تفنيد الشبهات ومختلف التعليلات
ولا يخفى أنَّ تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، بمولده صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لا يَشهدُ له أيُّ تفسيرٍ، وهو مخالِفٌ لما فَسَّرَهَا به الصحابة الكرام والأئمَّة الأعلام، وقد جاء عنهم أَنَّ المرادَ بفضل الله: القرآن، ورحمتِه: الإسلام، وبهذا قال ابنُ عباس وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم، وعنهما -أيضًا-: فضل الله: القرآن ورحمته: أن يجعلكم من أهله، وقيل: العكس(٢٧).
فالحاصلُ أنَّ اللهَ تعالى لم يأمر عبادَه بتخصيص ليلةِ المولد بالفرح والاحتفال، وإنَّما أمرهم أن يفرحوا بالإسلام وهو دِين الحقِّ الذي أنزل على نبيِّه صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وقد تعرَّضت الآية للبِعثة ولم تتعرَّض لولادته، قال تعالى -مُمْتَنًّا على المؤمنين-: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]، وفي «صحيح مسلم»: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً(٢٨)»(٢٩)، وفي رواية في «صحيح مسلم» - أيضًا - أَنَّه لَمَّا سُئِلَ عن صوم الاثنين قال: «وَيَوْمٌ بُعِثْتُ فِيهِ»(٣٠).
أمّا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5]، فالمراد بأن يُذكِّرَهم بنِعم اللهِ ونقمه التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى: أن يَعظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فإنَّ في التذكير بها لدلالات عظيمة على التوحيد وكمال القدرة لكلِّ مُؤمن، وأُردفت الآيةُ بالوصفين المذكورين وهما: «الصبر والشكر»؛ لأنَّهما ملاك الإيمان(٣١)، وفيما صحَّ من حديثِ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنّه قال: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ «شَكَرَ» فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ «صَبَرَ»، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(٣٢).
ولا يخفى أنّ الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدَهم من أهل الإيمان الذين يصبرون في الضرَّاء ويشكرون في السَّرَّاء ويحيون سُنَّته ويتَّبعون هديَه لم يفهموا من الآية الاحتفال بالمولد لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، ولا أقاموه، وإنَّما حدث بعد القرون الثلاثة المفضَّلة.
أمَّا شبهتهم بالحديث فغاية ما يدلُّ عليه الترغيب في الصيام يوم الاثنين(٣٣) وقد اكتفى به، وما كفى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يكفي أُمَّتَه، وما وسعه يسعها، ولذلك كان شكر الله على نعمة ولادته بنوع ما شكر به صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إنَّما يكون في هذا المعنى المشروع، ومن ناحية أخرى أنَّ يوم الاثنين الذي هو يوم مولده صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ومبعثه - كما ورد في الحديث - وافق يوم وفاته بلا خلاف(٣٤)، وعلى المشهور - أيضًا - أنَّ ولادته ووفاته كانتَا في شهر ربيع الأول، فلماذا يفرح الناس بولادته ولا يحزنون على وفاته، إذ ليس الفرح أولى من الحزن فيه، علمًا بأنَّ وفاتَه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مِن أعظم ما ابتلي به المسلمون، وأفجعِ ما أُصيبت به أُمَّة الإسلام، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، -أَوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ- أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي، عَنِ المُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي، أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي»(٣٥).
قال ابن الحاج المالكي -رحمه الله-: «العجب العجيب كيف يعملون المولد بالمغاني والفرح والسرور - كما تقدَّم - لأجل مولده صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في هذا الشهر الكريم، وهو صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيه انتقل إلى كرامة ربِّه عزَّ وجلَّ، وفُجعت الأُمّة وأُصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا، فعلى هذا يتعيَّن البكاء والحزن الكثير، وانفراد كُلِّ إنسان بنفسه لما أصيب به لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «ليعزّى المسلمون في مصائبهم المصيبة بي»»(٣٦).
وليس لليوم الثاني عشر من ربيع الأول - إن صحَّ أنّه مولده - من ميزةٍ دون الأيام الأخرى؛ لأنّه لم يُنقل عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنّه خصَّصه بالصيام أو بأيِّ عملٍ آخرَ، ولا فعله أهلُ القرون المفضَّلة من بعده، فدلَّ ذلك على أنَّه ليس له من فضلٍ على غيره من الأيام.
وحقيقٌ بالتنبيه أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومَن معه من الصحابة الكرام أجمعوا على ابتداء التقويم السنوي الإسلامي من التاريخ الهجري، وقد خالفوا في ذلك النصارى في البداءة حيث ابتدأوا تقويمَهم السَّنوي من يوم ولادة المسيح عيسى عليه السلام فعن سعيد بن المسيِّب قال: «جمع عمرُ الناسَ فسألهم: من أيِّ يوم يكتب التاريخ ؟ فقال علي بن أبي طالب: مِن يوم هاجر رسولُ الله وترك أرضَ الشرك، ففعله عمر رضي الله عنه»(٣٧-).
ولم يُنقل عنهم أنهم اتخذوا مولِدَه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولا مبعثَه ولا هجرتَه ولاَ وفاتَه عيدًا يحتفلون به، كما أنَّهم لم يقتدوا بالنصارى في وضع التاريخ الإسلامي، إذ المعلوم أنَّ من سنَّة النصارى اتخاذ موالد الأنبياء أعيادًا، فكيف العدول عن سُنَن الخلفاء الراشدين المهديِّين والاستنان بسُنَّة النصارى الضالين ؟! وقد قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(٣٨).
ولا يخفى أنَّ سبيل الصحابة رضي الله عنهم حقّ لازم اتباعه وقد جاء الوعيد بمخالفة اتباع غيرِ سبيل المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
أمَّا من رأى أبا لهب بعد موته في النوم أنه خُفِّف عنه بعض العذاب كلَّ ليلة الاثنين(٣٩)، فجوابه من عِدَّة وجوه:
الأول: إنَّه ليس في حديث البخاري أنَّه يخفَّف عنه كلّ اثنين، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل بشارتها إيَّاه بولادته صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وقد ذكر ابنُ حجر أنَّه أعتقها أبو لهب بعد هجرة رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(٤٠)، وروي أنَّه أعتقها قبل ولادته بزمن طويل(٤١).
الثاني: إنَّه خبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدَّثه به.
الثالث: وعلى تقدير أنَّه موصول فالذي في الخبر رؤيا منام فلَا حُجَّة فيه كما صَرَّح الحافظ ابنُ حَجَر(٤٢)، قال المعلمي -رحمه الله-: «اتفق أهلُ العلم على أَنَّ الرُّؤْيَا لا تصلح للحُجَّة، وهي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حُجَّة شرعية صحيحة»(٤٣).
الرابع: إنَّ الرائي في المنام: له أَخُوهُ العباس رضي الله عنه وذلك بعد سَنَةٍ من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر ذكره السُّهيلي(٤٤)، ولعلَّ الرَّائي لم يكن إذ ذاك قد أسلم(٤٥).
الخامس: إنَّ الخبر مخالِفٌ لظاهر القرآن والإجماع، قال تعالى: ﴾وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39]، وقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18]، ولقد كان أبو لهب من أشدِّ الناس عداوةً للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ومُبالغةً في إيذائه، الأمر الذي يهدم ما سلف من الفرح به لو صحَّ ذلك، وقد ذكر القاضي عياض انعقاد الإجماع على أنَّ الكُفَّار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذابٍ وإن كان بعضهم أشدَّ عذابًا من بعض(٤٦).
السادس: وعلى فرض التسليم والقَبول جَدَلاً بأن خفِّف عنه لإعتاقه ثويبة بسبب ولادته وإرضاعه؛ فإنَّ هذا الأمر لا يخفى عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، كما لم يَخْفَ عنه تخفيف العذاب عن أبي طالب لأجل حمايته ونصرته، ومع هذا العلم لم ينقل عنه اتخاذ يوم مولده عيدًا، ولا أصحاب القرون المفضّلة بعده.
وأمَّا التوسعة على الفقراء بإطعام الطعام وغيرها من أفعال البِرِّ والإحسان إن وقعت على الوجه الشرعي فهي من أعظم القربات والطاعات، لكن تخصيصها على الوجه الذي لا يثبت إلاَّ بنصٍّ شرعيٍّ، إذا انتفى تنتفي المشروعية، عملاً بقاعدة: «إِذَا سَقَطَ الأَصْلُ سَقَطَ الفَرْعُ»(٤٧).
أمّا الدروس والعِبر والعِظَات وتلاوةُ القرآن والذِّكر والصلاة على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وقراءة سيرته وغيرها فإنَّما تشرع كلَّ وقتٍ، وفي كلِّ مكان من غير تخصيصٍ كعموم المساجد والمدارس والمجالس العامَّة والخاصَّة، وتسري عليها القاعدة السابقة: «إِذَا سَقَطَ الأَصْلُ مَعَ إِمْكَانِهِ فَالتَّابِعُ أَوْلَى»(٤٨).
وإن أُريد بالدروس والعظات وقراءة سيرته إحياء الذكرى به فإنَّ الله تكفَّل برفع ذكره في الدنيا والآخرة على مدار الأزمنة والدهور، فيُذكر مع الله في الأذان والخُطَب والصَّلوات والإقامة والتشهُّد ونحو ذلك، فَقَصْرُ ذِكره في يومِ مولدِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم جفاءٌ في حَقِّهِ وتقصيرٌ في تعظيمه وتفريطٌ في توقيره ومحبّته.
وأمّا عاشوراء الذي حثَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم على صيامه شُكرًا لله على نجاةِ موسى ومَنْ معه فإنَّما كان امتثالاً لأمرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وطاعةً له وهو شُكْرٌ لله على تأييده للحقِّ على الباطل، لكن ليس فيه دليلٌ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ على إقامة الموالد والاجتماع إليها وإحداث المواسم الدينية، لربط الأزمنة بالأحداث - زعموا -، وإنَّما التوجيه النبوي لأُمَّته أن يعبِّروا على شكر الله بتجسيده بالصيام لا باتخاذه عيدًا يحتفل به حتَّى يُلحقَ به مولدُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، إذ لا يعرف في الإسلام من الأعياد السنوية إلاَّ عيد الأضحى وعيد الفطر -كما تقدَّم- ولو شرعه لنا عيدًا لندب إليه ولأمَر بترك صومه؛ لأنَّ الناس يعتبرون في العيد ضيوفًا عند الله تعالى، والصوم إعراض عن الضيافة، لذلك يفسد إلحاق حكم المولد قياسًا على عاشوراء لقادح المنع، وهو منع حكم الأصل.
ثمّ إنَّ الاحتفال بعيد ميلاد عيسى -عليه السلام- ليس من عادات الكفار، وإنَّما هو من عباداتهم، كما أفصح عن ذلك ابن القيم -رحمه الله- بقوله: «من خصَّ الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات، كيوم ميلاده، ويوم التعميد(٤٩)، وغير ذلك من أحواله»(٥٠).
وإذا سلَّمنا - جدلاً - أنَّه من عاداتهم، فقد نُهينا عن التشبُّه بأهل الكتاب، وتقليدهم، سواء في أعيادهم أو في غيرها لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٥١)، وأقلُّ أحوال الحديث اقتضاء تحريم التشبُّه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51](٥٢)، ومعلوم أنَّ المشابهة إذا كانت في أمور دنيوية فإنَّها تورث المحبَّة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية ؟ فإنَّ إفضاءَها إلى نوعٍ من الموالاة أكثر وأشدُّ، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، كما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-(٥٣).
التعديل الأخير تم بواسطة أبو نعيم إحسان ; 04 Mar 2008 الساعة 03:39 PM
|