عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10 Sep 2015, 05:56 PM
أبو البراء خالد أبو البراء خالد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2018
المشاركات: 59
افتراضي

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

شيمة شريفة رحم اللَّه من اتَّصف بها

أعني بالشِّيمة الشَّريفة خصلةً من خصال الخير، حرص عليها سلفنا رحمهم الله، وورَّثوها لمن بعدهم من حملة الشَّريعة وطلَّاب العلم، تواصى بها العلماء وتنادى بها الفضلاء، وإن فيها لعزَّ الدُّنيا وخيرَ الآخرة.
هذه الشِّيمة هي الاعتزاز بالعلم والقرآن، والتَّرفُّع بهما عن أهل الدُّنيا، وتنزيهُهُمَا عن المطامع الدَّنيَّة.

ألَّف الإمامُ الجبل أبو عبيد القاسم بن سلَّام رحمه الله كتابه في «غريب الحديث» الَّذي هو أصلٌ عظيمٌ في هذا الباب، سَعِدَ به أبو عبيدٍ سعادةً باقية على الدَّهر، كيف وقد عُرض على الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل $ فاستحسنه، بل كتَبَهُ بيده! ولجلالته حرص عليه النَّاس، ولا سيَّما أهلُ الحديث وأصحاب العربيَّة، وكان الأمير طاهر بن عبد الله يودُّ أن يأتيه أبو عبيدٍ ليسمع منه الكتاب في منزله، فلم يفعل أبو عبيدٍ إجلالًا لحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان طاهرٌ هو يأتيه.

وفي مقابل ذلك لمَّا قدم عليُّ بن المدينيِّ وعباسٌ العنبريُّ فأرادا أن يسمعا منه الكتابَ، فكان أبو عبيدٍ يحمل كلَّ يوم كتابه ويأتيهما في منزلهما، فيحدِّثهما فيه، إجلالًا لعلمهما.
قال القِفْطِيُّ في «إنباه الرُّواة» (2/17) تعليقًا على هذا الخبر: «وهذه شيمة شريفةٌ، رحم الله أبا عبيد»!

وهكذا ينبغي أن نكون، يتواضع طالب العلم لأهل العلم وطلَّابه وأصحاب الدِّيانة، أمَّا أهلُ الدُّنيا من الأغنياء والرُّؤساء والوجهاء فلا ينبغي أن يَذِلَّ لهم أو يتواضَعَ التَّواضُعَ الَّذي لا يليق بمثله، كما هو حاصلٌ من كثيرٍ من طلَّاب العلم وأئمَّة المساجد، الَّذين يلينون مع الأغنياء وأصحاب المناصب لِينًا فيه من الذُّلِّ وإهانة العلم والقرآن ما فيه.

فيا أصحاب القرآن وطلَّابَ العلم وأئمَّة المساجدَ أنتم سادة النَّاس وقادة الأمَّة ومستودَع الشَّريعة، إن أهنتموها طمعًا في دنيا النَّاس فمن أين عزُّكم وعزُّها!

إذا كان الله تعالى عاتب نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم الَّذي هو أشرف الخلق وأكرمهم عليه في رجلٍ أعمى اشتغل عنه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بدعوة بعض الوجوه الَّذين رجا الخيرَ لهم ولمن وراءهم بإسلامهم وقبولِهم دعوَتَه، فكيف بمن يُعرض عن الفقراء والضُّعفاء، ويكون وجهه للوجهاء والأغنياء طمعًا في الدُّنيا الَّتي بأيديهم!!

قد ـ والله ـ عمَّ البلاءُ، واتَّسع الخَرْقُ، وانفرجت الهُوَّة، وصار كثيرٌ من المنسوبين إلى القرآن والعلم حديثَ المجالس، بتعلُّقه بأهل الدُّينا وطمعه فيما في أيديهم، وخيرُهم وأمثلُهم ـ ولا خيرَ فيه ـ يتقرَّب إليه الأغنياء، فيكرمونه ويُهْدُون إليه فيقبل منهم ويصاحبهم ويميل إليهم، فإذا هو لا يستطيع أن ينهاهم عن منكرٍ يأتونه، ولا يقدر أن يأمرهم بمعروفٍ يفرِّطون فيه، وربَّما يتحدَّث أولئك بما لهم عليه من المِنَّةِ وما لهم عنده من الصَّنيعة، ويطعنون عليه بسبب ذلك، فلا يدري إلَّا وهو قد وُسم عند النَّاس بِمِيسَمِ الطَّمَع، فأنَّى يَستفيدُ النَّاسُ ممَّن هذا حالُه، وكيف ينتفعون به!! بل بماذا ينفعهم وهو لم ينفع نفسه فيعرف للعلم قَدْرَه!!
ويعجني من كلام شيخنا أبي عبد الله أزهر قولُه في شَبيهٍ بهذا المقام: «مِن النَّاس من يتَّخذ دعوتَه قُربَةً يتقرَّب بها إلى الله، ومنهم من يتَّخذها قِرْبَةً يجمع فيها حطام الدُّنيا»، وإي والله، ما أكثَرَ من يطلب الدُّنيا بالدِّين، ومن العجيب أنَّ القُربة جاءت بالرَّفع، فضُمَّت القافُ لأنَّ صاحبَ هذا الوصف يمدُّ بسببٍ وثيقٍ إلى قول الله تعالى: «يرفع الله الَّذين آمَنُوا منكُم والَّذينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ»، وأمَّا القِربَةُ فجاءت بالخفض المناسب للإخلادِ الَّذي وصفَ الله به أصحاب هذا الحال بقوله: «وَلَوْ شِئنَا لَرَفعنَاهُ بِهَا وَلكِنَّه أَخْلَدَ إِلَى الأرضِ وَاتَّبَعَ هَوَاه»!

وقد قال الله تعالى لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلم: «وَاصْبِر نفسَكَ مَعَ الَّذينَ يدعُونَ رَبَّهم بالغداة والعَشِيِّ يريدون وجهَهُ وَلَا تَعْدُ عينَاكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيا».
فالإعراضُ عن مجالس العلم ومجالسةِ الفقراء الخاشعين العابدين، هو بشهادة القرآن رغبةٌ في زينة الحياة الدُّنيا، فلا يُلَبَسَنَّ على رجلٍ فيميل إلى المترفين فيجعلهم شعاره ودثاره، ويتَّخذهم أهلَ مدخله ومخرجه، ثمَّ يزعم أنَّه يريد هدايتهم وصلاحهم واستقامتهم، كلا والله، فقد قال يوسف بن أسباط رحمه الله: قال لي سفيان ـ يعني الثوريَّ ـ: «إذا رأيت القارئ يلوذُ بالسُّلطان فاعلم أنَّه لصٌّ، فإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنَّه مُراءٍ»، أخرجه المرُّوذي في «أخبار الشُّيوخ وأخلاقهم» (189)، فرحمك الله يا أبا عبد الله! ما كان أبصرك باللُّصوص والمُرَائِين، وأشدُّ من ذلك ما قال بشرٌ الحافي رحمه الله ورضي عنه: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ إذا أبغض عبدَهُ نبذه إلى هؤلاء المترفين»، أخرجه المرُّوذِيُّ أيضًا (210)، فاللَّهم عافِيَتَك.

وإنَّ البُعْدَ عن أهلِ الدُّنيا ـ ومنهم الأمراء والرُّؤساء ـ هديٌ سلفيٌّ قديمٌ، وله عند السَّلف مأخذان اثنان:
الأوَّل: أنَّه يرى المنكر فلا ينكره، وربَّما يثني عليهم بما ليسوا له بأهلٍ فيضيع دينُه.
الثَّاني: أنَّه يميل إليهم، ويفتتن بما عندهم من الدُّنيا، وزُخرُفها، فإنَّ القلوب كاسمِها قلوبٌ، سريعة إلى التَّقلُّب، معرَّضةٌ للافتتان، وهذا المعنى هو المناسب لِمَا نحن فيه.
نعم، ليسَ كلُّ من يُماشِي غَنِيًّا، قد يكون للرَّجل أصحابٌ على مثلِ حاله ثمَّ رَزَقَ الله فأَثْرَوْا، فليس هو مأمورًا بأن يجفَوا خِلَّانَه ويباعد أصحابه ما داموا على الهَدْيِ المستقيم، وليس لغيره أن يطعن عليه بسبب ذلك، فإنْ أخرجهم الغنى إلى ما لا يُحمَدُ وخَشِي منهم إفسادَ دينه ـ وأيس منهم بعدَ بذل النَّصيحة ـ فلا يسَعُه إلَّا أن يجفُوَهُم ويفارقَهم في ذات الله تعالى، لما صحبتهم من الضَّرر عليه وعلى دعوته، وقد فعل ذلك غيرُ واحدٍ من السَّلف، قاطعوا من تولَّى القضاء أو العمل للأمراء من إخوانهم خشيةَ هذا الَّذي ذكرتُ.

وقد يكون بعضُ الأغنياءِ من أهلِ الخير والإحسان والفضل المعروفين بذلك المشهود لهم به، فيكرمُهم من يكرمهم، ويكون ذلك لسابقة إحسانهم لأهل العلم والدِّين، وحسن بلائهم في الإعانة على أمور الخيرِ، وفي ذلك عونٌ لهم على البِرِّ، وتشجيعٌ لهم على البذل، ولا ينبغي أن يُظَنُّ بمن يكرم هؤلاء من مشيخَةِ العلم ومستقيمي الطُلَّاب أنَّه يفعل ذلك لدنياهم، حاشا وكلَّا، لإغن لإكرام أهل الفضل والمروءة أصلًا في الدِّين ثابت الأركان، وكلُّ امرئٍ بنفسه ذو بَصَر.

أعودُ فأقول: إنَّ التَّأكُّلَ بالدِّين خَلَّةٌ قبيحة، تُذهِبُ بركة العلم ورونقه وبهاءَه، وتمنع الانتفاع بحامله، وإنَّ الاعتزاز بالعلم والقرآن وإعزازهما عن غير أهلهما رِفعَةٌ وهدى، ولذلك كانوا يحبُّون للقارئ ومعلِّم الخير أن تكون له الكفاية حتَّى يستغنيَ عن النَّاس فيتمَّ انتفاعهم به، ومتى احتاج إليهم نقص من انتفاعهم به ومكانِه في أنفسهم بقدر ما أخذ من دنياهم، قال الحسن البصريُّ $: «لا تزال كريمًا على النَّاس ولا يزال النَّاس يكرمونك ما لم تتعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفُّوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك»، أخرجه عبدُ الله ابن الإمام أحمد في زياداته على «الزُّهد» لأبيه (326).

وقد بلغ سلفُنا في اجتناب انتقاص النَّاسَ شيئًا من دنياهم أنَّ عبد الله بن مُحَيرِيز، دخل على رجلٍ من البزَّازين ـ وهم باعَةُ البَزِّ الَّذي هو القماش ـ يشتري شيئًا فقال رجل للبزَّاز: «أتعرف هذا؟ هذا ابنُ محيريز»، فقام ابن محيريز فقال: «إنَّما جئنا لنشتري، بدراهمنا ليس بديننا»، أخرجه عبد الله (456)، هذا ابن محيريز الَّذي قال فيه الأوزاعيُّ: «من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز، إنَّ الله لم يكن ليُضلَّ أمَّةً فيها ابن محيريز»، كَرِهِ ـ عليه رحَمَاتُ الله السَّابغات ـ أن يعرِّفه الرَّجلُ للبائع فيحمله ذلك على أن يبيعَه برُخْصٍ رعايةً لشَرَفِه ومكانه! فأين هذا ممَّا يفعله قرَّاء زماننا؟! فقد رأينا منهم من يبتدئ البائعَ فيقول: «أَمَا عرفتني؟! إنِّي أنا فلان»! لعلَّه أن يضَعَ له من الثَّمن شيئًا، باعَ المسكينُ دينَه بِبِضْعِ دنانير وهو لا يشعر!!

وأحبُّ أن أختم بتذكير نفسي وإخواني بقصيدةِ القاضي أبي الحسن الجرجانيِّ (ت:392) الَّتي أنشَدَها في هذا المعنى، فلا يزال علماؤنا يحفظونَهَا ويحفِّظونَها للطَّلبة ويتناشدونَها في المجالس، وفيها يقول رحمه الله:
يَقُولُونَ لِي فِيْكَ انْقِباضٌ وإنَّمَا ... رَأَوْا رجُلاً عن مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجما
وما زِلْتُ مُنْحَازًا بِعِرْضِيَ جَانِبًا ... عَن الذَمِّ أعْتَدُّ الصِّيانَةَ مَغْنَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عندَهُمْ ... وَمَنْ أكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا
وَمَا كُلُّ برقٍ لاح لي يستَفِزُّنِي ... وَلَا كُلُّ مَن لَاقَيْتُ أَرضاهُ مُنْعِمَا
وَإنِّي إِذَا مَا فَاتَني الأمرُ لم أَبِتْ ... أُقَلِّب كَفِّي إِثرَهُ مُتَنَدِّمَا
وَلَمْ أقضِ حَقَّ العِلْمِ إنْ كانَ كُلمَّا ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِيَ سُلَّمَا
إذا قَيْلَ هذا مَنهَلٌ قُلْتُ قدْ أَرَى ... ولكنَّ نفسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّمَا
وَلَمْ أبْتَذِلْ في خِدْمةِ العلمِ مُهْجتِي ... لأِخْدِمَ مَنْ لاَقيْتُ لَكِنْ لأُخْدَمَا
أأشْقَى بِهِ غَرْسًا وأجْنِيهِ ذِلَّةً ... إذًا فاتِّباعُ الجَهْلِ قَدْ كَانَ أحْزَمَا
وَلَوْ أنَّ أَهل العِلمِ صانُوهُ صانَهُمْ ... وَلَوْ عَظَّمُوهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّما
وَلَكن أَهَانُوهُ فَهَانُوا وَدَنَّسُوا ... مُحَيَّاهُ بالأطماعِ حَتَّى تَجَهَّمَا

وقد أنشدَ هذه القصيدة السُّبكيُّ في «طبقات الشَّافعيَّة» (3/460)، رواها بأسانيده هكذا، وهي بنحوها في «يتيمة الدَّهر» (4/18)، و«معجم الأدباء» (4/1797)، وفي بعض الكُتُب زيادةٌ فيها لم أتحقَّق صحَّتها، فلذلك لم أُثبتها، فقد تكون زِيدت فيها كما فُعِل بكثيرٍ من مشهورِ القصائد، ثمَّ قال السُّبكيُّ (3/461): «لله هذا الشِّعْرُ ما أبلغه وأصنَعَه! وما أعلى على هامِ الجوزاء موضِعَه! وما أنفعه لو سَمِعَهُ من سَمِعَه! وهكذا فليكن ـ وإلَّا فلا ـ أدبُ كلِّ فقيه».

فَرَحِمَ اللهُ الحسنَ وأبا الحسن وكلَّ من اتَّصف بهذه الخلَّة فأحسن، ورضي الله عن الثَّوريَّ وأبي عُبيدٍ وابن محيريز وكلِّ من اعتزى إلى هذا الخُلُقِ العزيز، وغفر الله لنا ولسائرِ علمَائنا ومشايخِنا، ومن اتَّصَفَ بهذه الشِّيمَة الشَّريفة أو أحياها وأحال عليها، والحمدُ لله ربِّ العَالمين.


التعديل الأخير تم بواسطة أبو البراء خالد ; 18 Aug 2018 الساعة 06:56 PM
رد مع اقتباس