أَكذبُ الْحَديث واتتشاره فِي الْعَصْرِ الْحَديث.
بسم الله الرحمن الرحيم
أَكذبُ الْحَديث وانتشاره فِي الْعَصْرِ الْحَديث.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أمابعد:
والله لو سمينا هذا العصر بعصر سوء الظن والتهم لصدقنا في ذلك ، لأن الواقع ينطق بذلك ، فكم من التهم تكال بين المسلمين دون سبب ، وقد حرم الله تعالى سوء الظن بين المسلمين وتقاذف التهم بينهم بالباطل، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الظن وسماه أكذب الحديث روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ". [متفق عليه] فما هو سوء الظن وكيف يعرف المسلم أنه واقع فيه ؟
معنى الظنِّ لغةً:
ظنَّ الشَّيء ظنًّا: علمه بغير يقين، وقد تأتي بمعنى اليقين. و: فلانًا. و: به: اتهمه. والظِّنة: التهمة. والظَّنين: المتهم الذي تظن به التهمة، ومصدره الظنة، والجمع الظنن. ورجل ظنين: متهم من قوم أظناء [ لسان العرب ، المعجم الوسيط]
معنى سوء الظن اصطلاحًا:
قال الماوردي: (سوء الظن: هو عدم الثقة بمن هو لها أهل) [ أدب الدنيا والدين 1/ 168 ].
يقول تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ... }.[الحجرات:12].
قال ابن كثير في تفسيره:
يقول الله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا فليجتنب كثير منه احتياطًا،وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملا.
قال العلامة السعدي في تفسيره : نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فـ إن بعض الظن إثم وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه.
قال القرطبي: قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى: "ولا تجسسوا" وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس غير ذلك ويبحث عنه، ويبتعد ويستمع لتحقق ما وقع له من تلك التهمة.
و عد الإمام ابن حجر سوء الظن بالمسلم من الكبائر الباطنة فقال :
وهذه الكبائر مما يجب على المكلف معرفتها ليعالج زوالها لأن من كان في قلبه مرض منها لم يلق الله _ والعياذ بالله _ بقلب سليم ،وهذه الكبائر يذم العبد عليها أعظم مما يذم على الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها من كبائر البدن وذلك لعظم مفسدتها ،وسوء أثرها ودوامه إذ إن آثار هذه الكبائر ونحوها تدوم بحيث تصير حالاً وهيئة راسخة في القلب ،بخلاف آثار معاصي الجوارح فإنها سريعة الزوال , تزول بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية .
وليس كل ظن مذموم :
يقول الحافظ ابن حجر : قال الخطابي وغيره : ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبا ، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر المظنون به. [فتح الباري 10/481].
قال سفيان الثوري : الظن ظنان : أحدهما إثم ، وهو أن تظن وتتكلم به ، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم . [ تفسير البغوي - الحجرات -]
قال بن الجوزي في زاد المسير :قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن; والظن على أربعة أضرب . محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إليه، فأما المحظور، فهو سوء الظن بالله تعالى، والواجب: حسن الظن بالله، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور، وأما الظن المأمور به، فهو ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم به، وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه، والاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحكم عليه واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف، فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون . فأما الظن المباح، فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، وإن فعله كان مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ظننتم فلا تحققوا"، وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة، فلا ينبغي له أن يحققه . وأما الظن المندوب إليه، فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه . فأما ما روي في الحديث: "احترسوا من الناس بسوء الظن"، فالمراد: الاحتراس بحفظ المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق .
من أقوال السلف في التحذير سوء الظن :
-قال ابن عباس: (إنَّ الله قد حرم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنَّ به ظنَّ السوء).
-قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: (لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظنُّ بها سوءًا،وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا. وقال أيضًا: لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه) .
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم) [ ربيع الابرار 3 / 257 الزمخشري ]
وقال رضي الله عنه: (من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعنَّ فيه مقالات الرِّجال،ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى) . نفس المرجع.
- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ)
قال المهلب: (قد أوجب الله تعالى أن يكون ظنُّ المؤمن بالمؤمن حسنًا أبدًا، إذ يقول: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12]، فإذا جعل الله سوء الظَّن بالمؤمنين إفكًا مبينًا، فقد ألزم أن يكون حُسْن الظَّن بهم صدقًا بينًا)
قال القاضي عياض: (ظن السوء بالأنبياء كفر) [ إكمال المعلم 7 /63 ].
قال الخطابي: (الظن منشأ أكثر الكذب) [ 23 / 223 ].
وهل بعد هذا يبقى المسلم وخاصة السلفي يتحسس من أخيه السلفي ويسيء به الظن بسبب أمور لا يترتيب عليها ولاء ولا براء و ليست من الأمور المنهجية ، بل هي نفسية ، تكثر فيه القالة ، قال لي وقلت له ثم يأتي الشيطان ويزرع نبتة السوء - سوء الظن - ثم يسقيها وتتسلق بين الإخوان وتعقد على القلوب الأحزان - والله المستعان -
من المقال المختصر نستخلص بعض الأحكام والعبر:
1 – كثر في هذا الزمن سوء الظن والتهم
2 – الظن هو العلم دون يقين والتهمة ،وقد يأتي الظن بمعنى اليقين.
3 - سوء الظن: هو عدم الثقة بمن هو لها أهل.
4 – نهى الله عزو جل عن سوء الظن والتهم والتخون للأهل والأقارب والناس دون سبب.
5 – حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الظن وسماه أكذب الحديث كما جاء في الحديث.
6 – سوء الظن من الكبائر.
7 - ليس كل ظن مذموم .
8 - الظن ظنان : أحدهما إثم ، وهو أن تظن وتتكلم به ، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم .
9 – لم ينه عن جميع الظن والظن على أربعة أنواع: محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إليه.
10 – حذر السلف أشد التحذير من سوء الظن وعدوه من الظلم والتعدي على الآخرين.
11 – لا ينبغي سوء الظن بالمسلم دون سبب بين ولا سماع السوء فيه. فهو يسبب العداوة والفرقة والاختلاف.
أسال الله أن يبصرنا بعيوبنا ويجعلنا ممن يحسن الظن ولا يسيء الظن بالمسلمين .
كتبه وجمعه : أبو عبد السلام جابر البسكري
ليلة السبت : 29 ربيع الأول, 1437 هجري.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد السلام جابر البسكري ; 09 Jan 2016 الساعة 02:49 PM
|