قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)"
1- قال أبو عبيدة: "إذْ" زائدة، والتقدير: وقال ربُّك، وأنشد لأبي الجراح الأسود بن يعْفُر:
فإذ وذلك لا مَهاهَ لذِكرِه *** والدَّهرُ يُعقِبُ صالحا بفسادِ
والبيت يروى: فإذا...، ومعنى لا مهَاهَ: لا طعم ولا فضل.
وقد أنكر على أبي عبيدة هذا القولَ، الزَّجاجُ والنَّحاسُ، قال النحاس: هذا خطأ، لأنَّ "إذْ" اسم، وهي ظرف زمان، ليس مما تزاد، وقال الزَّجاج: هذا اجترام من أبي عبيدة، ذكر الله عزَّ وجلَّ خلقَ الناس وغيرِهم، فالتقدير: وابتدأ خلقَكم إذ قال، فكان هذا من المحذوف الذي دلَّ عليه الكلام، كما قال النَّمر بن تولَب:
فإنَّ المنيَّةَ مَن يخشَها *** فسوف تُصادِفُه أينما
يريد: أينما ذهب.
2- الأَلوكَة والمَألَكة والمَألُكة: الرسالة، قال لبيد:
وغلامٍ أرسَلَتْه أمُّهُ *** بأَلوكٍ فبذلنا ما سألْ
وقال عدي بن زيد:
أبلِغ النُّعمان عنِّي مألُكا *** إنَّه قد طال حبسي وانتظاري
ويروى: ملْأكا.
قال الشاعر وينسب لعلقمة بن عبدة:
فلستَ لإنسِيٍّ ولكن لملْأَكٍ *** تنزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يصوبُ
3- قُرِأ "ويسفِكَ" بالنصب، جواب الاستفهام بالواو، قال الحطيئة:
ألم أكُ جاركم ويكونَ بيني *** وبينكمُ المودَّةُ والإخاءُ
ويروى:
ألم أك مسلما فيكون بيني *** ............
4- أصل "دم": دمْيٌ أو دمَيٌ، وقد نُطِق به على الأصل في قول علي بن بدَّال وينسب لمثقب العبدي:
فلو أنَّا على حجَرٍ ذُبحنا *** جرى الدَّمَيان بالخبر اليقين
5- التسبيح: التنزيه من السوء على وجه التعظيم، قال أعشى بني ثعلبة:
أقولُ لمَّا جاءني فخرُه *** سبحان من علقمة الفاخرِ
6- قيل: تسبيح الملائكة: رفع الصوت بالذكر، قال جرير:
قبَحَ الإله وجوهَ تغلِبَ كلَّما *** سبَحَ الحجيجُ وكبَّروا إهلالا
ويروى: شبَح، ومعناه: رفع الأيدي بالدعاء.
وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان الله، على عرف اللغة، وهو الصحيح.
7- بناء "قدَّس" كيفما تصرَّف فإن معناه: التطهير، قال امرؤ القيس:
فأدركْنَه يأخُذْنَ بالسَّاق والنَّسا *** كما شَبْرَقَ الوِلدانُ ثوْبَ المُقَدَّسِ
النَّسا: عرق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذين، ثم يمر بالعرقوب، حتى يبلغ الحافر، وشبرق: خرَّق ومزَّق، والمقدَّس: الراهب الذي يأتي بيت المقدس، والشاعر يصف ثورا لاحقته الكلاب، فأدركته وفعلت به ما فعلت.
8- "أَعْلَم" فيه تأويلان، قيل: إنه فعل مستقبل، فتكون "ما" في موضع نصب، وقيل: إنه اسم بمعنى: فاعل، فتكون "ما" في موضع خفض، كما يقال: الله أكبر بمعنى: كبير، قال معن بن أوس:
لعمرُك ما أدري وإنِّي لأوجَلُ *** على أيِّنا تعدو المنيَّة أوَّلُ