عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 11 Sep 2020, 12:48 PM
عبد المجيد تالي عبد المجيد تالي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 22
افتراضي منهج الأخس بين الصلابة وتطريق المشاكلة والمصانعة

منهج الأخسِّ بين الصلابة وتَطْرِيقِ المشَاكلة والمصَانعة
من عادة أهل الأهواء في سالف الدَّهر وحديثِه هو: دفع الحقِّ بالباطل، والوقيعةُ في أهله، بإظهار النّقيصة فيهم: إما بالتسميات المحدَثة أو الباطلة، وإما في دعوتهم وجهادهم، كلُّ ذلك تشنيعاً بهم في أوساط العامة، أو تشويشاً عليهم في محافل العلم والدعوة.
لـمَا علم القوم أن الحقَّ ظاهر أبلج وأن الباطل خافٍ لجلج لا يُنفق إلا بزيف أو بهرج من القول، وكان أكثر الخلق أهل ظواهر كما يقول العلامة ابن القيم $، وجد أهل الهوى ذلك مرتعاً خصْباً لرواج باطلهم بلباس من القول مزيَّن.
وهذه سِمَة بارزةٌ في أهل الهوى تَنْميق العبارة وتحسين اللفظ لتغرير الخلق وتمرير الباطل، بله تكاد تكون قاسماً مشتركاً بينهم فيها وفي سابقتِها لا ينخرم.
فتجد فيهم تشابُه القلوب، ووحدةُ الفكرة في هدم الشريعة، وشَبَه المسلَك، ومشاكلةِ العبارة، ووحدةِ الغايةِ في الخروج عن رسْم السنَّة، يقلُّ ذلك ويكثر، أو يقربُ ويبعد بحسب استحكام أصل الضلالة والهوى في النفس وضعفه.
ومن تأمّل حال «الأخس من الحدادية» مصعفقة العِقْد الرابع من القرن الخامس عشر من هجر المصطفى لمس ولحَظ أصنافاً من المشاكلات، وألواناً من المشابهات والتصرفات التي هي قواسم بينهم وبين أهل الأهواء الأُوَل. ولذا حذّرنا ربُّنا -سبحانه وتعالى- ونبيُّه محمَّد تلك الأساليب وتلك المشاكلات، كما هو الحال في كشف حال المنافقين وبيان خطر أمراضهم على الأمّة في أوائل «سورة البقرة» وأواسط «سورة براءة»، وغيرهما، كما حذَّرنا سلفنا الصالح رضي الله عنهم ذلك والآثار عنهم في ذلك لا تحصى ولا تعدُّ كثرة.
وإنَّ من عجيب تلك المشاكلات ما تردَّد كثيراً على أَلْسنة وقود فتنة «الأخس من الحدادية» وشغفت بها قلوبُهم وانتفخت بها أشداقُهم: «لنا الفنون ولكم الطعون»، «لهم البيانات ولنا البيِّنات»، «لهم الأقوال ولنا الأعمال». الأولان: عن مسعر الفتنة في الجزائر «عبدالمجيد جمعه»، والثالث: عن مبدعها «محمد بن هادي المدخلي».
وليس المراد هنا: كشف ذلك وبيان تلك القالات التي أَسِرَت قلوب وعقول شريحة كبيرةٍ كثيرةٍ من شباب هذه الأمَّة وحدثائِها -مع أن واقع القوم وحالهم يكذِّب ذلك ويكشف زورها وزيفها -، إلا أن غرابة تلك القالة تنطلي ضمن حسن العبارة، وهذا سبب اللُّبس فيها وخفاء القصد من أصحابها.
لكن الذي يستغرب هنا: مشاكلة اللفظ ومصانعة أهل الباطل والهوى فيه، مع أنَّ الناظر في تأريخ أهل السنّة والجماعة -السَّلفيين-، والدّارس لأقوالهم وتقريراتهم -سلفاً وخلفاً- على كثرتها وتنوع أساليب الكتابة فيها تقريراً وتقعيداً وردًّا، بسطاً واختصاراً، يفتقد هذا النوع من القول؛ بل يكاد يُعدم إنْ لم نقل: هو معدوم في تسطيرهم وقالهم، بله في حالهم.
يقول العلامة ابن القيم في كسر الطاغوت الثاني من الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحو بها رسوم الإيمان، طاغوت: «تعارض العقل ونصوص الوحي»، في «الوجه الخامس والثمانين» ما نصه من «الصواعق» (3: 1051-1052):
«إن المعارضين للوحي بآرائهم خمس طوائف:
طائفةعارضته بعقولهم في الخبريات وقدمت عليه العقل فقالوا لأصحاب الوحي: لنا العقل ولكم النقل.
وطائفة عارضته بآرائهم وقياساتهم، فقالوا لأهل الحديث: لكم الحديث ولنا الرأي والقياس.
وطائفة عارضته بحقائقهم وأذواقهم، وقالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة.
وطائفة عارضته بسياساتهم وتدبيرهم، فقالوا: أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب السياسة.
وطائفة عارضته بالتأويل الباطن، فقالوا: أنتم أصحاب الظاهر ونحن أصحاب الباطن»...
قلت: فجاء «جمعة» صاحب الفنون من باب المشاكلة والمصانعة، وفقيه الحديقة، فقال قولته التي يفتخر بها أتباعه: «لنا الفنون ولهم الطعون»، «لهم البيَات ولنا البيِّنات». فكان بذلك رأس طائفة حديثة تحدث شرخاً عظيما في الوسط السَّلفي وتمعن فيه ظلماً وتهمة في حقِّ الأبرياء من أهله، وتضليلا وانحرافاً وتغريراً في حقِّ من انخدع به وببهرج قوله.
يقول ابن القيم : «ثم إنَّ كلّ طائفةٍ من هذه الطوائف لا ضابط لما تأتي به من ذلك بل ما تأتي به تَبَعٌ لأهوائها، .. فما هو: إلا الهوى أو الوحي كما قال تعالى:


﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [سورة النجم]. فجعل النطق نوعين: نطقاً عن الوحي ونطقاً عن الهوى» اهـ.
قلت:«فجعل النطق نوعين: نطقاً عن الوحي ونطقاً عن الهوى» فبطل بذلك الإطلاق في قولة «ابن هادي»، ولن يفرج المراجيج -وقود الفتن- بما سطرت أنامل «لسان الجمعية» فضيلة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في قوله من «آثاره» (3: 560): «قد كان يَسعُنا أيها الشيخ أن نعمِّر سنَتنا بـ«الأعمال»، وتعمِّرون سنَتكم بـ«الأقوال»، فإذا جاء رأس السنّة وحلّ وقت الحصاد، قلنا: هذه أعمالنا، وقلتم: هذه أقوالنا، وعرضنا البضاعتين على الأمة لتنظر وتحكم أيتهما أزكى طعامًا، وأعظم عائدة، ثم قلنا لكم: سلام عليكم، وكلَّ عام وأنتم سبّابون عيّابون كذّابون، ورجع كلٌّ منّا إلى ما يُسر له ..» اهـ.
فمراد الشيخ واضح بيّن من مطلع مقالته في الردِّ على الشيخ «الزاهري»، حيث قال (3: 558) منه: «كتبت -أيها الشيخ- كثيرا من الباطل، وسنكتب قليلا من الحقِّ، ولكن قليلنا لا يقال له قليل؛ ..» فجعل الشيخ الإبراهيمي كلامه منصبًّا على النوع الثاني من النُّطق الناتج عن هوى لا ما كان عن وحي الله تعالى وأثراً من آثاره، فافهموا الفرق في العبارة قبل الرمي بالنقيصة والتشنيع في المقالة.
فأيُّ الفريقين أحقُّ بالبيِّنات والفنون، أم أيُّ الخصمَين أحقُّ بركوب الطعون والتهويل، أم أيُّ الطائفتَين أسبق في حفظ الأقوال ولزوم الأعمال من الميل إلى الخمول والركود والإفحاش في المقال؟!!..
أمن لزم البيِّنات وأقام البيَانات، واجتهد في تقرير الفنون، أم من انخنس واندحر عن البيان، وترك العامة من الرعاع تموج موج البهيمة والعميان، أم من أقرَّ الأبواق من متعصبة الأتباع عن تقرير القواعد الباطلة، وكسَر حريم التوحيد بالشطحات الصوفية، والمخالفات المنهجية الواضحة، كلُّ ذلك فرحاً بجموع الكثرة والموافقات الباطلة؟!!
أمن لزوم البيِّنات أم من صلابة الدِّين وقوَّة المنهج السكوت عن مثل هذه الفواقر والزلَّات والانشغال عنها بالعيوب المصطنعات للأبرياء من الخلق؟!! أمن منهج الرسول هذا؟! أم من منهج صحبه الكرام والسّلف الأطهار رضي الله عنهم؟! أم من منهج العلماء الأعلام؟!
ما أنتم معشر «الأخس من الحدادية» إلا قومُ سوءٍ أضعْتم أنفسَكم وكنتم سبباً في ضياع خلقاً من أبناء أمَّتكم.
وسيأتي يوم وتعرض «البضاعتين على الأمّة لتنظر وتحكم أيتهما أزكى طعاماً، وأعظم عائدةً»؛ فإنَّ التأريخ حافظ لا يكذب، وستشهد الأجيال، والحمد لله أوَّلا وآخراً.


وكتب: عبدالمجيد تالي
ليلية الجمعة لـ: 23-01-1442هـ
11-09-2020نـ

رد مع اقتباس