عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 05 Feb 2014, 10:07 PM
بلال بريغت بلال بريغت غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 437
إرسال رسالة عبر Skype إلى بلال بريغت
افتراضي

﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾[الناس:4]:

الوسواس هنا صفة الموسوس وإن خالف المعهود في أبنية الصفات، أو هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال والزلزلة.

وأصل هذه الكلمة دائر على معنى الخفاء، والعرب تسمي حركة الحلي وسواسًا([1])، وهذا المعنى واضح في المراد هنا فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الإنس يتحرى الإخفاء ما استطاع ويحكي الحيلة في ذلك ولا يرمي رميته إلّا في الخلوات.

وإن الناس ليعرفون عرفانًا ضرورًّيا من الفرق بين المصلحين والمفسدين أن الأولين يصدعون لكلمة الحق مجلجلة ويرسلون صيحته داوية ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا ويستترون إذا فعلوا ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.
والخناس: وصف مبالغة في الخانس من الخنوس وهو التأخر بعد التقدم ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي إغراقًا في الكيد وتقصيًا في التطور حتى يبلغ مراده([2]).

فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا وهجومًا وانتهازًا واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾[الأعراف:17]. يرشدنا بذلك لنعِدَّ لكل حالة من حالاته عُدَّتها، ولنُضيِّق عليه المسالك التي يسلكها.

كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية ثم دواليك حتى تملّ أو يملّ.

وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد فهو مبالغة في التحذير منه لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره.


-يتبع-

======

[1] :قال ابن القيم رحمه الله : (وأصل الوسوسة: الحركة أو الصوت الخفي الذي لا يحس، فيحترز منه.
فالوسواس: الإلقاء الخفي في النفس، إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه، وإما بغير صوت، كما يسوس الشيطان إلى العبد.
ومن هذا: وسوسة الحلي وهو حركته الخفية في الأذن.
والظاهر- واللّه أعلم- أنها سميت وسوسة لقربها، وشدة مجاورتها لمحل الوسوسة من شياطين الإنس. وهو الإذن. فقيل: وسوسة الحلي.
لأنه صوت مجاور للأذن، كوسوسة الكلام الذي يلقيه الشيطان في أذن من يوسوس له.
ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس، ويؤكده عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها. فقالوا: وسوس وسوسة. فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه) [بدائع التفسير (3/441-442)]
[2] : قال ابن القيم رحمه الله : (وأما الخناس : فهو فعال ، من خنس يخنس : إذا توارى واختفى.
ومنه قول أبي هريرة رضي الله عنه : (لقيني النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة ، وأنا جنب. فانخنست منه)[رواه البخاري (283) ، و مسلم (371)]. وحقيقة اللفظ : اختفاء بعد ظهور. فليست لمجرد الاختفاء، ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله تعالى : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾[التكوير:15] قال قتادة : هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار ، فتختفي ولا ترى. وكذلك قال علي رضي الله عنه : هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى)[بدائع التفسير (3/446)]


التعديل الأخير تم بواسطة بلال بريغت ; 07 Feb 2014 الساعة 10:28 PM
رد مع اقتباس