عرض مشاركة واحدة
  #25  
قديم 01 Jan 2019, 10:27 PM
يوسف شعيبي يوسف شعيبي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2017
المشاركات: 67
افتراضي

الحمد لله الذي جعل على الحق نورًا هاديًا يطمئنُّ السالك إلى دلائله، وأصبغ الباطل ظلامًا يتيه الحائر في مجاهله، ثم يمنُّ الله -من بعد ذلك- على أهل الحقِّ من أوليائه، فينجز لهم وعده؛ فيُعلي حجَّتهم، ويظهرهم على خصومهم، ويشدُّ أزرهم بتأييد أهل العلم والفضل لهم، وعطف قلوب الصالحين عليهم، وبالمقابل ترى صولة أهل الباطل -يومًا بعد يوم – إلى خمول وزوال، وتجد دعاويهم –إذا فَحَصَتها- حشوًا من التُّهم الثِّقال، لكنَّك إذا سألت عن دلائلها، قيل لك: إنَّه لا يمكن التعبير عنها بحال؛ إنَّما هي أذواق ومواجيد الرجال، والعُهدةُ على مُغيَّبات الآجال، ومُنِّيتَ أيَّامًا زاهية زاهرة في المآل!!
وقد كان لمشايخ الإصلاح –بعد اصطبار طويل على الظلم والبغي آجرهم الله - كتاباتٌ سديدة وكلماتٌ مُبينَةٌ، وضَّحوا بها التلبيسات الحاصلة، وكشفوا بها الشبهات المُثارة، وقطعوا بها التحدِّيات الكاذبة، وجاءت هذه الكلمة منهم -جزاهم الله خيرًا- في إبَّانها لتقطع ما تبقَّى من خيوط السحَّارة، إذ حوت ردودًا موفَّقةً على ما أثاره أهلُ الفتنة ومُبتغي الفُرقة من شبهاتٍ يغُلُّون بها أتباعهم ويُكبِّلون بها مقلِّديهم -بعدما نفقت بضاعتُهم-، ويصطادون بها من لا يزال يحسِّن بهم الظنَّ من ضعاف النفوس وقليلي التمييز؛ وجملة ما اتَّكأوا عليه شهادة كاذب، وإحالة على غائب؛ فلَكَمْ تطاولوا على مشايخ الإصلاح بهذيان عبد المالك رمضاني وهم يشهدون على كذبه!!ومع علمهم بتكذيب مشايخ الإصلاح له وطعنهم في منهجه الجديد، إلا أنَّهم عوَّلوا على كلامه فيهم وجعلوه حجَّةً لإدانة هؤلاء المشايخ، اتِّباعًا للهوى وتلاعبًا بالقواعد الشرعيَّة، وإن تعجب فاعجب لمطالبتهم مشايخ الإصلاح بالرَّدِّ على عبد المالك، في حين هم أنفسهم ساكتون مُحجمون عن الرَّدِّ عليه فيما ذكره عنهم!!
ثمَّ استروح القوم وألْقَوا عناءَ البحث عن الأدلَّة وقنعوا بآراء الرجال بعدما جعلوهم في مصافِّ الأئمَّة الجبال، ثمَّ ترقَّوْا فعَدُّوا من ردِّ قولهم طاعنًا فيهم بلا جدال، ثمَّ غَلَوْا وقالوا: إنَّنا نسلِّم لكلامهم؛ لأنَّ أدلَّتهم لا يُعبَّر عنها بالمكتوب والمقال، فتُنزَّل منزلةَ الدليل الظاهر الحالّ!
ولمَّا خاف القوم من انكشاف خطَّتهم ذهبوا يردِّدون على الأتباع مقولة: "الوقت جزءٌ من العلاج"، لينصرفوا عن سماع نصائح العلماء الكبار الَّذين لا تنطلي عليهم هذه الحيل بعدما صرفوهم عن سماع خصومهم بقاعدة التهميش، ولو تدبَّر هؤلاء الأتباع أحوالهم لأدركوا أنهم هم المُهمَّشون حقًّا، وأنَّ الأيَّام قد بيَّنت الصادقين من غيرهم؛ فمن أقام الدنيا دفاعًا عن الأكابر ثمَّ هو اليوم يطعن فيهم سرًّا وجهرًا ويحتوي القادحين فيهم؟! ومن كان ينادي بلزوم غرز الأكابر ويحتجُّ بهم، فلمَّا خالفوا مراده لفظَهم وطعن فيهم؟! وكم ردَّدوا قاعدة" بلدي الرجل أعلم" رافعينها في وجوه الكبار، ثمَّ لمَّا لزمهم العملُ بها لم يلتفتوا إليها؟! ومن كان يطعن في أناسٍ أشد الطعن ثمَّ هو اليوم يحتويهم وينصح بهم؟! ومن كان يشهد لمشايخ الإصلاح بأنهم أقاموا الحجة على عبد المالك ويصفه بالكذَّاب الأفَّاك، ثمَّ هو اليوم ينكر ما شهد به لسانه وكتبته يده؟! ومن الذين يطعنون في مشايخ الإصلاح بمماشاة المخالفين وحضور ولائمهم، وهم يصاحبون أمثال هؤلاء المخالفين وشرًّا منهم، بل يُثنون عليهم ويدافعون عنهم؟! ومن الذي يطعن في بعض مشايخ الإصلاح لنصحه بكتاب لأحد المخالفين، وهو ينصح بكتب لمخالفين آخرين، بل يبيع كتب المنحرفين ويأكل أثمانها؟! ومن الذي دعا إلى المباهلة بين الركن والمقام، فلمَّا برز له ابنُ الأسد الضرغام، أسكت كأنَّما ضُرب على فمه الفدام؟! ومن الذي جرح غيره بالتأكُّل بالدعوة وهو راتعٌ فيها ؟! ...
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- : "تحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بيَّنه الله ورسولُه مأمورٌ به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبُه، وأمَّا الكلام بلا علم فيُذمُّ، ومن تكلَّم بما يخالف الكتاب والسنَّة فقد تكلَّم بلا علم، وقد يتكلَّم بما يظنُّه علمًا: إمَّا برأي رآه، وإمَّا بنقل بلغه، ويكون كلامًا بلا علم. وهذا قد يُعذر صاحبُه تارةً وإن لم يتبع، وقد يُذمُّ صاحبُه إذا ظَلَم غيرَه وردَّ الحقَّ الَّذي معه بغيًا، كما ذمَّ الله ذلك بقوله: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم) [آل عمران: 19]. فالبغيُ مذموم مطلقًا؛ سواءٌ كان في أن يلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمّهم على تركه، أو بأن يذمَّهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفرُ لهم خطأهم فيه، فمن ذمَّ النَّاس وعاقبهم على ما لم يذمَّهم الله تعالى ويعاقبهم، فقد بغى عليهم، لا سيَّما إذا كان ذلك لأجل هواه، وقد قال تعالى: (ولا تتبِّع الهوى فيُضلَّك عن سبيل الله) [ص: 26]. والله تعالى قد قال: (وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا * ليعذِّب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات) [الأحزاب: 72]. فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه، وإلَّا فالإنسان ظلومٌ جهولٌ، وإذا وقع الظلم والجهل في الأمور العامَّة الكبار، أوجبت بين الناس العداوة والبغضاء، فعلى الإنسان أن يتحرَّى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس، فإن الحكم بالعلم والعدل في ذلك أولى منه في الأمور الصغار. وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «القُضاة ثلاثةٌ: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنَّة؛ رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنَّة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار»اهـ من "درء تعارض العقل والنقل" (8 /409 محمد رشاد).
فهاهم مشايخ الإصلاح يكرِّرون الدعوة للتحاكم إلى أهل العلم منقادين لكتاب الله عزَّ وجلَّ وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم، خاضعين للحقِّ ولو على أنفسهم، طالبين لاجتماع الكلمة، نابذين للفُرقة. والله تعالى يقول: (وَاعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 103- 108]، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)) [الأنفال: 24-26].

رد مع اقتباس