عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 23 Sep 2013, 07:28 PM
بلال بريغت بلال بريغت غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 437
إرسال رسالة عبر Skype إلى بلال بريغت
افتراضي

حول فتوى القراءة على الأموات
لماذا التذييل، بدل التدليل والتأصيل؟

-4 -

قال فضيلته: (وقد عارضه، -أي الترك النبوي- قصد آخر حسن وهو التبرك بقراءة القرآن ووصول ثواب ذلك للميت، فهم يرون في السكوت في الجنازة فضيلة بركة التأسي وفي القراءة فضيلة وهي وصل الثواب للميت).
هذه هي حجة كل مبتدع ومحدث في الدين ما ليس منه ومتعبد بغير ما شرع الله لعباده بواسطة رسوله- عليه الصلاة والسلام- يفعل ما تركه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بدعوى أن في فعله خيرا وفضيلة وزيادة مفيدة، ويعارض التشريع الإلهي بالترك النبوي مع قيام المقتضى برأيه وهواه، واستدراكه ودعواه. ومن مقتضى منعه- قطعا- أن ذلك الخير وتلك الفضيلة والزيادة المفيدة قد فاتت النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في السنين الطويلة التي عاشها تاركا لها فلم يفعلها ولم يبلغها وهو المأمور بالتبليغ المعصوم من الكتمان حتى تفطن لها هذا المبتدع فجاء بها وفاز بتحصيلها، وكانت من الفضائل التي رجح ميزانه بها وخلا منها ميزان محمد- عليه وآله الصلاة والسلام- (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)[الكهف:05].
ولو جرى الأمر على هذا الأصل الباطل والقول الضال لأذن للعيدين والتراويح والكسوف والاستسقاء، وقيل أن عدمها في العهد النبوي ترك وهو لا يدل على استحباب عدم الآذان ولا على كراهة ضده وقد عارضه قصد آخر حسن وهو ما في الآذان من حصول الثواب للمؤذن والحاكي؟ ففي عدم الآذان فضيلة بركة التأسي وفي الآذان فضيلة حصول الثواب للمؤذن والحاكي. وهكذا يمكن أن تزاد عبادات كثيرة في غير مواضعها تركها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مع قيام المقتضى لها ويعارض تركه عليه السلام لها بما فيها من الفضائل الذي غفل عنه هو عليه السلام واهتدى إليه المبتدعون، وكفى بقول يؤدي إلى هذا ضلالا وشرا وفسادا.
نعم في قراءة القرآن العظيم لقارئه وسامعه كل البركة و وصول الثواب المُهدى، قال به جمع الأئمة عليهم الرحمة، غير أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وهو الرحيم بأمته الحريص على دلالتهم على الخير وما فيه الأجر والثواب لم يقرأ القرآن العظيم في هذا الموطن فدلنا على أن الترك هو الخير، وأن هذا الموطن ليس محلا للقراءة بل هو محل لعبادة أخرى هي عبادة التفكر والاعتبار. فالقراءة فيه بدعوى تلك المعارضة مخالفة ومشاقة له، وما هو أكبر من ذلك من دعوى الاهتداء إلى ما لم يهتد إليه عليه السلام.
ثم قال فضيلته: (و اعتضدوا بقراءة سورة يس).
لو كان لمن يقول بقراءة القرآن العظيم عند التشييع دليل من أثر أو صحيح نظر لأمكن أن يقال: (واعتضدوا بحديث يس)، لكن قد علمنا مما تقدم أنه لا دليل لهم إلا مشاقة الترك النبوي بتخيل الأفضلية ودعوى الاهتداء إلى ما لم يهتد إليه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مما تقدم لنا إبطاله فلا يمكن حينئذ أن يقال فيهم (اعتضدوا) ويبقى النظر في حديث قراءة يس نفسه فلنتكلم على سنده ومتنه ليتبين أنه خارج عن موضوعنا.
حديث قراءة يس:
عن معقل بن يَسَار قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: ( اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ ) ([1]) قال الحافظ في التلخيص (153) بنقل الأستاذ محمد حامد الفقي ([2]) : (رواه أحمد وأبو داود ([3]) والنسائي ([4]) وابن ماجة ([5])وابن حبان ([6]) والحاكم ([7]) من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان- وليس بالنهدي- عن أبيه عن معقل بن يسار ولم يقل النسائي و ابن ماجة عن أبيه.
وأعله ابن القطار بالاضطراب وبالوقف وبالجهالة لحال أبي عثمان وأبيه.
ونقل الإمام أبو بكر بن العربي المالكي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث)([8]) إ. هـ، وقد صححه الحاكم وابن حبان وهما معروفان بالتساهل في التصحيح وسكت عنه أبو داود وسكوته يقتضي عدم تضعيفه ولكنه لا يقتضي بلوغه درجة الصحيح وإذا ضم إليه ما ورد في معناه- ولم يبلغ منها شيء إلى درجة الحجة- إرتقى إلى رتبة الحسن لغيره.
هذا كلمة موجزة في سنده بينت لنا رتبته.
وأما متنه فإن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (على موتاكم) من حضرتهم الموت.
قال ابن حبان في صحيحه ([9])- بنقل ابن حجر وغيره: (أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه- قال وكذلك قوله- صلى الله عليه وآله وسلم-: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)([10]) إ. هـ، ومما يدل على أن المراد من حضرته المنية ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، قال : (حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان قال كانت المشيخة يقولون إذا قرئت- يعني يس- لميت خفف عنه بها). وفي مسند الفردوس ([11])- بنقل ابن حجر- عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: ( قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- : ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلاّ هَوَّن الله عليه)([12]) ، قال الصنعاني ([13]) شارح (بلوغ المرام): (وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر )([14])إ. هـ. وحديث أحمد المتقدم رواه جمع من شراح الحديث مختصرا كما رأيت وأصله في المسند ([15]) هكذا: (حدثنا أبو المغيرة ([16]) ثنا صفوان بن عمرو ([17]) عن المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث [الثمالي]([18]) حين اشتد سوقه فقال: هل أحد منكم يقرأ يس؟ قال فقرأها صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين آية منها قبض، قال: فكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها)([19]). قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة)([20]): (وهو حديث حسن الإسناد). وغضيف المتوفى صحابي ([21]) وصالح الذي قرأها، له إدراك، فالمشيخة الذين حضروا بين صحابي وتابعي، والحديث وإن كان موقوفا فمثله لا يقال بالرأي، قال الحافظ: (فله حكم المرفوع)، وما في هذا الحديث صريح غاية الصراحة، بأن قراءة يس إنما هي على المحتضر ففيه (لما اشتد سوقه) والسوق قال أئمة اللغة: هو النزع. وكان المحتضر نفسه هو الذي قال: (هل فيكم أحد يقرأ يس) وقد فهم الأئمة- رضي الله عنهم- أنه في المحتضر، فأخرجه ابن ماجة تحت قوله: (باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر) وأخرجه البغوي في (المصابيح) تحت قوله: (باب ما يقال عند من حضره الميت)([22]). ومثله التبريزي في (المشكاة)([23])، وكذلك الإمام ابن أبي زيد فإنه ذكر رخصة بعض العلماء- وهو ابن حبيب- في قراءة يس- في (باب ما يفعل بالمحتضر ) من رسالته ، فقال هكذا: (وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به)([24]).
فبان بهذا كله أن حديث قراءة يس- على ما فيه كما عبر فضيلته في أصل الفتوى - خارج عن موضوعنا، لأن موضوعنا في القراءة على الميت بعد موته وهو الذي يفعله الناس ويسمونه (فدوة) وعند تشييعه كما يفعل (مروقية) تونس وغيرهم، وهو الذي قصر فضيلته الكلام عليه في التذييل كما تقدم، وبعد دفنه عند قبره. وليس لنا أن نقيس هذه المواطن على قراءة يس عند المحتضر لأن القياس لا يدخل في العبادات، ولأن المعنى الذي قصد من قراءتها- وهو التخفيف، عليه حال النزاع- معدوم في هذه المواطن.
ولهذا فنحن ما زلنا نطالب فضيلته بالإتيان بسنة صحيحة قولية أو فعلية تثبت مشروعية القراءة في موطن من هذه المواطن. وأنَّى له ذلك؟ ([25]).



-يتبع-


========

[1] : الحديث ضعفه العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء (3/150) رقم (688).
[2] : الشيخ محمَّد حامد الفقي رحمه الله المولود بقرية نكلا العنب سنة (1310هـ - 1892م) ، قام بإنشاء جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية سنة (1345 هـ - 1926م)بالتقريب ، واتخذ لها مركزا بعابدين ، توفي رحمه الله سنة (1378هـ - 1959م).
[3] : رقم (3121).
[4] : السنن الكبرى للنسائي ، كتاب عمل اليوم و الليلة ، باب ما يقرأ على الميت (9/394) رقم (10856 و 10847) ط. الرسالة.
[5] : رقم (1448).
[6] : أنظر : التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان للعلامة الألباني (5/32) رقم (2991)، و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان بتحقيق الأرنؤوط (7/269) رقم (3002).
[7] : المستدرك (1/753) الطبعة العلمية.
قال الحاكام : (أوقفه يحيى بن سعيد ، وغيره عن سليمان التيمي . والقول فيه قول ابن المبارك إذ الزيادة من الثقة مقبولة).
قال الألباني في الإرواء (3/151) : (هو كما قالا : أن القول فيه قول ابن المبارك ، ولكن للحديث علة أخرى قادحة أفصح عنها الذهبي نفسه في " الميزان " فقال في ترجمة أبي عثمان هذا : ( عن أبيه عن أنس ، لايعرف ، قال ابن المديني : لم يرو عنه غير سليمان التيمي . قلت : أما النهدي فثقة إمام " .
قلت- أي الألباني- : وتمام كلام ابن المديني : " وهو مجهول " . وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " ( 2 / 326 ) على قاعدته في تعديل المجهولين ! ثم إن في الحديث علة أخرى وهي الاضطراب ، فبعض الرواة يقول : " عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل " وبعضهم: " عن أبي عثمان عن معقل لا يقول : " عن أبيه " ، وأبوه غير معروف أيضا ! فهذه ثلاث علل : 1 - جهالة أبي عثمان . 2 - جهالة أبيه . 3 - الاضطراب).
[8] : التلخيص لابن حجر (212/2-213)ط. مؤسسة قرطبة.
[9] : التعليقات الحسان (5/32) رقم (2991)، و الإحسان بتحقيق الأرنؤوط (7/269) رقم (3002).
[10] : أنظر : التلخيص (2/213) ط. مؤسسة قرطبة.
[11] : الفردوس بمأثور الخطاب (4/32) رقم (6099) ط.العلمية.
[12] : أنظر التلخيص : (2/213) ط. مؤسسة قرطبة.
[13] : هو محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف بـ : (الأميرالصنعاني) ، ولد بمدينة كحلان، ونشأ وتوفي بصنعاء ، له نحو مئة مؤلف و من بينها سبل السلام، شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
[14] : سبل السلام بشرح بلوغ المرام بتحقيق صبحي حلاق (3/255).
[15] : المسند بتحقيق الأرنؤوط (171/28-172) رقم (16969).
[16] : هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي ، ثقة روى له الجماعة.
[17] :هو ابن هرم السكسكي الحمصي ، ثقة روى له البخاري في الأدب و مسلم في صحيحه.
[18] : ما بين معقوفتين لم تكن مثبة و قد أثبتها من المسند.
[19] :قال الألباني في الإرواء : فهذا سند صحيح إلى غضيف بن الحارث رضى الله عنه ، ورجاله ثقات غير المشيخة فإنهم لم يسموا ، فهم مجهولون ، لكن جهالتهم تنجبر بكثرتهم لا سيما وهم من التابعين . وصفوان هو ابن عمرو وقد وصله ورفعه عنه بعض الضعفاء بلفظ : " إذا قرئت . . . ) فضعيف مقطوع . وقد وصله بعض المتروكين والمتهمين بلفظ : إما من ميت يموت فيقرأ عنده ( يس ) إلا هون الله عليه " . رواه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ( 1 / 188 ) عن مروان بن سالم عن صفوان بن عمر وعن شريح عن أبي الدرداء مرفوعا به . ومروان هذا قال أحمد والنسائي : " ليس بثقة " وقال الساجي وأبو عروبة الحراني : " يضع الحديث " . ومن طريقه رواه الديلمي إلا أنه قال : " عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما في " التلخيص " ( 153).
[20] : الإصابة في تمييز الصحابة (ت: التركي) (8/383).
[21] : هو الصحابي الجليل غضيف بن الحارث الثمالي ابن زنيم ، أبو أسماء السكوني الكندي الشامي.
[22] : مصابيح السنة طبعة دار المعرفة (1/353) حديث رقم (1153).
[23] : مشكاة المصابيح ، باب ما يقال عند من حضره الموت (1/508)رقم (1622) تحقيق محمد ناصر الدين الألباني.
[24] : رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص:39) ط. العلمية.
[25] : آثار عبد الحميد بن باديس (108/3-112).


التعديل الأخير تم بواسطة بلال بريغت ; 23 Sep 2013 الساعة 07:55 PM
رد مع اقتباس