بمعنى أن الخيرية في هذه الأمة في أولها،وليس في آخرها،ولكن من فضل الله عز وجل على هذه الأمة،أنه جعل الخير باقي فيها لا ينقطع تماما،إنما باق فيها،ليس كما هو في أزمنتها الأولى،وهي أزمنتها الخيرة الزاهرة،إلا أنه دائما وأبدا تبقى باقية ،ممن هو قائم بأمر الله جل وعلا،مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم:لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين،لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم،حتى تقوم الساعة.
فهذا فيه الدلالة على أن الخير باقي في هذه الأمة،والخير يكون في هذه الأمة،ببقاء أمر الله قائما،بقيام أمر الله جل وعلا فيها،وأمر الله تبارك وتعالى،و ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام،وببقاء ذلك الدين الصافي المُصفى الذي تركنا عليها،نبينا صلى الله عليه وسلم:تركتكم على مثل البيضاء،ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
هذه الخيرية ولله الحمد والمنة باقية،تكون في بلد دون بلد،يزداد في زمن وينقص في زمن آخر،وهكذا حتى قيام الساعة،والساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق،وكما جاء في الحديث:حتى لا يبقى من يقول الله.
وعلى هؤلاء يقيم الله جل وعلا الساعة،وهؤلاء هم شرار الخلق في هذه الدنيا،وعليهم تقام هذه الساعة.
فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم،عن هذا الزمان الذي فيه مثل هذه الأوصاف،الذي وصفه :بالسنون الخداعة،والسنون جمع سنة،وهي الجذب الذي تُصاب به الأرض بسبب عدم نزول الغيث من السماء،هذا فيما هو من أمر هذه الأمة العام،فيما ليس لها فيه دخل،يعني هذا مما يبتلي الله جل وعلا به العباد،يكثر فيهم الجذب وهو الجفاف وانقطاع الغيث من السماء.
ويقع في مثل هذه السنون هذه الأوصاف:
أولها:أن يُكذب الصادق وهذا فيه دليل أن أهل الصدق، باقون في هذه الأمة،ولله الحمد والمنة،حتى في مثل هذا الزمان،وهم يتميزون عن غيرهم.
والصدق خصلة من أطيب الخصال،وهي من أخص صفات الأنبياء،والأنبياء هم الخُلص من عباد الله جل وعلا،وأي نبي لا يكون نبيا،ولا يُوحى إليه إلا بعد أن يُعرف، ويستفيض عنه أنه صادق،صادق في أقواله صادق في أفعاله،صادق مع نفسه صادق مع غيره،وهذا الذي عُرف به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم،كان لا يُعرف إلا بالصادق الأمين،فكانت هذه أخص صفاته،وأجل أخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
كذلك سائر الأنبياء ما من نبي إلا وصفه ربه جل وعلا،بهذا الوصف،{ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا }مريم.
ومثل هذا الوصف يجعل الناس يصدقون صاحبه،فيما يقول ولا يكذبونه أبدا،وانظر إلى هرقل لما استدعى أبى سفيان قبل إسلامه،يسأله عن هذا النبي الذي ظهر فيهم،قال: أكنتم عهدتم عليه كذبا؟ يعني هل عُرف بالكذب عندكم،قال: لا.لم يُعرف بالكذب عندنا البتة.
كان صادقا دائما وأبدا،بل هذه ميزته التي تميز بها،وعُرف بها بين قومه،جميعهم يعرفه بهذا الصدق.
الصدق الذي قال فيه نبينا عليه الصلاة والسلام:إن الصدق يهدي إلى البر،ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق،حتى يُكتب عند الله صديقا.
حتى يصل درجة الصديقية وهي درجة عظيمة،دخل أصحابها مع الذين أنعم الله عليهم،كما جاء في قوله:{ فَأُولَظ°ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَظ°ئِكَ رَفِيقًا }النساء.
هذه الصديقية جاءت بعد درجة النبوة،النبوة اختيار واصطفاء،لا مجال للعبد أن يجتهد فيه،حتى يصل إلى هذه الدرجة،خلافا لما يعتقده كفرة الفلاسفة،أن النبوة درجة قد يصل إليها الإنسان،يصل إليها الإنسان بتزكية نفسه وتهذيبها،حتى يبلغ درجة النبوة،وهذا كذب وبهتان وكفر بأصل من أصول الإيمان،ألا وهو الإيمان بالأنبياء والرسل.
النبوة اصطفاء من الله جل وعلا،{ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ }الحج،اصطفاء من الله تبارك وتعالى.
أما الصديقية منزلة يصلها عباد الله،السائرون في مراتب العبودية،ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:لايزال الرجل يصدق وتحرى الصدق،يصدق في أقواله وأفعاله ومواقفه،ويتحرى الصدق بمعنى يجتهد،حتى يحققه يتحاشى ضهه،ويترفع عن ضده ألا وهو الكذب،الكذب خيانة عظمى من أشنع وأقبح الصفات،كان العرب في الجاهلية،يستنكفون من هذه الخصلة الذميمة،ويعيرون ويبعدون من وُصف بها.
هذا على جاهليتهم،فكيف بمن أنعم الله جل وعلا عليه بالاسلام،بدين الحق وهو يقف عند هذه النصوص الكثيرة،التي فيها بيان فضل هذه الخصلة،والوعيد الشديد فيمن اتصف بضدها،فيمن اتصف بالكذب عياذا بالله.
بل إن الله جل وعلا،أمرنا ألا نكون إلا مع الصادقين،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}التوبة.
{ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }،مفهوم الآية أنه ينبغي علينا أن نجانب أهل الكذب والبهتان،وأن لا نكون معهم وأن تنفر نفوسنا منهم،من عُرفوا بالكذب ومن كان الكذب، ديدنهم ودينهم،نسأل الله جل وعلا العفو والعافية.
مثل هذه الأمور القبيحة،لا تكون إلا في مثل هذه الأزمنة،يُكذب فيها الصادق،مفسدة عظيمة تكون في الأمة حين يُكذب الصادق،تصوروا أهل الصدق في هذه الأمة،أهل الصدق إذا حدثوا يُكذبون،لا يُلتفت إلى قولهم ولا يسمع الناس حديثهم،لأنهم عندهم متهمون،النبي عليه الصلاة والسلام،لما أمره ربه جل وعلا،أن ينذر عشيرته الأقربين،قام في بني هاشم،يسألهم لو أني قلت لكم أن جيشا،من وراء هذا الجبل سيغير عليكم،أكنتم مصدقي؟ قالوا:ما عهدنا عليك كذبا قط.
يعني ما عهدناك أنك تكذب،بمعنى أنهم يصدقونه،إذا صُدق الصادق يكون في هذا دفع للمفاسد،ودفع للشر،وجلب للمصالح وجلب للخير بكل أنواعه.
يُصدق الصادق فيما يُعلم به الناس،فيأخذون كلامه لثقتهم به،ولعلمهم بصدقه،يعني هو مصدر موثوق،ولهذا نحن في هذا الباب،وهو من أعظم الأبواب،علينا أن نتخير من نسمع له في أمر ديننا،لأن الناس اختلفت أهواؤهم ومشاربهم...
يتبع ....
التعديل الأخير تم بواسطة أم صهيب السلفية ; 14 Apr 2018 الساعة 08:59 PM
|