عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12 Sep 2019, 04:32 PM
التصفية والتربية السلفية التصفية والتربية السلفية غير متواجد حالياً
إدارة منتدى التصفية و التربية السلفية
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 436
افتراضي فتـحُ الغنيِّ الحميـد في الدِّفـاع عن الشيخين ربيـعٍ وعُبيـد / لصاحب الفضيلة الشيخ الكريم عمر الحاج مسعود -حفظه الله-



فتـحُ الغنيِّ الحميـد في الدِّفـاع عن الشيخين ربيـعٍ وعُبيـد

الحمدُ لله العليِّ الأعلى والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ المصطفى، وعلى آله وصحبِه ومن اهتدى.
أما بعد:
فإنَّ مِن صفات المفرِّقة الوقيعةَ في العلماء الربانيّين الذين لا يوافقونهم على طعوناتهم في السلفيّين ومشايخِهم وطَلبتِهم، تلك الطعوناتُ التي ليس عليها دليلٌ ولا بيِّنة، والتي سبَّبت فُرقةً لا مثيلَ لها في تاريخِ الدعوةِ السلفيَّة المبارَكة.
فالعلماءُ وقفوا لهم بالمرصاد وكشفوا ما هم عليه من الفسادِ والإفساد، وفنَّدوا شُبهاتِهم الخطَّافةَ وقوَّضوا تأصيلاتِهم الفاسدةَ، فضاقوا بهم ذَرْعا وازدادوا عليهم حَنَقًا، وعقدوا لهم مجالسَ سِريَّةً ودبَّروا لهم مكايدَ عدوانيَّة، وقذفوهم بشتائمَ شنيعةٍ ووصفوهم بأوصافٍ قبيحةٍ، ولم يحفظوا حُرمتَهم ولم يراعوا سابقتَهم، ولم يشكروا معروفَهم.
ويأبى اللهُ الحكيمُ الخبيرُ إلَّا أن يعودَ غيبُهم شهادةً وينقلبَ سرُّهم علانيَةً، {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.
ومهما تكنْ عند امرئٍ من خَليقةٍ *** وإن خالها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمِ
فهذا الشيخ ربيعُ بنُ هادي المعروف بعلمِه وحكمته وصبره وبلائه الحسن، قالوا عنه: «كبِر فصار لا يضبط، ايجِي ويرُوح، يعني من شدة الكِبَر والتعب، وتقام له لافاج، أي: غسيلُ الدِّماغ، يتكلم لحظِّ نفسه، يجرِّح دون تفسير، لا يقرأ ولا يطَّلع على حقائق الأمور، له بطانةٌ سيِّئةٌ تُملي عليه ما يقول، يُحيطُ به الأشرار، يؤيِّد المميِّعةَ وجماعةَ الاحتواء، حاد عن الأصل، يُكذَب عليه ويصدِّق، لو تكلَّمَ فينا سيُسقطُ نفسَه، تكلَّم في محمَّد بن هادي بغير حقٍّ، وأتى بكبيرة في حقِّه، ولم يتراجعْ عنها»
وذلك الشيخ عبيدٌ الجابريُّ الحكيمُ الفقيهُ الأديب المتفرِّس قالوا عنه: «لسنا عَبيدًا له، وقع في فضيحةٍ، وغيرُ ثابتٍ في مواقفه، وأصبح يتلاعب فيها، وله أخطاء في العقيدة ...»، وصاروا يسخَرون منه في بعض قنواتهم ومنتدياتهم وينتقصونه.
وبعد كلِّ هذا نُفاجَأُ بقرنٍ آخرَ ينجُم، وطاعنٍ مسخَّر يهجُم، وهو يونس بن حجر، الذي أبى إلَّا أن يُدْليَ بدَلوِه النَّتِن، ويَضرِبَ بسهمِه الزَّمِن، ويشاركَ في هذه المأمورية القذِرة والمشروعِ الخسيس: «إسقاط العلماء الكبار وردّ أقوالهم بالهوى ونزع الثقة بهم».
فجاء يركُض ساخرا منهم ومستهزئا، وسابًّا وقاذعا: خادما مخلصا للمشروع، فنبز الشيخ عُبيدا بكونه أعمى البصر، وبصرُه بطانةُ شرٍّ، مثل الشيخين الفاضلين عبد الله البخاري وعرفات المحمدي، وطعن في إمامِ الجرح والتعديل ربيعٍ بكونه ضعيفَ السمعِ كبيرًا، لا يَسمع ولا يَدري ما يدور حوله.
يا هذا ما أشنعَ سبَّك وما أخسَّ سعيَك، لقد ضاهَيت الحزبيّين والحداديّين والمنحرفين الذين ينبِزون علماءَنا بمثل هذا، وأظهرتَ ما عندك من وَقاحةٍ وصلَف وتعالُم وتطاوُل وغرورٍ وسوءِ خلق وبذاءةِ لسان وقلَّةِ أدَب.
ولا يخفى عليك أنَّ الرَّبيعَ ذو عقلٍ وبصيرة ودقَّة وضبط وتحرٍّ وذكاء، وقد اتّفق طلبتُه وجلساؤه وضيوفُه وزوَّارُه أنَّه في كاملِ قوَّتهِ العقليَّة، وأنَّه لا يزال يقرأ ويطالعُ ويلاحظ ويَنصَحُ ويُصلح.
واعلم أنّ ذهابَ بصرِ الشيخ عُبَيد ليس وليدَ فتنتكم هذه، بل كان منذ أمد بعيد، ولم يمنعْه ذلك من التعلُّم والتعليم والتَّدريس والدَّعوة والإفْتاء والتَّأليف.
أعطاه اللهُ عزوجل كلَّ هذا جزاءَ صدقِه وصبره، وعوَّضه من حَبيبتيه بصيرةً وفِطنة وذكاء، وسيعوِّضه منهما ـ بإذنه ـ الجنّةَ ورؤيةَ وجهِه الكريم، كما قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ قال إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بحبِيبَتَيْه فصبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهما الجَنَّةَ»، يُريدُ عَينَيْه، [رواه البخاريُّ 5653].
أما الخطأُ والسَّهوُ والنِّسيان والمرض والنومُ فهي صفاتٌ من صفات البشر، فبارك الله في أنفاسِهما وجعلها في طاعتِه.
والعمى هو عمى القلبِ والطُّموسُ هو طموسُ البصيرة، قال الله عزوجل: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

إن كُنتَ لا تَسْمَع الذكْـرَى ففيمَ ثَوى *** في رَأسك الوَاعيان السمعُ والبَصَرُ
ليسَ الأصَمُّ ولا الأعمَى سوَى رَجُلٍ *** لم يَهْـدِه الـهَاديـان العَـينُ والأثَــرُ


ومَن كانت له بصيرةٌ في قلبِه فلا يَضرُّه عمَى بصرِه، كما هو حالُ غيرِ واحدٍ من العلماء والصلحاء، ورُوي عن ابنِ عباس ب من وجوه أنه قال في آخرِ عُمُرِه لما ذهب بصرُه [الاستيعاب لابن عبد البر 3/938]:

إِنْ يَأْخـذِ اللهُ مِن عيْنَيَّ نُـورَهـما *** ففِي لِسـانِي وسمْعِي مِنْهما نورُ
قلْبِي ذكِيٌّ وعقْلِي غيرُ ذِي دَخَلٍ *** وفي فَمِي صارِمٌ كالسَّيْفِ مأْثورُ


والعَمى الضَّارُّ أن يعمى قلبُ العبد عن الحقِّ ويتركَه ويتَّبعَ هواه، كأن لا يدركَ حقيقةَ ما وقع بينَ السَّلفيين مِن فُرقة وشرٍّ وفساد، ومَن تسبَّب في ذلك، ويُعرضَ عن نصائحِ الشيخين الكريمين النَّاصحين الأمِينَين، الدَّاعيةِ إلى الاجتماعِ على الحقِّ وإصلاحِ ذاتِ البيْن ونُصرةِ المظلومين والحفاظِ على هذه الدعوة وأبنائها، ونَبذِ الفُرقة وأسبابِها.
فعَجبٌ ـ يا قوم ـ طعنُكم فيهما وتنقُّصُهما، ألم يكونا قبلَ هذا من العلماء الفضلاء والأعلام النبلاء، من أهل الحَلِّ والعَقد، يُفزَع إليهما في الفتن والنوازل، لهما علمٌ وحكمة وعدل وبصيرة وفِراسةٌ وإتقان ونظرٌ ثاقب، لا يقبلان التَّلقينَ، ولا يطعَن فيهما وفي إخوانِهما ولا يسيءُ الأدبَ معهم «إلَّا صاحبُ هوى مفتون، أو حزبيٌّ حاقد معفون»، كما قال بعض شيوخك.
ولسنا ندرى لماذا هُرِعتم إليهما في بداية تخطيطِكم، وتباكَيتم عندهما، فهل كانا يبصران ويسمعان ويفقهان ويهدِيان بالحقِّ وبه يعدلان، والآن مرِضا وتغيَّرا وانحرفا وحادا عن الأصل؟
لمَ هذا الجُحودُ والنُّكران؟ ولمَ هذا الكِتمانُ والكُفران؟
إنَّه الهوى والضلالُ، وحبُّ التشفِّي والانتقام ممن اعتبرتموهم حَجَرَ عثْرةٍ في طريق مشروعِكم التَّفريقيّ، قال حذيفةُ بنُ اليمان رضي الله عنه: «فاعلمْ أَنَّ الضَّلَالَةَ حقَّ الضَّلالةِ أَن تَعرِفَ ما كنْتَ تُنكِرُ، وأَنْ تُنْكِرَ ما كُنتَ تَعْرِفُ، وإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ، فإِنَّ دِينَ الله تعالى واحِدٌ»، [رواه عبد الرزاق في جامع معمر 20454 وابن الجعد في مسنده 3083 ].
وهكذا يفعل الهوى بصاحبه، يُعميه عن الحقّ ويصدُّه عن اتّباعِه، ويمنعه من قَبول قول العالم، ويجرِّئُه على تخطئته، بل انتقاصِه والطعن فيه، ويصيرُ حالُه كحال اليهود الذين قال الله عزوجل عنهم: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} وقال تعالى: {فإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وعن أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قَال رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المرْءِ بِنَفْسِه» [رواه البزار 7293 والخرائطي في مساوئ الأخلاق 355 وانظر الصحيحة 1802]، وقال شيخ الإسلام رحمه الله [منهاج السنة 6/302]: «فإِنَّ الهوَى يُعمِي وَيُصِمُّ، وصاحبُ الهَوى يَقْبَلُ ما وافقَ هواه بلا حُجَّةٍ تُوجِبُ صِدْقَه، ويَرُدُّ ما خالف هواه بلا حُجَّةٍ توجِبُ ردَّه».
فاتَّقِ اللهَ وتحلَّ بالعدلِ والإنصاف، واحذر الوقيعةَ في أولياءِ الله ووَرثةِ الأنبياء، وإيّاك والاستخفافَ بقدْرِهم والاستهانةَ بمَقامِهم، فإنَّ ذلك سببٌ للهلاك والخُسران، قال الله عزوجل: «مَن عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ» [رواه البخاري 6502]، وقال ابنُ المبارَك رحمه الله: «مَن استَخفَّ بالعلماءِ ذهبَت آخرتُه» [السير 8/408]
إنَّ التعرُّضَ لهم بسوء سُمٌّ ناقعٌ وداءٌ قاتلٌ، يجعلُ صاحبَه من المفضوحين الأشقياء، ويُلحقُه بأهلِ البدع والزيغ الأغوياء، قال ابن عساكر رحمه الله [تبيين كذب المفتري ص 29]: «إِن لُحوم العلمَاء رحمَة الله عليْهِم مَسمُومَة، وعادَةَ الله فِي هتك أَسْتَار منتقصيهم مَعلومَة»، وقال أبو حاتِم الرازيُّ رحمه الله: «علامةُ أَهلِ البدَعِ الوقيعةُ في أَهلِ الأثَر» [شرح أصول الاعتقاد 1/197]
فتُبْ إلى الله وتحلَّلْ مِن هذه المظلمةِ، واستمسك بغرز أولئك الكبار الأخيار، وخُذْ بقوَّة نصائحَهما الغزار.
اللهم احفَظ الشيخين وإخوانَهما، واقْطع ألسنةَ الطاعنين فيهم، اللهم إنَّا نعوذ بك مِن زوالِ نِعمتِك وتحوُّلِ عافيتِك وفُجاءةِ نِقمتِك وجميعِ سخطِك.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه.

كتبــه:
عمــر الحـاج مسعـود
ليلة الأربعاء 12 من شهر الله المحرم 1441

__________________
عنوان البريد الإلكتروني
tasfia@tasfiatarbia.org

رد مع اقتباس