عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23 Apr 2019, 01:10 AM
أبو البراء خالد أبو البراء خالد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2018
المشاركات: 59
افتراضي الاعتبار بحالِ أهل العِثار



الاعتبار بحالِ أهل العِثار

تقول العرب في أمثالها: «مَن سلَك الجَدَد أمِن العِثار»، ومعناه أنَّ من مشى في الطريق المعروفة السالكة سَلِم من العثرات! ومن احتمل نفسَه على وَعْرِ الطَّريق، وصَعب المسالك، فقد أشرفَ على المَهَالِك!
هذه خلاصةُ حالِ المُفرِّقين، دعاة الفُرقة والفسادِ والفتنة، الَّذين اقتادهم جمعةُ بأمانيِّه الباطلة وأوهامه الزائفة إلى حمأةِ الرَّدى.
ففي مطلع عام (1439) بدأ عبد المجيد جمعة فتنتَه الجائرة للتَّفريق بين السَّلفيِّين، وأيَّده كلٌّ من محمد فركوس ولزهر سنيقرة، وتبعهم على ذلك أكثر الشباب السلفيين من طلاب العلم وغيرهم، ثقةً في الجماعة، وأنَّهم لم يتكلَّموا إلا بأدلة ثابتة تُدِين المتكلَّم فيهم، فلمَّا عجز المفرِّقون عن إقامة الأدلة الكافية للتَّحذير من المشايخ وعجزوا عن إقناع العلماء والعقلاء، تركوهم وخالفوهم، وبقي كثير من المغفَّلين مع كثيرٍ من أصحاب الأغراض والأمراض على الفتنة مقيمين، وعلى الوقيعة في الأبرياء مُصِّرين، وقد ظهر من آيات فساد مذهبهم، ودلائل فتنتهم، ما ردَّ كثيرًا من أهل الصدق والديانة عن متابعتهم وموافقتهم، لكن التَّقديس والتعصب عمل عمله في كثير من الأتباع.

ومن آخر ما ظهر من هذه الدلائل: مقطعٌ صوتيٌّ لِمذياع الجماعة: لزهر، يتعلَّق بإحدى القضايا الَّتي تعلَّقوا بها في تحذيرهم من إخوانهم وتنفيرهم عنهم، وارتكزوا عليها في اتِّهامهم بالتميُّع وركوبِ المنهج الاحتوائي المطاطي!
يقول لزهر في هذا المقطع: «الشَّيخ عابدين أخونا ونعرفه أفضل مما تعرفونه أنتم، نحن ما حذَّرنا من الشَّيخ العابدين، ولا قلنا اتركوه إلى الآن».
وذكر أن الشَّيخ ربيعًا سأله عنه فقال له: «الشَّيخ نعرفه، وهو من مشيخة الغرب الجزائري وعنده دعوة، وقائمٌ بجهد».
وقال: «هذا الَّذي نحن مجتمعون عليه ونسير عليه».
وقال: «نريد أن نحافظ عليه ولا نكون سببًا في تفرُّق شبابنا».
هذا حاصل كلامه، وتجده بتمامه مسموعًا ومكتوبًا على الرابط:
( http://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=24343)

لمَّا استمعت إلى هذا الكلام لم أتعجب ممَّا فيه فقد كنتُ أعلم بعضَه، لكني وقفت طويلا متأمِّلا فيما وقع فيه المفرِّقون من الخيانة لمن وثق فيهم من الشَّباب، حيث إنهم روَّجوا عن المشايخ التعاطف مع الرجل ومحاولة احتوائه، مع أنه موقفٌ كانوا جميعًا متَّفقين عليه بشهادة لزهر، فقد حاولوا جميعًا كسبَه، واجتمعوا معه من أجل ذلك، وحالت دون ذلك الحوائل، فآل حالُه وحالهم إلى المنافرة والتحذير.
فلو كان المفرِّقون أهل صدقٍ وديانة لبينوا لأتباعهم هذه الحقيقة، ولَمَا تعلَّقوا بأمرٍ هم فيه مشتركون، وعليه متَّفقون.
ولو كان لزهر صادقًا في مواقفه لأنكر اتِّهام المشايخ بهذه التهمة، ولشهد أن هذا الموقف كانوا عليه جميعًا لا خصوصية لأحد منهم به، لكنَّه رضي بالطعن في إخوانه المشايخ بما لا مطعن فيه، وسكت عن ذلك كلَّ هذه المدة، بل شارك في لوك هذه التهمة، حتى أخرج الله خبيئته، فكانت فيها فَضِيحَتُه، وما أكثر فضائحه لو كان يرعوي!
وانتبه أخي الكريم! إلى أن القضية ليست في مجرَّد أنه أثنى عليه حتَّى يُقال: إنه ثناء قديم قبل تغيُّر الرجل، ولكن القضية في إخفائهم لثنائهم عليه، وتصويرهم للشباب أن الرجل معروف بالانحراف من أول يوم، وأنَّ من أثنى عليه أو حاول احتواءَه فقد فعل ذلك تميُّعًا منه ومخادنةً للمنحرفين.
والذي لا يشكُّ فيه عاقلٌ أن الفرق عظيمٌ بين أن تقول للناس: إن فلانًا يُثني على عابدين وهو معروفٌ بانحرافه وضلاله، ولم يكن يومًا سلفيًّا، وبين أن تقول لهم: كان عابدين معنا وكنَّا جميعًا نثني عليه وندافع عنه ونحاول كَسبَه، لكنَّنا تركناه وحذَّرنا منه بعد أن يئسنا منه، وبقي فلانٌ يثني عليه ويحاول احتواءَه ثم حذَّر منه بأخرة!
هذا لو فرض أنه بقي يثني عليه ثناء مطلقا ويزكي منهجه ويُدافع عنه بالصورة التي صوَّرتُموها، فكيف والأمر بخلاف ذلك؟!

فهذا دليلٌ من أدلَّة كثيرة على أنَّ هؤلاء القوم لم يتكلَّموا في هذا الأمر على الدِّيانة، وإنما تكلموا فيه على الهوى، ومن أجل أغراضهم الشَّخصيَّة ونفسيَّاتهم المتشنِّجة، فلا جرم فضح الله ما يسرُّون، وأخرج ما يكتمون، فتخلَّى عنهم العقلاء، وتكلَّم فيهم العلماء، وظهر لكلِّ ذي عينين ما هم عليه من فسادِ الطريقة ومجانبةٍ للحقيقة.

قال الإمام أبو زرعة كما في «الضعفاء» له ـ ضمن كتاب «أبو زرعة وجهوده» (2/329) ـ: «كلُّ مَن لم يتكلَّم في هذا الشَّأن على الدِّيانة فإنَّما يعطب نفسَه، كلُّ من كان بينه وبين إنسان حقدٌ أو بلاء يجوز أن يذكره؟!! كان الثَّوري ومالك يتكلَّمون في الشُّيوخ على الدِّين فنفَذ قولهم، ومن لم يتكلَّم فيهم على غير الدِّيانة يرجع الأمر عليه».
لله! ما أعظم هذا الكلام من أحدِ أئمَّة الجرح والتَّعديل، فقد بين سنَّةً من سُنَن الله تعالى، وهي أنَّ من تكلم في النَّاس على غير الدِّيانة فإنَّما يعطب نفسه، وبيَّن معنى يعطب نفسه بقوله في آخر كلامه بأنه «يرجع الأمر عليه»، وقد عطب الثلاثة أنفسهم ورجع الأمر عليهم، إذ تكلَّم فيهم العلماء، ونبذهم الفضلاء، وسقطوا من أعين العقلاء.
ومعنى «يتكلَّم على غير الديانة» أي: لحظوظ نفسه، من هوًى، أو حقد وحسد، أو غيظٍ وانتقام، ونحو ذلك، قال أبو زرعة مستنكرًا: «كلُّ من كان بينه وبين إنسان حقدٌ أو بلاء يجوز أن يذكره»؟!! والمعنى أنه ليس كل من كان بينه وبين شخص حقد أو بلاء يجوز له أن يذكره، فمن فعل ذلك كان متكلِّمًا على غير الديانة، وهو حقيقٌ بأن لا ينفذ قوله، بل يعطب نفسه ويرجع الأمر عليه.
وقد كان السَّلف ومن سار على طريقتهم من العلماء العدول، يتكلَّمون في الرجل على الديانة فنفذ كلامهم وقَبِل الناس منهم، وخلف فيهم هؤلاء الأدعياء فاتَّخذوا الكلام في الشُّيوخ مطيَّة لحظوظ الأنفس، وتشفيةِ الأحقاد، ففضح الله مكنوناتهم على رؤوس الأشهاد، وما ربُّك بظلَّام للعباد، وقد لخَّص الشيخ ربيع هذا كلَّه بقوله: «الجرح والتعديل ليس للأوغاد».
وصدق حفظه الله، فإن الرَّجل الوغد هو الدَّنيء من الرِّجال، مشتقٌ من قولك: وغدتهم أغِدُهم، أي: خدمتهم، فالوغد هو الدنيء الذي سعيه في خدمة الأغراض الدنيئة والأهواء الساقطة، عكس الشَّريف السيِّد، الذي يترفع عن سفاسف الأمور وحظوظ الأنفس، فهؤلاء هم الرِّجال الأمناء على الدِّين، الَّذين يقولون الحقَّ ولو على أنفسهم، لا يحابُون قريبًا ولا حبيبًا، ولا يتحاملون على بعيدٍ ولا بغيض.
ومن لم يكْفِهِ كلامُ الإمام أبي زرعة فليتأمَّل قول الله تعالى: «ولا يحيقُ المكر السَّيِّء إلَّا بأهله»، وليقابله بحال هؤلاء المتكلِّمين في إخوانهم بالباطل، فإنَّ في ذلك لعبرةً وأيَّ عِبرة.

لقد كتبتُ فيما سبق مقالةً بعنوان «هلمُّوا إلى الواضحة» ذكرت فيها بالدَّليل الواضح أن لزهر قال في هذه الفتنة ما لا يعتقده، وأنه ركبها لهوى في نفسه، ولو أنه تجرَّد من الهوى ووفَّقه الله للثبات على ما يعتقده لرفض هذه الفتنة ووقف لمؤجِّجِها، وقد كان له في ذلك رفعةٌ لو وُفِّق إليه، ولكنَّها حكمةُ الله النَّافذة في عباده.

لقد كنت أرجو أن يجمع الله أهل السنة في هذا البلد على يديه، وقد كان قادرًا على ذلك لو عُزِم له على الرُّشد، ولكن أنَّى ذلك وفي النَّفْسِ ما فيها!!

أيْ زهير! اسمع مقالةَ ناصحٍ لا يريد لك إلَّا الخير في الدُّنيا والآخرة:
لئن كنت قد أوغلتَ في هذه الفتنة وآذيتَ فيها ـ وقبلَها ـ خلقًا من عباد الله أذيَّةً عظيمةً ـ وأنا واحد منهم ـ، ونلتَ منهم ما لا يستحلُّه العدوُّ من عدوِّه، فإنك لا تزال في فسحةٍ ما دامت روحك في جسدك.
تأمَّل في حالك وفي فضيحة الله لك مرَّة بعد مرَّة، واخْلُ بنفسك واسألها: لو كنت قائما لله وبالله، ولو كنت على الحق والهدى، أكان الله يكِلُك إلى هذه السَّقطات المتتاليات، حتَّى صار أتباعك يستحون من انتسابك إليهم، ويأنَفُون من نِسبتهم إليك؟
اسأل نفسك: لو كنتَ على الحق والهدى، هل كان الله ليصرف قلوبَ كبار علماء السنَّة عنك، ويجمع كلمَتَهُم على التَّحذير منك؟!
اصدق نفسك: هل علمت قبل أن تُغَيِّرك الفتنة رجلًا اجتمع على الكلام فيه الشَّيخ ربيع والشَّيخ عبيد وهو على الحقِّ؟ فكيف وقد أيَّدهما الشَّيخ حسن بن عبد الوهاب وغيره؟!
انظر إلى ما جنته فتنتكم على الدَّعوة وأهلها، وصَوِّر نفسَك بين يَدَيْ الله تعالى وهو يسألك عن هذه الفرقة والتصدُّع الشَّديد في الصفِّ السَّلفي وشماتة الأعداء فيهم، فما كنت مجيبَه في ذلك الموقف، فسارع إليه قبل الفَوْتِ.
لا أقول لك هذا لتكون سببًا في وأد الفتنة وجمع الكلمة، فقد أغنى الله عنك، وأقام غيرك، وصار حالك كما قال زهير في جاهليَّته:
ومَنْ يَكُ ذَا فضلٍ فيبخلْ بفَضْلِه ... على قومِه يُسْتَغْنَ عَنهُ ويُذمَمِ
ما لِي ولزُهير، والله يقول في كتابه: «فإنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤلاءِ فَقَدْ وكَّلنا بِهَا قومًا ليسُوا بِهَا بكَافِرينَ».
ولكنِّي أقول لك هذا لعلك تستدرك حالك بتوبة صادقة، وتتحلَّل ممَّن ظلمتهم، وتعتزل النَّاس وتقبل على شأنك، عسى أن ينساك الناسُ وتنقطع دعواتهم عليك.

أسأل الله أن يُلهمَك رُشدَك، ويكفي المسلمين شرَّك وشرَّ فُرقَتِك وفِرقَتِك.


التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله حيدوش ; 23 Apr 2019 الساعة 06:53 PM
رد مع اقتباس