
19 May 2026, 03:52 PM
|
|
وفقه الله
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2014
الدولة: الجزائر ( ولاية بومرداس ) حرسها الله
المشاركات: 764
|
|
شكرا لك على هذا، أمَّا هذا فمردود عليك يا دكتور فركوس. (دس السم في العسل ليس من صنيع الأمناء!)
شكرا لك على هذا، أمَّا هذا فمردود عليك يا دكتور فركوس.
(دس السم في العسل ليس من صنيع الأمناء!)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله و صحبه ومن تبع هديه، وبعد؛ فقد اطَّلعني أحد المتعصبين على مقالةٍ جديدة للدكتور فركوس وشَّحها بعنوان) رمي أهل السُّنَّة بالمَدخلِيَّةِ )؛ وأثنى على ما جاء فيها من بيان، وأزرى علينا بعدم شكره عليها، وبعد تصفُّحها بعناية وقفتُ على شيءٍ من حسنها كما وصف! كما وقفت على دسِّه للسُّم في ثناياها، فوددت لو تصدَّى بعضُ إخواننا من طلبة العلم لبيان ذلك، ثم بدا لي أن أكتب ردًّا أكشف فيه ما ورد فيها من باطل، مدعمًا بالحجة والبرهان، ولا يضير عند أهل الإنصاف أن يردَّ مغمور على مشهور، فالحقُّ يُقبل من أيِّ جهةٍ جاء والباطل مردود مهما كان قائله، وهذا أوان الشروع في المقصود، وبالله التوفيق، وبه أستعين.
فأقول: إنَّ ممَّا لا شكَّ فيه أن الذبَّ عن أهل السنَّة يدخل في نَصْرِ الله ورسوله صلى الله عليه و سلم و نصر شريعته الغرَّاء وأهلها الداعين إليها، وفيه تكثير لسوادهم، وقمعٌ لأعدائهم ودمغ لباطلهم، ونصيحة لمن اغترَّ بهم، وهو من أجلِّ الأعمال الَّتي يُشكَر عليها من وُفِّق إليها بالحجَّة والبيان، وقد درج الدكتور فركوس في مقالته المشار إليها على منوال أهل السنَّة- في الجملة - في بيان الحق وإبراز مكانة العلماء، ودافع عن الشيخ ربيع المدخلي رحمه الله، وفنَّد ما نسب إليه بالباطل، وكلُّ هذا يُحسَب للدكتور ويُشكر عليه، فهو يُسهم في انقشاع بعض الضبابية المنهجية التي عُرف بها اتجاه العلماء؛ خصوصًا موقفه من الإمام الألباني وتلميذه العلَّامة ربيع المدخلي -رحمهما الله -، ولكنه مع الأسف الشديد لم يخلِ مقالته من محاولة تقرير وتمرير الإنكار العلني ونسبته إلى السلف ! فقد أدرج فيها ما يؤيِّد مقالته السيِّئة في الإنكار العلني على الحكَّام والسلاطين حيث قال: "ومِنْ ذلك ما نُقِلَ عن سيِّد التَّابعين سعيدِ بنِ المسيِّبِ ـ رحمه الله ـ مِنْ شدَّةٍ() (-هنا أحال الدكتور إلى قصة اسم والده حزن وأمر النبيّ صلى الله عليه و سلم له بتغييره ورفضه، وهو يشير إلى أثر ذلك-) وعدمِ ركونه إلى الحجَّاجِ أو الخُلَفاءِ مِنْ بني مروانَ، وإنكارِه لبعض أفعالهم دون شقاقٍ ولا خلافٍ ولا منازعةٍ، وكانوا يعرفون له قَدْرَه وفَضْلَه، وكان بالمُقابِل مِنْ أعظمِ النَّاس نهيًا عن الفِتَنِ والمنازعة؛ ومع ذلك كان ـ مع شِدَّتِه على المخالفين ـ رحيمًا بهم يستغفر لهم".
نعم هكذا فعل الدكتور وأدرج في مقالته ما يشبه المختصر لما قرَّره في الإنكار العلني على الحكَّام ونسب هذا إلى سيِّد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله، وهذا ما يفهمه العاقل الحصيف العارف بمنهج الدكتور وطريقته الماكرة في تمرير وترسيخ آرائه، فما علاقةُ إيراد معاملة ابن المسيِّب رحمه الله للأمراء والخلفاء مع ما كان يريد تبريره من الشدَّة على المخالفين ؟! إلا تسويته في معاملة هؤلاء وهؤلاء، والتقعيد لرأيه في الردِّ العلني على الحكام والأمراء، وقد أخطأ، هداه الله إلى سبيل الرشاد في هذا من عدَّة أوجه: الوجه الأول: أن الشدة التي كان يتكلَّم عنها خاصَّة بما يقع من العلماء في ثنايا الردود العلمية على أهل البدع والمخالفين، وليست في تسويغ الشدَّة على الحكَّام والسلاطين، ولا وجه لسَوق مثل هذه الأخبار إلَّا لتقرير منهجه المنحرف في الإنكار العلني، وبخاصَّة مع وجود عديد الأمثلة في بيان شدَّة العلماء على المخالفين، وفي ردود أئمة الجرح والتعديل وغيرهم كشعبة بن الحجاج وأحمد بن حنبل وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين الكثير، فما ألجأ الدكتور إلى هذا المضيق و القياس الفاسد؟!
نعم قد يُعتذر له بما عُرف به من الضعف المنهجي! وقلَّة ممارسته لعلم الحديث وعدم خبرته بكلام أئمَّة النقد والسنَّة، لذلك جاء بالعجائب حين تكلَّم في الرجال!
الوجه الثاني: في بيان تدليس الدكتور في ذكره الحجَّاج في سياق سرده لبيان شدَّة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله على الأمراء والحكام -وسيأتي ما يؤكد هذا :
بالرجوع إلى التراجم وما ذكر مما وقع بين الحجاج وابن المسيب رحمهما الله تجد أن أهل السير ذكروا موقفًا اشتد فيه ابن المسيب على الحجاج حين أساء في الصلاة وقد صلَّى بجانبه، ويتضح تدليس الدكتور حين تعلم أن هذا وقع قبل تولية الحجاج! فهل خفي هذا على علم الدكتور؟
وعلى فرض وقوع القصة بعد الولاية -وهذا بعيد- فإن الإنكار هنا حضوري مباشر كلَّمه كفاحًا ، وهذا إنكار مشروع على وفق ما قرره أهل السنة لا محذور فيه!
كما قد يتبادر إلى الذهن ن الدكتور لا يفرق بين معاملة الحكام و العلماء!؛ وقد فرَّق أهلُ السنَّة –كما هو مبثوث في كتب العقائد- بين معاملة أهل البدع والمخالفين وأهل الجور من أهل الولاية والأمراء؛ قال البغوي -رحمه الله- في "شرح السنة" (1/224، 227): "فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلًا يتعاطى شيئًا من الأهواء والبدع معتقدًا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرَّأ منه، ويتركه حيًّا وميتًا، فلا يُسلِّم عليه إذا لقيه، ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق.
والنهيُ عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حقِّ الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمةٌ إلى أن يتوبوا." إلى أن قال: «وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم».
في حين لا نجدهم يعاملون الولاة تلك المعاملة؛ قال ابنُ مفلح في «الآداب الشرعية» (1/175): «ولا ينكر أحدٌ على سلطان إلَّا وعظًا له وتخويفًا أو تحذيرًا من العاقبة في الدنيا والآخرة؛ فإنه يجب. ويحرم بغير ذلك؛ ذكره القاضي وغيرُه. والمراد ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلَّا سقط، وكان حكم ذلك كغيره».
وقال الشيخ العلَّامة ابن باز رحمه الله كما في رسالة (حقوق الراعي والرعية)، (ص27 - 28): ((ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الانقلاب، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها: لا حاكم ولا غير حاكم .. )).
ثم زاد الدكتور فركوس الطين بلَّة -وهو مما يؤكد تدليس الدكتور-وأنه يوهم أن إنكار ابن المسيب وشدته مع الحجاج كانت في زمن ولايته، السياق الذي ذكره فيه، فقال بعد ذلك: (أو الخلفاء من بني مروان وإنكاره) -وفوق هذه اللفظة ضع الخط الأحمر يا من زعمت أنَّنا نتكلَّف استخراج أخطاء الدكتور بالمناقيش -ولو فعلنا؛ فإن لنا في ذلك سلفًا- نعم كلمة الإنكار ! -هذا ما يريد الدكتور إيصاله وتقريره وترسيخه وتمريره على أنه فعل السلف -عند من يقرأ له ولو في غير موضعه، فلا تتعجب بعد هذا من سرد الدكتور لضوابط الإنكار ! فقال -هداه الله إلى سبيل الرشاد-: دون شقاق ولا خلاف ولا منازعة !
يا دكتور ما علاقة هذا بما نحن فيه؟! أما كفاك ما نشرتَه من فتاوى وتوضيحات ؟!
أم هو تمرير الشبهة وترسيخها بطريق التعريض و الإشارة؟!
وختامًا وعودًا إلى بدء، وبيانًا لخيانة الدكتور للأمانة؛وبالرجوع إلى كتب التراجم والسير فإننا نجد أن ما كان من إنكار سيِّد التابعين سعيد بن المسيب -رحمه الله- على الخلفاء إنما هو بحضورهم أو حضور من يُنيبهم وليُّ الأمر؛ فهو على شرط أهل السنَّة والجماعة في الإنكار الشرعي على ولي الأمر، ومثله رفضه تزويج كريمته لهم وردُّ عطاياهم وعدم طاعتهم في معصية الله في البيعة المبتدعة ؛ كلُّ ذلك فعلَه كفاحًا ليس في غيبتهم ، فكن لها يا دكتور، وافعل مثلها، واصبر واحتسب كما صبر ابن المسيب! فمن أنكر عليك رددنا عليه بنصوص الوحيين، أمَّا هكذا فلا يُقبل منك ولا ممَّن هو أكبر منك، وحجَّتنا الكتاب والسنَّة فهُما الحَكَم عند التنازع، والردُّ إليهما هو المتعيِّن.
قال الدكتور خالد حمودة -وفقه الله- في رده الموسوم بـ : «نقد فتوى الإنكار العلني وما لحقها من كتابات»:
«ومن جهة أخرى: فإن هذا الباب كان مشكلًا على جماعة من السلف، حتى إن بعضهم خرج بالسيف على الولاة، فهل يُحتجُّ بفعلهم في رد النصوص؟!
إن احتجاج الدكتور بإنكار من أنكر علنًا -لو ثبت عنهم- هو كاحتجاج الخوارج بخروج من خرج، وجوابُه هنا هو جوابنا هناك.
الوجه الثاني: إن ما صدر من بعض السلف- إن كان صدر منهم- على الوجه المخالف للنصوص فهو فعلٌ في موقف معيَّن اقتضاه الحال، وحملته عليه الغيرة على حرمات الله، وقد يكون معذورًا فيه، وقد يكون ذهل عن النص، أو اجتهد اجتهادًا أخطأ فيه، وقد يكون ظنَّ أن صورة فعله إنكارٌ للفعل لا على الحاكم، ولو قيل لأحدهم: هل فعلُك هذا تجويزٌ للجهر بالإنكار على الولاة؟ لقال: لا، كما حصل من بعض علمائنا في هذا العصر، فليس الفعل كالتقرير النظري الذي يفتح الباب للدهماء وعامة الناس، والعالمُ الربَّاني الذي يربي النَّاس بالعلم ويَسُوسُهم بشرع الله تعالى، ربَّما يفعل الشيء لمعرفته بموضعه الصَّحيح ومكانه المناسب، لكنَّه لا يفتح باب الاقتداء به لغيره ممَّن قد يضعه في غير موضعه ويستعمله على غير وجهه.
لقد حضرت الشيخ الغديان -رحمه الله- في درسٍ له في صحن المسجد الحرام؛ فعظَّم شأن الفتوى، وأتى على مآخذ المفتي ودرجات النظر في الأدلة بكلام عالٍ لا يفهمه أكثر الحاضرين، وعَرَض له الكلام على المصلحة المرسلة، فاستعمل مصطلح "الاستصلاح" بدلًا من "المصالح" ، فلمَّا فرغ من الدرس لقيته فسألته عن عبارة في الدرس، فقال : "إني تعمَّدت أن أتكلَّم بكلام لا يفهمونه حتَّى يعلموا شأن الفتوى، وأنها ليست بالأمر السهل، وتقصَّدت التعبير بالاستصلاح لئلَّا يسمع أحدُهم كلمة المصلحة فيذهب فيطبِّقها على ما يوافق هواه بغير هدى"، فما بالُ الدكتور يُصرُّ على إعلان جواز الإنكار على الولاة علنًا في زمن الثورات وفي أيام الفتن والقلاقل، لقد خالف نصوص الشريعة وقواعدها، وتنكَّب منهج العلماء وطريقتهم في أخذ العامَّة بما يُصلح لهم دينهم، ويباعدهم عن الفتن، فعَلامَ -بالله- نتكلَّف التأويلات البعيدة والاستدلالات الغريبة في تجويز أمرٍ لم يرجع على المسلمين عبر التاريخ الطويل إلا بالمضارِّ والشرور؟!» انتهى المقصود منه.
والحمد لله رب العالمين.
|