
08 Dec 2014, 11:59 AM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 437
|
|
إن الواجب يحتم علينا إنكار هذه الحزبيات و لو أدى ذلك إلى خسارة الأصدقاء فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقا و هذا معروف عند السلف فقد قال أويس بن عامر القرني سيد التابعين وسيد العباد بعد الصحابة رحمه الله : «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقا : نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظائم وأيم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه»([1]).
و مع هذا فلن نسكت و لو خسرنا آلاف الأصدقاء بل و لو خسرنا أقرب الناس إلينا فالدين أولى من أي شيء.
هذا و أول شيء نقوله لك يا عبد الفتاح أن لفظ الصحوة الذي سميت به حزبك و الذي قد شاع على ألسنة الناس في هذه الأيام لفظ يحتاج إلى تأمل ، فالسَّلفية درعٌ حصين حفظت دين هذه الأمَّة مِنْ زمن أبي بكر رضي الله عنه أيَّام الرِّدَّة، ومرورًا بمحنة الإمام أحمد رحمه الله في فتنة خلق القرآن ، ووصولاً إلى زمَن شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله في فتنة التَّتار، وانتهاءً بزمننا هذا وبخاصَّة دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نجد و الدعوة السلفية التي قادها الشيخ عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي والعقبي والتّبسي ومبارك الميلي رحمهم الله في بلدنا العَزيز أيَّام الاحتلال الفرنسي ، و من هنا أيمكن القول أن هؤلاء الأعلام بهذه الدعوة المباركة كانوا نائمين ثم صحوا؟ فهذا[ وصف لم يعلق الله عليه حكماً ، فهو اصطلاح حادث ، ولا نعرفه في لسان السلف جارياً ، وجرى استعماله في فواتح القرن الخامس عشر الهجري في أعقاب عودة الكفار كالنصارى إلي ( الكنيسة ) . ثم تدرج إلى المسلمين ، ولا يسوغ للمسلمين استجرار لباس أجنبي عنهم في الدين ، ولا إيجاد شعار لم يأذن الله به ولا رسوله ؛ إذ الألقاب الشرعية توقيفية : الإسلام ، الإيمان ، والإحسان ، التقوى ، فالمنتسب : مسلم ، مؤمن ، محسن ، تقي .... فليت شعري ما هي النسبة إلى هذا المستحدث ( الصحوة الإسلامية) : صاحٍ ، أم ماذا ؟؟ ثم إنه يعني أن الإسلام كان في غفوة ، وحال عزل في المسجد - كالديانة النصرانية كانت في الكنيسة فحسب - ثم أخذ في التمدد والانتشار ، ففي هذا بخصوص الإسلام إغفال للواقع ، ومغالطة للحقيقة ، وإيجاد جو كبير للتخوف من المتدينين والرعب منهم حتى تتم مقاومتهم ، وفي مصطلحات الصوفية كما في رسالة ابن عربي ( مصطلحات الصوفية) : الصحوة : رجوع إلى الإحسان بعد الغيبة بوارد قوي]([2])، هذا فيما يخص لفظ الصحوة أما فيما يخص الحزبية فليعلم أخي المسلم أنه لا حزبية في الإسلام و [لا يجوز أن يتفرق المسلمون في دينهم شيعا وأحزابا يلعن بعضهم بعضا ويضرب بعضُهم رقاب بعض، فإن هذا التفرق مما نهى الله عنه ونعى على من أحدثه أو تابع أهله،وتوعد فاعليه بالعذاب العظيم، وقد برأ الله رسوله صلى الله عليه وسلم منه، قال تعالى : ﴿واعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفَرَّقُوا)، إلى قوله تعالى : (ولاَ تَكُونُوا كالَّذينَ تفَرَّقوا واخْتلَفُوا مِن بَعدِ مَا جاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُولائِكَ لهُمْ عَذابٌ عظيمٌ ﴾[آل عمران: 103-105]. وقال تعالى: ﴿إنّ الَّذينَ فرَّقُوا دِينَهُم وكانُوا شِيعًا لسْتَ منْهُم في شيْء إنَّما أمرُهم إلى الله ثم يُنبِّئهُم بما كَانُوا يفْعلُون* من جَاء بالحَسنةِ فلَهُ عشرُ أمثالِها ومَن جاءَ بالسَّيِّئَة فلاَ يُجزَى إلاَّ مثلَهَا وهُمْ لَا يُظلَمُونَ﴾[الأنعام: 159-160]. وثبَت عن النَبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»([3]) والآيات والأحاديث في ذم التفرق في الدين كثيرة.] ([4]).
و قال الشيخ ابن باز رحمه الله : « أما الانتماءات إلى الأحزاب المحدثة فالواجب تركها، وأن ينتمي الجميع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يتعاونوا في ذلك بصدق وإخلاص، وبذلك يكونون من حزب الله الذي قال الله فيه سبحانه في آخر سورة المجادلة : ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[ المجادلة : 22]» ([5]).
خسئت يا حمداش أتريد التبرير لحزب المقيت بجعله وسيلة لنشر الدعوة و تعليم الناس كما قلت عند أول تصريح لك لما أسست حزبك السلفي ! ! : «معروف الآن أن مشايخ التيار السلفي المعروفين لا يعتمدون في نشر الدعوة السلفية إلا على الطرق التقليدية كحلقات العلم في المساجد، أو عبر طبع الكتب الدينية والمواقع الإلكترونية».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : «وليس للمعلِّمين أن يحزِّبوا الناسَ ويفعلوا ما يُلْقِى بينهم العداوةَ والبغضاءَ، بل يكونون مثل الإخوةِ المتعاونين على البِرِّ والتّقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]» ([6]).
فما بال هؤلاء الآن يقولون أن مشايخ التيار السلفي المعروفين لا يعتمدون في نشر الدعوة السلفية إلا على الطرق التقليدية كحلقات العلم في المساجد ، فمنذ متى كانت المجالس البرلمانية لها دور في نشر الدعوة ؟ و هل كان رسول الله صلى الله عليه و سلم و صحابته الكرام رضوان الله عليهم ينشرون دين الله بواسطة الأحزاب السياسية؟ و هل أسسوا حزبا ليتعاونوا مع الكفار بحجة نشر الدعوة؟ وهذا أمر عجيب لا تجده إلا عند الحزبيين لذا فلا تعجب لمثل هذه السخافات ، زد على هذا منذ متى يا عبد الفتاح كان تفريق الأمة و تحزيبها شيعا من دين الله ؟ ألم يقل ربنا تبارك و تعالى : ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾[الروم:31-32] ، و هل تعلم أن لفظ شيعا يأتي للذم ؟ قال ابن القيم رحمه الله: « قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ فالشيعة الفرقة التي شايع بعضها بعضًا أي: تابعه، ومنه الأشياع أي: الأتباع، فالفرق بين الشيعة والأشياع أنَّ الأشياع هم التبع والشيعة القوم الذين شايعوا أي: تبع بعضهم بعضًا، وغالب ما يُستعمل في الذمِّ، ولعلَّه لم يَرِدْ في القرآن إلاَّ كذلك كهذه الآية وكقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾، وذلك والله أعلم لِما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضدُّ الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يُطلق لفظ الشِّيَع إلاَّ على فِرَق الضلال لتفرُّقهم واختلافهم، والمعنى: «لننزعنَّ من كلِّ فرقةٍ أشدَّهم عُتُوًّا على الله وأعظمهم فسادًا فنلقيهم في النار»، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ العذاب يتوجَّه إلى السادات أوَّلاً ثمَّ تكون الأتباع تبعًا لهم فيه كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا»([7]).
- يتبع - =====
([1]) : الاعتصام للشاطبي رحمه الله (1/ 39).
([2]) : معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد رحمه الله (ص: 109).
([3]) : أخرجه البخاري برقم (7077) و (7079) باب قول النبي صلى الله عليه و سلم : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» و في كتاب الحج برقم (1739) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
([4]) : باختصار من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء رقم( 1674) في 7/10/1397هـ.
([5]) : مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء السابع بواسطة موقع الشيخ رحمه الله.
([6]) : مجموع الفتاوى (28/ 15-16).
([7]) : بدائع الفوائد لابن القيِّم (1/155).
|