
08 Jul 2013, 08:17 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 437
|
|
رابعا : تحقيق معنى لا إله إلا الله :
قال الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله : '' قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}([1]) أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله([2])؛ لأن معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات. فالنفي: خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع. وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو {إِيَّاكَ} وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة. وفي المعاني في مبحث القصر: أن تقديم المعمول من صيغ الحصر([3]). وأشار إلى الإثبات منها بقوله: {نَعْبُدُ}.
وقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلا في آيات أخر كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} الآية [2/21]، فصرح بالإثبات منها بقوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون} [2/22]، وكقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}, فصرح بالإثبات بقوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وبالنفي بقوله: {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وكقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [2/256]، فصرح بالنفي منها بقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ}، وبالإثبات بقوله: {وَيُؤْمِنْ بِاللََّهِ}؛ وكقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [43/27،26]، وكقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [21/25]، وقوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [43/45]؛ إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}([4]) أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، بعد قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَلَيْهِ} الآية [11/123]، وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} الآية [9/129]، وقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [73/9]، وقوله: {قُلْ هُوَالرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [27/29]، وإلى غير ذلك من الآيات.'' ([5])
خامسا :تضمنها الرد على أهل الأهواء كالجبرية و القائلين بالموجب بالذات و فيها رد على المعطلة كالجهمية :
و ذلك '' بقولهم (نعبد) و (نستعين ) و هي نسبة حقيقية لا مجازية . و الله لا يصح وصفه بالعبادة و الإستعانة التي هي من أفعال عبيده ، بل العبد حقيقة هو العابد المستعين . و الله هو المعبود به – سبحانه و تعالى- .''([6])
و (نستعين ) ترد على القائلين بالموجب بالذات دون الإختيار والمشيئة ، فهؤلاء الضلال نفوا أن الله سبحانه و تعالى فاعل مختار ، لهذا نقول لهم '' الإستعانة بمن لا اخيار له و لا مشيئة و لا قدرة محال . ''([7])
قال السلمي في (حقائقه) : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان([8]) يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقر بـ }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فقد بريء من الجبر و القدر([9])
و أما الرد على الجهمية الذين يقولون أن أفعال العباد ليست مقدورة لله ، و لا مخلوقة لهم ، و هي صادرة بغير مشيئته ، و لا قدرة له عليها ، نقول : '' في قوله : }وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} رد ظاهر عليهم ، إذ استعانتهم به إنما تكون عن شيء هو بيده و تحت قدرته و مشيئته ، فكيف يستعين من بيده الفعل و هو موجده ، إن شاء أوجده و إن شاء لم يوجده ، بمن ليس ذلك الفعل بيده و لا هو داخل تحت قدرته و لا مشيئته؟([10]) ، وفي أمر الله جل ثناؤه عباده أن يقولوا{إياك نعبد وإياك نستعين}، بمعنى مسألتهم إياه المعونة على العبادة ، أدل الدليل على فساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدر ، الذين أحالوا أن يأمر الله أحدا من عبيده بأمر ، أو يكلفه فرض عمل ، إلا بعد إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه . ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا ، لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته . إذ كان - على قولهم ، مع وجود الأمر والنهي والتكليف - حقا واجبا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه ، سأله عبده أو ترك مسألة ذلك . بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور . ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا ، لكان القائل{إياك نعبد وإياك نستعين }، إنما يسأل ربه أن لا يجور([11])
- يتبع _
========
[1] : و قال الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما {إياك نعبد} يعني : إياك نوحد و نخاف و نرجو يا ربنا لا غيرك.[ انظر تفسير ابن كثير (1/135) ].
[2] : و معناها لا معبود بحق إلا الله .
[3]: القاعدة البلاغية : تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
[4]: { وإياك نستعين } على طاعتك و على أمورنا كلها .[ انظر تفسير ابن كثير (1/135) ].
[5]: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( 1/7-8).
[6]: التفسير القيم (ص 69)
[7]: المصدر السابق (ص 70).
[8] : محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان الرازي الصوفي .قال الذهبي في السير (16/365): يروي عنه أبو عبد الرحمن السلمي بلايا و حكايات منكرة .توفي سنة(376هـ).
[9]: الجامع لأحكام القرآن (1/224)
[10]: مدارج السالكين (1/75).
[11]: تفسير الطبري (1/163) ت: أحمد شاكر رحمه الله.
|