عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03 Jan 2015, 05:30 PM
أم ياسمين السلفية أم ياسمين السلفية غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 159
افتراضي

الشر الرابع:
شر الحاسد إذا حسد، وقد دلّ القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود فنفس حسده شر يتصل بالمحسود في نفسه وعينه، وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه، فإن الله تعالى قال: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }، فحقق الشر منه عند صدور الحسد، والقرآن ليس فيه لفظة مهملة لكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المسحود ولاهٍ عنه فإذا خطر على قلبه انبعث نار الحسد من قلبه فيتأذى المحسود بمجرد ذلك، فإن لم يستعِذْ بالله ويتحصن به ويكون له أوراد في الأذكار والدعوات، والتوجه إلى الله والإقبال عليه بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله وإلا ناله شر الحاسد ولا بد، وفي الحديث الصحيح رقية جبريل النبي r وفيها: (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك)، فذكر شر عين الحاسد ومعلوم أنها لا تؤثر بمجردها إذ لو نظر إليه نظر لاهٍ ساهٍ، كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثر فيه شيء وأما إذا نظر إليه نظر من قد تكيّفت نفسه الخبيثة وانسمت فصارت نفسًا غضبية [خبيثة] حاسدة، أثمرت بها تلك النظرة فأثرت في المسحود بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد، فربما أمرضه، وربما قتله، والتجارب بها عند الخاصة والعامة أكثر من أن تذكر.
وهذه العين إنما تؤثر بواسطة النفس الخبيثة، وهي بمنزلة الحية إنما يؤثر سمها إذا عضت؛ فإنها تتكيف بكيفية الغضب فتحدث فيها تلك الكيفية السم فتؤثر في الملسوع، وربما قويت حتى تؤثر بمجرد النظر وذلك في نوع منها حتى يؤثر بمجرد النظر فتطمس البصر وتسقط الحَبلَ، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم في أبتر وذي الطُّفتين منها اقتلوهما، وهذا علم لا يعرفه إلا خواص الناس. وهل الانفعال والتأثير وحدوث ما يحدث في الأجسام للأرواح والأجسام آلتها بمنزلة الصانع فالصنعة في الحقيقة له والآلات وسائط. ومن له فطنة وتأمل أحوال الأرواح وتأثيراتها وتحريكها الأجسام رأي عجائب وآيات دالة على وحدانية الله وعظم ربوبيته، وأن ثم عالمًا آخر يجري عليه أحكام أخر يشهد آثارها وأسبابها غيب عن الأبصار فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين.
والعائن والحاسد يشتركان في شيء ويفترقان في شيء، فيشتركان في أن كل منهما تتكيف نفسه وتوجه نحو من تقصده أذاه.
والعائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين ومعاينته.
والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور ويفترقان في أن العائن قد يعين من لا يحسده من حيوان أو زرع فإذا كان لا ينفك من حسد صاحب، بل ربما أصاب نفسه وسببه الإعجاب بالشيء واستعظامه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية يؤثر في العين وقوله: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } يعم الحاسد من الجن والإنس، فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما أتاهم الله من فضله، ولكن الوسواس بشياطين الجن.
والحسد أخص بشياطين الإنس والوسواس يعمهما أيضًا، فكلا الشيطانين حاسد موسوس فالاستعاذة من شر الحاسد يعمهما جميعًا، فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم، وتضمنت شرور أربعة يستعاذ منها شرًا عامًا وهو شر ما خلق، وشر غاسق إذا وقب، فهذا نوعان.

ثم ذكر شر الحاسد والحاسد وهما نوعان أيضًا لأنهما من شر النفس الشريرة وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده، وهو الساحر، وقل ما يأتي السحر بدون نوع عبادة الشيطان وتقرب إليه إما يذبح باسمه أو يذبح يقصد به هو، فيكون ذبحًا لغير الله وبغير ذلك من أنواع الشرك، والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له وإن سمّاه بما سمّاه به، فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا سجود له هذا خضوع، ويقبل الأرض بالجبهة كما قبلها بالفم ، أو هذا إكرام، لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجود لغير الله فليسمه بما شاء، وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه، فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، بل يسميه استخدامًا وصدق هو من استخدام الشيطان له فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان لكن خدمة الشيطان ليست [خدمة] عبادة فإن الشيطان لا يخضع له ويعبده كما يفعل هو به، والمقصود أن هذا عبادة منه للشيطان وإن سماه استخدامًا.
وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: { إِذَا حَسَدَ } لأن الرجل قد يكون عنده حسد، ولكن لا يرتب عليه أذى لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئًا من ذلك ولا يعامل أخاه إلا بما يحبه الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله، وقيل للحسن البصري: ((أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك إخوة يوسف" ، فالرجل إذا كان في قلبه حسن لكن يخفيه ولا يترتب عليه أذى بوجهه ما لا بقلبه ولا بلسانه وبيده بل لا يعامل أخاه إلا بما يحب الله، فهو لا يطيع نفسه، بل يعصيها خوفًا من الله وحياءً منه أن يكره نعمة على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله وبغضًا لما يحب الله فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويلزمها الدعاء للمحسود بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسد ورتب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم، هذا كله حسد تمني الزوال.

رد مع اقتباس