عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26 Feb 2008, 06:51 PM
ابو عصام هشام الجزائري ابو عصام هشام الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 7
افتراضي

وهذا الأخير هو الصواب.

إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها(4).

والمحدثات أنواع: فمنها الشركي، ومنها البدع التي تجر إلى الشرك، ومنها بدع تقضي على السنن، وهذه المحدثات بأنواعها لم تكن في زمن الصحابة والتابعين مطلقاً، فلا كان في زمنهم قبور يعكف عندها، وتبنى القبابُ عليها، ويستشفع بأصحابها.

ولا كان عندهم توسل بحرمة الأنبياء والصالحين أو جاههم أو ذواتهم، ولا كان عندهم تحرٍ للدعاء عند القبور، ولا كان عندهم هذه الموالد والاحتفالات بمناسبتها، كل هذا لم يكن عندهم بإجماع المسلمين، فإذا كان ذلك كذلك فما استدل به الخلف من شبه لتبرير هذه البدع ينقسم ثلاثة أقسام:

الأول: آيات كريمة تأولوها على مراداتهم، محرفين لمعانيها عاسفين لها عسفاً.

الثاني: أحاديث، وهي قسمان:

القسم الأول: أحاديث صحيحة ليست على ما فهموه، ولا توافق مرادهم، وإنما يحرفونها عن معانيها وسياقها.

القسم الثاني: أحاديث واهية أو مكذوبة، وما أكثرها عندهم، وما أشدَّ فرحهم بها، وما أعظم إغلاءهم لهما، وما أحبهم لترديدها ونشرها.

الثالث: حكايات ومنامات يتناقلونها، وكأنها من مصادر التشريع.

والمخرج من الاستدلال بالآيات والأحاديث الصحيحة يكون بأمرين:

الأول: أن ما يستدل به المبتدعة ليس هو المعنى المراد، فأهل السنة المتبعون لفهم السلف يفهمون منه غير ما فهمه المبتدعة، فيكون فهمُ الخلف مردوداً بفهم السلف.

الثاني: -وهو فرع الأول- أن يقال: هل عمل السلف الصالح بفهم الخلف لما يستدلون به أم لم يعملوا به؟ والسلف لم يعملوا بهذه المحدثات اتفاقاً، ولن يقدر مبتدع أن يأتي بعمل للسلف مخالف لعمل الصحابة؛ لأن أهل السنة متبعون لعمل الأولين من الصحابة والتابعين، بخلاف الخلف الذين يفعلون ما لا يؤمرون.

وفي هذا المعنى ما رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله».(5).

ولذا لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين، يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، والشأن والصواب في صحة الاستدلال لا بمجرد الاستدلال.

قال الشاطبي بعد ذكر مجمل هذه المعاني (3/77): «فلهذا كله يجب على كل ناظرٍ في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل» انتهى.

إذا تبين هذا وانجلى، وظهر الحق واعتلى، فالذين يصح تشرفهم بالانتساب إلى السلف الصالح يدورون

مع هذه المسائل التي ذكرت.

1 - فما كان عمل الصحابة به منتشراً، عملوا به.

2 - وما تفرد به واحد منهم أو أفرادٌ وخالف فيه بقيتهم ردوه إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما أمرهم ربهم بذلك حيث قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. [النساء: 59].

فأمر بالرد إلى الله : وهو الرد إلى كلامه المنزل الحكيم ..قرآنه العظيم،وأمر بالرد إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو: الرد إليه في حياته، وإلى سنته الثابتة الصحيحة بعد وفاته، والنظر للاتباع في عمل الأكثرين.

فلم يظهر -بحمد الله- في قاعدتهم إخلال، ولا نابها اضطراب وهي القاعدة البينة، والسبيل النهج الواضح، والصراط المستقيم، وعليها سار الأئمة الأربعة في أكثر فقههم -رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة-.

3- وما لم يعمل به أولئك الكرام -أعني صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمر العبادات فهو محدث أحدثه الخلوف.

فما كف الصحابة والتابعون عما كفّوا عنه إلا لنظر سديد، وفهم حميد لأدلة الكتاب والسنة، ولا تركوا ما تركوا ما أحدثه من بعدهم -مع وجود أسبابه عينها التي برَّرَ بها المحدثون محدثاتهم- إلا عن فهم لأمور الشرع، وتركهم سنة متبعة وسبيل مقتفاة.

ولا رغبوا فيما رغبوا عنه مما طلب به الخلوف الأجر والثواب إلا وفِعْل ما رغبوا عنه ليس من الدين، فإنهم أحرص الناس على الخير، وأكثرهم تحرياً لولوج أبواب الطاعات المشروعة، فإنهم لا يتركون مشروعاً إلا وقد أتوه وطلبوا الثواب، وتقربوا إلى الله بعمله.

فما أفقه من اتبعهم في: أخذهم وتركهم، وفقههم وعلمهم، وفهمهم وعملهم، وما أحراه بكل خير وقربة، وما أجدره بأن يوفق في أمره كله.





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري (2652)، ومسلم (2533) عن عمران بن حصين، وابن مسعود، وألفاظه عندهما متعددة.

(2) أخرجه المقرئ في «ذم الكلام وأهله » (4/288)،عن ابن مسعود وأبو نعيم في « الحلية » (1/305) عن عبدالله بن عمر، وذكره كثير ممن كتب في العقيدة عنهما معلقاً .

(3) وساق الشاطبي أمثلة، وفي «التوسل والوسيلة» لشيخ الإسلام ابن تيمية من ذلك أمثلة كثيرة.

(4) «الموافقات» للشاطبي(3/73).

(5) رواه الدارمي(1/47)، واللالكائي في «السنة»، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»، وكذا رواه الدراقطني وابن أبي زمنين في «أصول السنة»، ونصر المقدسي في «الحجة على تارك المحجة» وآخرون.


المصدر

رد مع اقتباس