عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 03 Feb 2014, 06:34 PM
بلال بريغت بلال بريغت غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 437
إرسال رسالة عبر Skype إلى بلال بريغت
افتراضي

﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾[الفلق:02]:

من كل مخلوق فيه شر، فلا يدخل في عمومه إلّا كل شرير من أي العوالم كان، كما يدخل في عموم الناطق كل ذي نطق، أو من شر كل مخلوق. ومن مخلوقات الله ما هو خير محض كالأنبياء والملائكة. ومعلوم أن المخلوقات كلها خلقت بحق ولحكمة فهي في نفسها خير، فإن كان لا ينشأ من أعمالها أو آثارها إلا الخير فهي الخير المحض، وإن كان ينشأ عنها الشر أحيانًا أو دائمًا فعملها هو الشر وهو المستعاذ منه.

وتصح نسبة هذا القسم إلى الله من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين لا من حيث الرضى والتكليف، فالله لا يرضى بالشرّ ولا يكلف به، وقصارى إبليس -وهو مادة الشر في هذا الوجود- أن يزيد الشر ويلبسه بالخير، فالشر بيد الله خلقة وحكمة لا رِضًا وتكليفًا، والخير بيد الله خلقة وحكمة ونعمة وأمرًا.
وقد يكون الشرّ ذاتيًا لا ينفك، وقد يكون نسبيًّا باعتبار حالة تعرض واتجاه يقصد ونعم الله على عباده قد تنقلب عليهم شرًا وبلاءً بسبب سوء تصرفهم فيها، كالمال الذي سماه الله خيرًا في القرآن([1]) - يكسبه صاحبه من الوجوه الشرعية وينفقه في الوجوه المشروعة. ويتحرى رضا الله في جمعه وتفريقه فيكون خيرًا بذاته وبعمل صاحبه، ويتصرف فيه بعكس ذلك فيكون شرًا لا من ذاته بل من عمل صاحبه.
وهذا العالم الإنساني المكلف هو الذي يتجلّى الخير والشرّ في أعماله، ويتصلان بحياته اتصالًا وثيقًا، وإنما عيب عليه الشر وقبح منه لأنه قادر على تمييزه واجتنابه ومكلف بذلك، وقد وضع له الدين قوانين ثابتة للخير والشر، وَوَضَّح له أن الخير ما نفع وأن الشر ما أضر.

ولكنه وإن أُوتي قوّة التمييز لم يؤت قوّة الاستعصام ابتلاء من الله.

فأما المخذول فيأتي الشر عامدًا متعمدًا وهو يعلم أنه شر.

وأما الموفق فيواقع الشر في مواقف يشتبه عليه فيها الخير بالشر ويعسر التمييز.

والخير والشر لا يوزنان بميزان حسِّيٍّ يستوي الناس كلهم في إدراكه، وقد تَدِقُّ الفوارق بينهما حتى تخفى، وفي هذه المواقف يجب الالتجاء إلى الله ليرينا الخير خيرًا ويكشف لبصائرنا عن حقائق الشر فلا يلتبس علينا شيء بشيء، وبعد أن يوجه الاضطرار نفوسنا هذا التوجيه الصحيح تندفع ألسنتنا ونقول:

﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾.
وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين (رب) و(الفلق).

فإن ربَّ الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم هو الذي تنكشف لعلمه سرائرهم.

والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فتُرَى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيغ البصر في شيء منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالمًا فقد تخفى عليه حقائق المعقولات فيزيغ فكره ويطغى.
ومناسبة أخرى: وهي أنَّ الشر ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشر كالظلام وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشر بالظلام، ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأنس بالنور والبشاشة له هو عين ما يلابسه من الأنس والبشاشة للخير، وأن ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه هو عين ما يضايقهم من ذلك في الشر.
هذا كله في الشر على عمومه، ثم خصص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر لشدة تعلقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيء أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيبًا بديعًا لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقته في رعاية المراتب وتنسيقها في العرض على الأذهان.
هذه الثلاثة هي:

- الغاسق إذا وقب.

- والنفاثات في العقد.

- والحاسد إذا حسد.


و الغاسق: الليل المظلم، والمراد هنا المصيبة تطرق ليلًا وعلى غرّة.

و وقب: دخل في الوقب، وهو النقرة في الشيء.

والنفاثات: السواحر ينفثن الريق واللفظ، جمع نفاثة، كثيرة النفث.
والعقد: جمع عقدة، بيان لعادة السواحر المعروفة من عقد الخيوط ونفث الريق عليها.
والجامع بين الثلاثة هو اشتراكها في الخفاء، فإن الغاسق ظلام تخفى فيه الشرور، والنفاثات مبني أمرهن على الإخفاء تخييلًا وإيهامًا، والحسد داء دفين.

فالثلاثة كما ترون شرها خفي، وكل شر يخفي عمله أو يخفى أثره يجلّ خطبه ولعظم خطره. فيعسر التوقّي منه والاحتياط له. لأنك تتقي ما يظهر ويستعلن لا ما يخفى ويستتر، لا جرم كانت الثلاثة جديرة بالتخصيص.

أما نكتة الترتيب فإن الليل ليس شرًا في نفسه ولا الشر من عمله، وإنما هو ظرف للشرور، والعلاقة بين الشيء وظرفه مكينة في النفوس قوية في الاعتبار مسبّبة للحكم على أحدهما بحكم الآخر.

بخلاف النفاثات والحساد فإن الشر من عملهما ومن وصفهما، ولانطباعهما عليه صار ذاتيا لهما.

ولا شك أن الشر الذاتي أمكن من العرضي، كما أن بين الاثنين تفاوتا في ذاتية الشر وقوّته وعسر التوقِّي منه.

فالنفاثات وإن كن يتحرين إخفاء عملهن ولكنه مما يمكن ظهوره وافتضاحه، بخلاف الحاسد فإنه يخفي شره ويبالغ فيظهر بمظهر الخير فشره أشد والتوقي منه أعسر، ففي الترتيب بين الثلاثة ترقٍّ من الأخف إلى الأشد.

ومن جهة أخرى نجد التناسب ظاهرًا بين الثلاثة: (الغاسق) و (النفاثات) و (الحاسد)، فإن الجميع ظلام، ظلام الزمن وظلام السحر وظلام الحسد.

وفي تقييد الغاسق بالوقوب احتمالان كلاهما صحيح مفيد للمراد.

الأول: أن وقوب الغاسق عبارة عن اعتكار الظُّلَم وتكاثفها، فكأن بعض أجزائها يدخل بعضًا، والظلام يبدأ خفيفًا مشوبا بإسفار من أو من طبيعة الأرض، ثم يشتد ويحلو لك حتى يغطّي على كل شيء، فتلك التغطية هي الوقوب.

والوقوب على هذا الاحتمال منظور فيه إلى ظرفه الزماني.

وفائدة القيد حينئذٍ أن تلك الحالة المصورة بهذه الجملة هي التي تقع فيها الشرور من الآدميين وغيرهم.

فالطارق يطرق والسارق يسرق والحيات تنتهش، والضواري تفترس، وظلام الليل يستر ذلك كله ويعين عليه ويعوق عن الاستصراخ والاستنجاد، والعرب تقول في ما يشير إلى هذا: (اللَّيْلُ أَخْفَى لِلْوَيْلِ).
فالمستعاذ منه على هذا الاحتمال شرٌ يقع في زمان، والاحتمال الثاني أن الوقوب في حقيقته هو دخول شيء في شيء دخولًا حسّيًّا فيقتضي ظرفًا مكانيًّا، وما هذا الظرف إلّا الأبنية والمساكن، والظلام حين يهجم يدخل المساكن فيملأها ويكون دخوله فيها أبين من دخولها في الفضاء وملؤه إياها أشد، فالوقوب على هذا منظور فيه إلى ظرفه المكاني، لأن الشرور التي ترتكب في البيوت حين يغمرها الظلام أكثر مما يرتكب منها في الفضاء خصوصا من الآدميين، والمستعاذ منه شر يقع في مكان، وعلى الاحتمالين لما كان الليل معوانًا لذوي الشر على شرهم أضيف الشر إليه واستعيذ بالله منه. والنفاثات: صفة إما للنفوس فتشمل الرجال والنساء وتكون الاستعاذة من شر كل من يتعاطى هذا الفعل رجلًا كان أو امرأة، وأما للنساء وخُصِّصن بذلك لأن وقوع هذا الفعل منهن أكثر، وهُنَّ به أشهر.

والنفث: إخراج الهواء من الفم مدفوعًا بالنفس بدون بصاق، أو مع قليل منه تتطاير ذراته وهو دون التفل، والنفث وإن كان عامًا لكنه اشتهر فيما يفعله السحرة، يعقدون خيطًا ويتمتمون عليه برقى معروفة عندهم وينفثون على كل عقدة منه بقصد إيصال الشر من نفوسهم الخبيثة إلى نفس المسحور.﴿ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾[البقرة:102]. وما أمرنا الله بالاستعاذة من شره إلّا لأنه يؤثّر في بعض النفوس القابلة للتأثر به، حاش النفوس المعصومة كنفوس الأنبياء، فإن شرور الدنيا وأسوأها لا تعدو أبدانهم إلى أرواحهم.

ولا يتعاصى على هذه القاعدة ما ورد في سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([2]) وما يوهمه لفظ الرواية فإن ذلك كله لا يخرج عن التأثر البدني.
ونحن نعتقد دينًا أن تأثير المؤثرات هو من وضع الله وحده. ونقطع علمًا وتجربة أن للقوى النفسية تأثيرًا أعظم من تأثير القوى الجسمانية، وأن من مظاهر هذا التأثير النفساني تأثير العين في المعيون وتأثير التنويم في المنوّم، وأن التأثير والتأثر النفسانيين يختلفان باختلاف النفوس الفاعلة والمنفعلة قوّة وضعفًا، وأن تأثير العين ليس من ذاتها وإنما هو من النفس التي من وراء العين، ولو كان التأثير من ذات العين لكانت كل عين ناظرة تُحدث ذلك الأثر، وإن هذا التأثير لون من ألوان النفس، فإن كانت خيرة كان تأثيرها خيرًا، وإن كانت شريرة كان شرًا.

فالنفث المذكور في الآية إنْ أثَّر فإنما يؤثر بالقوّة النفسية التي من ورائه، والساحر لا ينفث من نفسه الخبيثة إلّا نفث الشر، لأن الشر هو صفته الطبيعية، كالحية لا تنفث الترياق وإنما تنفث السم. وكالعدو يلقاك بطعن الأَسَل([3])، لا بطعم العسل إذ كان ذلك من طبيعة العداوة.

هذا نفث الشر من النفوس الشريرة كنفوس السحرة، وأما النفوس الخيرة الطيبة كنفوس المؤمنين فإنها تنفث الخير للخير. وفي الصحيح عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ بَيْنَ كَفَّيْهِ ثم نَفَثَ فِيهِمَا وَهُو يَقْرَأُ المُعَوذتين ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ بَدَنِه، يَبْدَأُ بِرَأْسَهُ وَوَجْهَهُ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ)([4]).

فهذا نفث الخير من خير نفس خلقها الله.

ثم قالت في تمامه: (فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ [بِهِ]([5]))([6]).

وفي رواية: كان يقرأ بالمعوذات، فلمَّا ثقل كنتُ أنفثُ عليه بهذا، وأمسح بيد نفسه؛ رجاء بركتها([7]).

وفي رواية مسلم عنها: (أنه كان يفعل ذلك إذا مرض أحد أهله)([8]).
فهذه الأحاديث- وهي ثابتة صحيحة- تثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ المعوذات وينفث حين القراءة نفث الخير قطعًا. وتبين لنا أن كل نفس تنفث ما وقر فيها. وأن النفث إيصال للقوة الروحانية إلى ما يراد وصول الأثر إليه، وهي دليلنا على ما أسلفنا من أن في النفث خيرًا وشرًا، ولولاهما لما كان النفث إلّا من فعل السحرة.

والنفوس إذا استفزها شيء من ملابستها تتفشى فيها الروحانية وتضطرب، فكأنها بذلك النفث تنفض جزءًا من روحانيتها على نفس أخرى أو على بدن، وكأن تحريك اللسان بقراءة أو غيرها إثارة لتلك الروحانية واستدعاء لها حتى تتصل بالريق الذي ينفث كما يتصل السيال الكهربائي بشيء مادِّي، وقد علمنا أن السحرة لا ينفثون نفثًا مجردًا بل يغمغمون برقى شيطانية وأسماء أرواح خبيثة.

ومن الشواهد لنفث الريق ما أخرجه مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي بأصبعه هكذا -تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان([9]) بالعمل- ثم رفعها وقال: (بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا)([10]).

...


[بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث سكت لحظة كمن يستجمع خواطره ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع]:

إن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة فلا يستقل بتفسيره إلّا الزمن، وكذلك كلام نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع لم تفهم أسرارها ومغازيها إلّا بتعاقب الأزمنة وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون، وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصف القرآن: (لا تنقضي عجائبه)([11]).
والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونهما بالفكر الخامد والفهم الجامد، وإنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم، وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات، لم يأت مصداقها أو تأويلها بعد. يعنون أنه آتٍ وأن الآتي به حوادث الزمان ووقائع الأكوان وكل عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه.
ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم: أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أسبابه في هذا الحديث؟ فماذا (تراهم)([12]) يقولون؟
يقول المتخلف القاصر: تربة المدينة بِرِيق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شفاء ما بعده من شفاء.
ويقول الطبيب المستغرب: هذا محال في التراب مكروب، وفي الريق مكروب. فأنَّى يشفيان مريضا أو ينفسان عن مكروب؟!.
ويقول الكيمياوي: ها هنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل.
ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمدًا رسول الله. فقد علّم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه تشفي من القروح والجروح، ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له. وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به وليقرر لهم من منن الوطن منة كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تُغذي وتُروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تَشْفي، فليس هذا الحديث إرشادا لمعنى طبي ولكنه درس في الوطنية عظيم.

ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقى والطب فإنه بباب حب الوطن أشبه، وما نرى رافع لعقيرة بقوله:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً *** بِوَادٍ وَحَوْلِي (إِذْخِرٌ)([13]) وَ(جَلِيلُ)([14])
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ *** وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ([15]).

إلّا سائرًا على شعاعه، وما نرى ذلك الغريب المريض الذي سئل: فيم شفاؤك؟ فقال:[ شمة من تربة اصطخر، وشربة من ماء (نهاوند)([16])]([17]) إلّا من تلامذة هذا الدرس.

ولقد زادنا إيمانًا به بعد إيمان أنه يقول: (تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا)، و لم يقل: (تربة الأرض بريق بني آدم)، فليس السر في تربة وريق ومرض، ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا فهذه- والله ربنا- صخرة الأساس في بناء الوطنية والقومية لا ما يتبجح به المفتونون([18]).
ويقول الروحانيون: إن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها وتغذى بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوّها وهوائها. من ريقة منفوثة نفث الخير من نفس مؤمنة قوية الروحانية، فيكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني، وإذا تجلت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب.
ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذه الأصول كاسمها أصول.

وهكذا تأتي بعض المتون من كلام الله وكلام رسوله معجزة للعقول، فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون، والعلوم حرف العقول، والزمان من وراء الكل يصيح أن انتظروا ...


-يتبع-


====


[1] : و ذلك في قوله تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: 180] ، و قوله تعالى : ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾[البقرة:272].
قال ابن كثير في تفسيره : (وقوله : ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ : أي : مالا . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، و عطاء ، و سعيد بن جبير ، و أبو العالية ، وعطية العوفي ، والضحاك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة ، وغيرهم .
و قال البغوي في تفسيره : (﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾أي مالا نظيره قوله تعالى : ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾).
[2] : تقدم تخريجه.
[3] : أي بطعن النَّبْل و الرماح.
[4] : أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب فضائل القرآن : باب فضل المعوذات ، رقم (5017) عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:( أنَّ النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ ؛ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثم نَفَثَ فِيهِمَا ، فَقَرَأَ : ﴿قل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ ثُمَّ يمْسَحَ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَبْدَأُ بِهِمَا على رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ).
[5] : ساقطة من الأصل .
[6] : أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب الطب : باب النفث في الرقية ، رقم (5748).
[7] : أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب الطب : باب المرة ترقي الرجل رقم (5751) عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (أنَّ النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،كان يَنْفِثُ على نَفْسِه في مرضه الذي قُبِضَ فيه بالمعوّذات، فلمَّا ثَقُلَ كنتُ أنا أنفثُ عليه بهنّ، وأمسحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لبَرَكتِها).
[8] : صحيح مسلم : كتاب السلام : باب رقية المريض بالمعوذات و النفث ، رقم (2192) عن عائشة قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي وفي رواية يحيى بن أيوب بمعوذات).
[9] : سفيان هو : ابن عيينة رحمه الله.
[10] : كتاب السلام : باب رقية المريض بالمعوذات و النفث ، رقم (2194) قال : (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن أبي عمر واللفظ لابن أبي عمر قالوا حدثنا سفيان عن عبد ربه بن سعيد عن عمرة عن عائشة به).
و فيه : (ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها) و هذا ما يفسر قول الشيخ رحمه الله : (كما فسرها سفيان بالعمل).
[11] : ضعيف. وهو قطعة من حديث أخرجه الترمذي في سننه : كتاب فضائل القرآن : باب ما جاء في فضل القرآن ، رقم (2906).
و انظر السلسلة الضعيفة للعلامة الألباني رحمه الله برقم (6393).
[12] : كذا في آثار الإبراهيمي ، و في آثار ابن باديس جمع عمار طالبي ( تقولهم).
[13] : (إِذْخِرٌ): بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين حشيش مكة ذو الرائحة الطيبة[شرح الزرقاني على الموطأ].
[14] : (جَلِيلُ): بجيم وكسر اللام الأولى نبت ضعيف يحشى به البيوت وغيرها[شرح الزرقاني على الموطأ].
و جاء في شرح الزرقاني : قال أبو عمر(وهو ابن عبد البر): (إذخر وجليل نبتان من الكلأ طيبا الرائحة يكونان بمكة وأوديتها لا يكاد أن يوجدان في غيرها ).
[15] : البيتان لبلال رضي الله عنه أخرج مالك في الموطأ : كتاب الجامع : باب فضائل المدينة : ما جاء في وباء المدينة ،رقم (1703) ط.الرسالة ، و من طريقه البخاري في صحيحه : كتاب مناقب الأنصار : باب مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة ، رقم (3926) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال قالت فدخلت عليهما فقلت يا أبت كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك قالت فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول

كل امرئ مصبح في أهله *** والموت أدنى من شراك نعله.

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته فيقول :

أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً *** بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ *** وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ.
قالت عائشة فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة).
[16] : نهاوند : اسم لمدينة إيرانية تقع قرب همدان ، و بها قامت المعركة العظيمة ، معركة ناهوند ، قال الذهبي في السير : (وقال النهاس بن قهم عن القاسم بن عوف الشيباني ، عن السائب بن الأقرع ، قال : زحف للمسلمين زحف لم ير مثله قط ، زحف لهم أهل ماه وأهل أصبهان وأهل همذان والري وقومس ونهاوند وأذربيجان ، قال : فبلغ عمر رضي الله عنه فشاور المسلمين ، فقال علي ، رضي الله عنه : أنت أفضلنا رأيا وأعلمنا بأهلك . فقال : لأستعملن على الناس رجلا يكون لأول أسنة يلقاها ، يا سائب اذهب بكتابي هذا إلى النعمان بن مقرن ، فيسر بثلثي أهل الكوفة ، وليبعث إلى أهل البصرة ، وأنت على ما أصابوا من غنيمة ، فإن قتل النعمان فحذيفة الأمير ، فإن قتل حذيفة فجرير بن عبد الله ، فإن قتل ذلك الجيش فلا أراك .
وروى علقمة بن عبد الله المزني ، عن معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان فأيتهن يبدأ ، فقال : يا أمير المؤمنين أصبهان الرأس ، وفارس وأذربيجان الجناحان ، فإن قطعت أحد الجناحين مال الرأس بالجناح الآخر ، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان ، فدخل عمر المسجد فوجد النعمان بن مقرن يصلي فسرحه وسرح معه الزبير بن العوام ، وحذيفة بن اليمان ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن معد يكرب ، والأشعث بن قيس ، وعبد الله بن عمر ، فسار حتى أتى نهاوند ، فذكر الحديث إلى أن قال النعمان لما التقى الجمعان : إن قتلت فلا يلوي علي أحد ، وإني داعي الله بدعوة فأمنوا ، ثم دعا : اللهم ارزقني الشهادة بنصر المسلمين والفتح عليهم ، فأمن القوم ، وحملوا فكان النعمان أول صريع .
وروى خليفة بإسناد ، قال : التقوا بنهاوند يوم الأربعاء فانكشفت مجنبة المسلمين اليمنى شيئا ، ثم التقوا يوم الخميس فثبتت الميمنة وانكشف أهل الميسرة ، ثم التقوا يوم الجمعة فأقبل النعمان يخطبهم ويحضهم على الحملة ، ففتح الله عليهم .
وقال زياد الأعجم : قدم علينا أبو موسى بكتاب عمر إلى عثمان بن أبي العاص : أما بعد ؛ فإني قد أمددتك بأبي موسى ، وأنت الأمير فتطاوعا والسلام . فلما طال حصار إصطخر بعث عثمان بن أبي العاص عدة أمراء فأغاروا على الرساتيق .
وقال ابن جرير في وقعة نهاوند : لما انتهى النعمان إلى نهاوند في جيشه طرحوا له حسك الحديد ، فبعث عيونا فساروا لا يعلمون ، فزجر بعضهم فرسه وقد دخل في حافره حسكة ، فلم يبرح ، فنزل فإذا الحسك ، فأقبل بها ، وأخبر النعمان ، فقال النعمان : ما ترون ؟ فقالوا : تقهقر حتى يروا أنك هارب فيخرجوا في طلبك ، فتأخر النعمان ، وكنست الأعاجم الحسك وخرجوا ، فعطف عليهم النعمان وعبأ كتائبه وخطب الناس ، وقال : إن أصبت فعليكم حذيفة ، فإن أصيب فعليكم جرير البجلي ، وإن أصيب فعليكم قيس بن مكشوح ، فوجد المغيرة في نفسه إذ لم يستخلفه ، قال : وخرجت الأعاجم وقد شدوا أنفسهم في السلاسل لئلا يفروا ، وحمل عليهم المسلمون ، فرمي النعمان بسهم فقتل ، ولفه أخوه سويد بن مقرن في ثوبه وكتم قتله حتى فتح الله عليهم ، ودفع الراية إلى حذيفة .
وقتل الله ذا الحاجب ، يعني مقدمهم ، وافتتحت نهاوند ، ولم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة .
وبعث عمر السائب بن الأقرع مولى ثقيف - وكان كاتبا حاسبا - فقال : إن فتح الله على الناس فاقسم عليهم فيئهم واعزل الخمس ، قال السائب : فإني لأقسم بين الناس إذ جاءني أعجمي ، فقال : أتؤمنني على نفسي وأهلي على أن أدلك على كنز يزدجرد يكون لك ولصاحبك ؟ قلت : نعم . وبعثت معه رجلا ، فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلا الدر والزبرجد واليواقيت ، قال : فاحتملتهما معي ، وقدمت على عمر بهما ، فقال : أدخلهما بيت المال ، ففعلت ورجعت إلى الكوفة سريعا ، فما أدركني رسول عمر إلا بالكوفة ، أناخ بعيره على عرقوب بعيري ، فقال : الحق بأمير المؤمنين ، فرجعت حتى أتيته ، فقال : ما لي ولابن أم السائب ، وما لابن أم السائب ولي ، قلت : وما ذاك ؟ قال : والله ما هو إلا أن نمت ، فباتت ملائكة تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا ، يقولون : " لنكوينك بهما " فأقول : " إني سأقسمهما بين المسلمين " فخذهما عني لا أبا لك فالحق بهما فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم ، قال : فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة ، وغشيني التجار ، فابتاعهما مني عمرو بن حريث بألفي ألف درهم ، ثم خرج بهما إلى أرض العجم فباعهما بأربعة آلاف ألف ، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا )[ سير أعلام النبلاء للذهبي (26/126-127-128-129)].
[17] : أظن أن الشيخ رحمه الله قد اقتبسها من إحدى رسائل الجاحظ و هي رسالة : ( الحنين إلى الأوطان) و فيها : (ووجدنا من العرب: من قد كان أشرف على نفسه، وأفخر في حسبه؛ ومن العجم: من كان أطيب عنصراً وأنفس جوهراً أشد حنيناً إلى وطنه، ونزاعاً إلى تربته.
وكانت الملوك على قديم الدَّهر لا تؤثر على أوطانها شيئاً.
وحكى المُوبذ أنَّه قرأ في سيرة إسْفنديار بن يستاسف بن لُهْواسف، بالفارسية، أنه لمَّا غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر، اعتلَّ بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمَّةً من تُربة بلخ، وشربةً من ماء واديها.
واعتلَّ سابور ذو الأكتاف بالرُّوم، وكان مأسوراً في القدّ، فقالت له بنت ملك الرُّوم وقد عشقتْه: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربةً من ماء دجْلة، وشمَّةً من تربة إصطخر! فغبرت عنه أيّاماً ثم أتته يوماً بماءِ الفرات، وقبضةً من تراب شاطئه، وقالت: هذا من
ماء دجلة، وهذه من تربة أرضك، فشرب واشتمَّ من تلك التُّربة فأفاق من مرضه)[ رسالة الحنين إلى الأوطان للجاحظ (ص:39-40)ط.دار الرائد العربي –لبنان-].
[18] : قال محمد عثمان فتحي : ( و لم تكن القومية في رأي ابن باديس إلا الحفاظ على شخصية الشعب الجزائري الإسلامية العربية أمام المحاولات الدائبة لفرنسته). انظر: عبد الحميد بن باديس رائد الحركة الإسلامية في الجزائرية (ص:38) [بواسطة الرد النفيس على الطاعن في العلامة ابن باديس لمحمد حاج عيسى الجزائري (ص:264)] و راجع المطلب التاسع من الرد النفيس في قضية تقديم الوطن و القومية على الدين فإنه مهم.


التعديل الأخير تم بواسطة بلال بريغت ; 03 Feb 2014 الساعة 06:38 PM
رد مع اقتباس