عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 27 Jul 2017, 02:23 AM
أبو صهيب منير الجزائري أبو صهيب منير الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 207
افتراضي هل الشيخ الألباني هو أوّل من أطلق لفظ البدعة على القول المرجوح في بعض المسائل الخلافية؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خير الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين:
نحمد الله كثيرا على نعمة العلم والعلماء وفضله علينا بأن رزقنا مصادر مختلفة للعلم والتعلم، ومن أهم هذه المصادر: فتاوى العلماء واجتهاداتهم واصطلاحاتهم المبنية على الأصول السليمة، ومن مصادر طلاب العلم وعامة النّاس في هذا العصر عالم من علماء الأمة، ((الشيخ المحدث العلامة الألباني رحمه الله تعالى))، فكم استفاد منه طلبة العلم وعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل حتى العلماء استفادوا من علمه ولهذا أثنى عليه إخوانه أحسن ثناء بحق وصدق، لتميزه رحمه الله بالعلم والاجتهاد وبخاصة في علم الحديث، مع هذا انتقده بعض أهل العلم في مسائل بعلم وصدق وأمانة، كما انتقده أهل الجهل والضلال بظلم وجهل.
ومما عرف به الشيخ الألباني رحمه الله في هذا العصر (إطلاق لفظة البدعة على القول المرجوح في بعض المسائل الخلافية، إذا كانت مبنية على قول ضعيف مخالف عنده لسنة صحيحة أو هدي الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم)، فشنّع عليه بعض المنتسبين إلى العلم لما ذهب إليه، واستشكل بعض عامة النّاس هذا الإطلاق، ورماه بعض من لا يعرف اصطلاح ومناهج العلماء قديما وحديثا بالتشدّد، ورأى خلاف هذا بعض أهل العلم لمنهج عملوا به من عدم إطلاق لفظ البدعة على قول المخالف.
والسؤال المطروح هل الشيخ الألباني انفرد بهذا الإطلاق أم سبقه الأئمة الكبار من الفقهاء والمحدثين؟ فإن كان الجواب : هو مسبوق في هذا المنهج، فلا تشنيع إذا على فعله ولا طريقته، ولست هنا لأرجح ما هو الراجح بين المنهجين فلست أهلا لذلك، وإنّما لأبيّن لإخواني ولمن يتساءل أحيانا: كيف للشيخ الألباني أن يطلق لفظة البدعة في المسائل الخلافية؟.
اعلم رحمك الله أن كثيرا من العلماء قد أطلقوا مصطلح البدعة في المسائل الخلافية بل حتى الاجتهادية عند اصطلاح المتأخرين، ولعل الراجح في خلاف قولهم والسّنة مع المخالف أحيانا، كما سيظهر لك في الأمثلة التّي اخترتها، ومنها ما يلي والله المستعان:



1: (الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية):
وهذه من المسائل الخلافية التّي اختلف فيها أهل العلم ومن أثبت له دليله والمخالف له دليله:
"واختلف أهل العلم في الجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] فيما يجهر به من الصلوات:
فذهب الشافعي إلى: أنه يجهر بها - بأول الفاتحة، وفي أول السورة - فيما يجهر به من القراءة في الصلاة، ويسر بها فيما يسر بالقراءة في الصلاة. وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؛ ......" (1)


مع هذا الخلاف فقد أطلق الإمام النخعي رحمه الله على القول المخالف بأنّه بدعة " وقال النخعي: جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة." (2)
وقال الصردفي: " وعند ابن أبي ليلى والحكم وإِسْحَاق إن جهر بها فحسن، وإن أسر بها فحسن. وعند النَّخَعِيّ الجهر بها بدعة." (3)

2: حكم سجود الشكر
لعل البعض منّا من العوام يقول هل هناك خلاف في مشروعية سجود الشكر؟ نعم يا حبيب بل من قال من أهل العلم أنّه بدعة.

"اختلف أهل العلم في سجود الشكر , فاستحبت فرقة منهم بسجود الشكر، وممن استحب ذلك الشافعي، وقال أحمد: لا بأس بسجدة الشكر، وقال إسحاق سنة، وكذلك قال أبو ثور، وقال: قد فعل ذلك غير واحد من أهل العلم. وكرهت فرقة سجود الشكر , (((وممن كره ذلك النخعي , وزعم أنه بدعة)))) وكره ذلك مالك، والنعمان." (4)
زيادة على قول النخعي في المسألة فكذلك قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله، " وَسُجُود الشُّكْر عِنْد حَادث النِّعْمَة سنة مُؤَكدَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّه بِدعَة.." (5)



3: قنوت الوتر والفجر
قال طاووس رحمه الله في قنوت الوتر بأنه بدعة مع أن أكثر أهل العلم يقولون بخلاف ذلك:
" عند الشافعي وعلي وابن عمر وأبي بن كعب ومالك وأكثر العلماء السنة أن يقنت في الركعة الأخيرة من الوتر في النصف الأخير من رمضان لا غير. وروى أيضا عن أحمد. وعند أبي حنيفة وأحمد والثوري وإسحاق وابن المبارك يقنت فى الوتر في جميع السنة، وهو قول الزبيري من الشافعية، وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق وأبو ثور وابن مسعود. وروى عن الحسن أنه لا يقنت في جميع السنة كلها، وهو قول قتادة. وروى عن ابن عمر رواية أخرى أنه لا يقنت في الوتر ولا في الصبح. (((وعند طاوس القنوت في الوتر بدعة)))." (6)
وقال ابن المنذر : " وروي عن طاوس أنه قال: " القنوت في الوتر بدعة، وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: «ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا غيره، ولا أعرف القنوت قديما»(7)
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال في قنوت الفجر بأنّه بدعة "عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: «بِدْعَةٌ»" (8)

4: فِي اتِّبَاع النِّسَاء الْجِنَازَة
" قال الثوري اتباع النساء الجنازة بدعة" (9)
مع أنّ المسألة اختلف فيها أهل العلم: "جماهير العلماء على كراهة اتباع النساء للجنازة. حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة رضي الله تعالى عنهم ومسروق والحسن والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وهو قول الثوري ومذهب الشافعي رحمهم الله تعالى.
وقال جماعة: لا يُكره، وهو مروي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه والزهري وربيعة.
ومالك يكره في الشابة دون غيرها." (10)


وفقيه وعالم المدينة الإمام مالك رحمه الله هو كذلك سلف للشيخ الألباني في هذا المنهج العلمي، فقد ثبت عنه إطلاق البدعة على القول المرجوح في المسائل المختلف فيها، في عدة مواطن عن طريق روايات أصحابه ومنها:


5: مسالة وضع الخدين والسجود على حجر الأسود
قال مالك في هذا الفعل بدعة كما في المدونة:
" قلت لابن القاسم: أرأيت إن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك وقال هذا بدعة." (11)
مع أنّ المسألة اختلف فيها أهل العلم: قال ابن المنذر: " كان عمر بن الخطاب، وابن عباس، يسجدان على الحجر. وفعل ذلك طاووس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل. وأنكر مالك من بين الناس ذلك وقال: بدعة. وبما روى عن عمر، وابن عباس نقول." (12)

6: الدعاء بعد البسملة والتكبير أثناء الذكاة الشرعية بدعة عند مالك رحمه.
جاء في المدونة: "
قلت: أرأيت الضحايا هل يذكر عليها اسم الله، ويقول بعد التسمية اللهم تقبل من فلان، قال: قال مالك: يقول على الضحايا باسم الله والله أكبر فإن أحب قال: اللهم تقبل مني وإلا فإن التسمية تكفيه. قال: فقلت لمالك: فهذا الذي يقول الناس اللهم منك وإليك؟ (((فأنكره، وقال: هذا بدعة)))." (13)
وعند الشافعي سنة لورود السنة في ذلك " عند الشافعي يستحب أن يقول على الذبيحة: اللهم منك وإليك فتقبل مني. وعند أبي حنيفة يكره ذلك." (14)

7_ تكرار السورة نفسها بعد الفاتحة في الصلاة.
لا يشرع عند مالك تكرار سورة الإخلاص وغيرها في الصلاة ويرى أنها من البدع بخلاف بعض أهل العلم قال ابن أبي زيد القيرواني:
" ومن العتبية، قال ابن القاسم، عن مالك، سئل عن تكرير: {قل هو الله أحد} في النافلة، فكرهه، وقال: (((هذا مما أحدثوا.)))" (15)
وفي موضع آخر في نفس الكتاب " من سماع ابن القاسم، قيل: فقراءة {قل هو الله أحد} مرارا في الركعة؟ فكرهه، ((وقال هذا مما أحدثوا.))" (16)
ويوضح قصد مالك، الإمام ابن رشد فيقول: " قال مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إن تكريرها في ركعة واحدة من محدثات الأمور ورأى ذلك بدعة" (17)
مع أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم " ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا بأس للمصلي أن يكرر السورة من القرآن التي قرأها في الركعة الأولى، فعن رجل من جهينة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح {إذا زلزلت} في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا." (18)

8_ حكم التعريف لغير أهل عرفة، من اجتماع أهل الآفاق للدعاء يوم عرفة.
عند مالك من البدع بخلاف أحمد فله في هذا الفعل سلف
جاء في المغني:
" ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار، يجتمعون في المساجد يوم عرفة، قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد.
وروى الأثرم، عن الحسن، قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس، - رحمه الله -. وقال أحمد: أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث. وقال الحسن، وبكر، وثابت ومحمد بن واسع: كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. قال أحمد: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر لله. فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا. وروي عن يحيى بن معين أنه حضر مع الناس عشية عرفة." (19)

أما عند مالك رحمه الله فقد كره ذلك جاء في النوادر " ومن (العتبية)، ابن القاسم، عن مالك: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس يومئذ، فيكبرون ويدعون، فلينصرف عنهم، ومقامه في منزله أحب الى فإذا حضرت الصلاة، رجع فصلى في المسجد." (20)
ونقل أبو بكر الطرطوشي رواية فيها إطلاق البدعة على هذا الفعل: " قال ابن وهب: " وسمعت مالكا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء؟ فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع ". (21)
قال: " وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته ". (22)

وأكتفي بهذا القدر، والأمثلة أكثر مما نقلت، وفي هذا شهادة على أن ّ الشيخ الألباني لم يحدث منهجا جديدا عند إطلاقه للبدعة على القول المرجوح في بعض المسائل الخلافية.
وأسأل الله عزوجل أن ينفعنا وأن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، فإن كان صوابا فمن الله وما كان في من الزّلات والأخطاء فمن نفسي والشيطان، والحمد لله رب العالمين.
أخوكم أبو صهيب منير بوجلطية الجزائري. كتبه يوم : 4/ذو القعدة/1438ه
[/size]

الهامش
(1) أبو الحسين يحي بن أبي الخير بن سالم العمراني الشافعي، البيان في مذهب الإمام الشّافعي (2/185)، ت: قاسم محمد النّوري، دار المنهاج – جدة، ط: 1(1421ه-2000م)
(2) ابن المنذر أبو بكر محمذ بن إبراهيم، الأوسط في السنن والإجماع والخلاف (3/128)، ت: أبو حماد صغير، ط: دار طيبة – الرياض، ط: 1( 1405ه-1985م).
(3) محمد بن عبد الله بن أبي بكر الصردفي الريمي، المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة (1/139)، ت: سيد محمد مهنى، دارالكتب العلمية – بيروت، ط: 1(1419ه-1999م).
(4) ابن المنذر، الأوسط (5/287).
(5) أحمد بن فرح بن أحمد بن محمد أبو العباس اللخمي الشافعي، مختصر خلافيات البيهقي (2/195)، ت: ذياب عبد الكريم، مكتبة الرشد – الرياض، ط:1(1417ه-1997م)
(6) الصردفي، المعاني (1/162).
(7) ابن المنذر، الأوسط (5/207).
(8) محمد بن جرير الطبري، تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار (1/382)، ت: محمود شاكر، مطبعة المدني – القاهرة، ط:؟
(9) أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوى الحنفي، مختصر اختلاف العلماء (1/405)، ت: عبد الله نذير أحمد، دار البشائر –بيروت، ط: 2 (1417ه).
(10) محمد نعيم، موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي (1/257)، دار السلام للطباعة والنّشر – مصر، ط: 2(1428ه-2007م).
(11) الإمام سحنون، المدونة الكبرى (1/419)، دار الكتب العلمية، ط: 1(1415ه-1994م).
(12) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر، الإشراف على مذاهب العلماء (3/272)، ت: صغير أحمد الأنصاري، مكتبة مكة الثقافة _ الإمارات، ط:1 (1425ه-2004م)
(13) سحنون، المدونة (1/544).
(14) الصردفي، المعاني البديعة (1/409).
(15) ابن أبي زيد القيرواني، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (1/177)، دار الغرب الإسلامي –بيرت، ط: (1999م).
(16) المرجع السابق (1/527).
(17) أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (1/371)، ت: محمد حجي وآخرون، دار الغربي الإسلامي –بيروت، ط:2 (1408ه-1988م).
(18) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف – الكويت (25/289)،: مطابع دار الصفوة –مصر، ط1 (1404ه إلى 1427ه).
(19) أبو محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي، المغني (2/296)، مكتبة القاهرة، ط (1388ه-1968م).
(20) ابن أبي زيد القيرواني (1/531).
(21) محمد بن الوليد أبو بكر الطرطوشي المالكي، الحوادث والبدع ص126، ت: علي الحلبي، دار ابن الجوزي، ط:3(1419ه-1998م).
(22) المرجع السابق ص 127.


التعديل الأخير تم بواسطة أبو صهيب منير الجزائري ; 27 Jul 2017 الساعة 02:27 AM
رد مع اقتباس