الأنف و إحسان شكله و هيأته ووضعه
قال ابن القيم رحمه الله في نفس الكتاب :
"ونصب سبحانه قصبة الأنف في الوجه فأحسن شكله وهيأته ووضعه وفتح فيه المنخرين وحجز بينهما بحاجز وأودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها أنواع الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق به الهواء فيوصله إلى القلب فيتروح به ويتغذى به ثم لم يجعل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لئلا يمسك الرائحة فيضعفها ويقطع مجراها وجعله سبحانه مصبا تنحدر إليه فضلات الدماغ فتجتمع فيه ثم تخرج منه واقتضت حكمته أن جعل أعلاه أدق من أسفله لأن أسفله إذا كان واسعا اجتمعت فيه تلك الفضلات فخرجت بسهولة ولأنه يأخذ من الهواء ملأه ثم يتصاعد في مجراه قليلا حتى يصل إلى القلب وصولا لا يضره ولا يزعجه ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمة منه ورحمة فإنه لما كان قصبة ومجرى ساترا لما ينحدر فيه من فضلات الرأس ومجرى النفس الصاعد منه جعل في وسطه حاجزا لئلا يفسد بما يجرى فيه فيمنع نشقه للنفس بل إما أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالب فيبقى الآخر للتنفس وإما أن يجرى فيهما فينقسم فلا ينسد الأنف جملة بل يبقى فيه مدخل للتنفس وأيضا فإنه لما كان عضوا واحدا وحاسة واحدة ولم يكن عضوين وحاستين كالأذنين والعينين اللتين اقتضت الحكمة تعددهما فإنه ربما أصيبت إحداهما أو عرضت لها آفة تمنعها من كمالها فتكون الأخرى سالمة فلا تتعطل منفعة هذا الحس جملة وكان وجود أنفين في الوجه شيئا ظاهرا فنصب فيه أنفا واحدا وجعل فيه منفذين حجز بينهما بحاجز يجري مجرى تعدد العينين والأذنين في المنفعة وهو واحد فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين"
التعديل الأخير تم بواسطة إسحاق بارودي ; 29 Dec 2013 الساعة 10:59 PM
|