة بدنية، ولا يتطلب فراغاً من الوقت؛ إذ يمكنك أن تعمل في أشغالك ولسانك يلهج بذكر الله.
فلذلك هو أخف العبادات مؤونة، لكن أجره عند الله تبارك وتعالى في المقام العالي جداً.
رابعاً: أقسام الذكر في الشريعة الإسلامية
الأذكار التي شرعها الله تبارك وتعالى لنا تنقسم إلى نوعين أساسيين:
النوع الأول: الذكر المقيّد
وهو الذكر الذي شُرع في زمن مخصوص، أو مكان مخصوص، أو في حال ومع أسباب مخصوصة، وينبغي للإنسان أن يحفظها ويحافظ عليها، ومن أمثلته:
1. مقيد بالزمان: مثل أذكار الصباح والمساء.
2. مقيد بالمكان: مثل أذكار دخول المسجد والخروج منه، ودخول الخلاء والخروج منه، ودخول السوق.
3. مقيد بالأحوال والأسباب: مثل أذكار أدبار الصلوات، والذكر عند نزول المطر، أو عند سماع الريح والرعد.
فائدة: أفتى الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله- وغيره، في قوله تعالى:{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}، أن من حافظ على الأذكار المقيدة كأذكار اليوم والليلة، تشمله هذه الآية ويصيبه نصيبه منها.
النوع الثاني: الذكر المطلق
وهو الذكر غير المرتبط بزمان ولا مكان ولا حال ولا سبب، بل هو مجرد إجراء اللسان بذكر الله عز وجل في أي وقت، وهو على ثلاث درجات (أنواع):
1. ذكر التلاوة: ويعني تلاوة القرآن مطلقاً (سواء من المصحف أو عن ظهر قلب)، وهو أفضل أنواع الذكر؛ لأنه كلام الله الذي لا يعدله شيء.
2. ذكر التمجيد: ويعني تمجيد
الله والثناء عليه بـ "الكلمات الخمس" (الباقيات الصالحات): سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله يُجري بها الإنسان لسانه مفردةً أو مجتمعةً، كقوله ﷺ: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم».
3. ذكر الدعاء: ويشمل سؤال الله عز وجل الحوائج، والصلاة على النبي ﷺ، والاستغفار؛ فكل هذا يُسمى دعاءً.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تفريغ وتنسيق أبو عبد الجواد معاذ من [ المجلس الختامي 27 للشيخ د. خالد حمودة -حفظه الله- في شرح كتاب: "الأربعون في مباني الإسلام وقواعد الأحكام" المشهورة بـ"الأربعين النووية" للإمام النووي ـ رحمه الله ـ مع تتمة الخمسين للحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ بتصرف يسير ].
|