عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 02 Jun 2012, 11:11 PM
عبد العزيز بوفلجة عبد العزيز بوفلجة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 227
افتراضي

أحسن الله إليك أخي الكريم عبد الصمد:
لاشك أن الباقلاني أقرب إلى السنة ممن جاء بعده كابن فورك والجويني والغزالي وغيرهم, كما أن الأشعري وطبقته أقرب إلى السنة من الباقلاني وطبقته, وكما أن ابن كلاب وطبقته أقرب إلى السنة من الأشعري وطبقته.

ومتقدموا الأشعرية هم في الجملة يثبتون الصفات الخبرية الذاتية كالوجه واليدين والعينين ونحوها, وهذا بخلاف متأخري الأشاعرة, وقد اشتهر تأويل الصفات الخبرية عن أبي المعالي الجويني وتبعه من جاء بعده.

وأما الصفات الاختيارية فهم ينفونها جملة وتفصيلا, ويتأولونها إما بالمفعولات المنفصلة أو يرجعونها إلى الصفات الذاتية التي لا تتعلق بمشيئته وقدرته.

وأما فيما يخص بعض النقول التي قد ينقلها الإمام ابن القيم وكذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عن أئمة الأشاعرة المتقدمين, كما ينقلون عن ابن كلاب والأشعري والباقلاني وغيره في صفة العلو والاستواء أو الصفات الخبرية الذاتية فهو من باب إقامة الحجة على متأخري الأشاعرة الذين ينتسبون إليهم لا غير , وليس هو من باب تحقيق المسألة ذاتها عند هؤلاء القوم, ولهذا قال ابن تيمية في آخر الفتوى الحموية -وذلك بعد نقله عن أئمة الكلام وكان آخر نقل نقله هو عن الباقلاني-: (وكلامه -يعني كلام الباقلاني- كلام غيره من المتكلمين في هذا الباب مثل هذا كثير لمن يطلبه, وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام....ولكن كثير من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنا للظن بهم دون غيرهم, ومتوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيره, فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم...) الفتوى الحموية(ص512 فما بعد).
فهذا بعض كلام ابن تيمية وأنصحك أن تراجعه وتقرأ تتمة كلامه.

ولتعلم أخي الكريم عبد الصمد أن الأصل الجهمي وهو القول بامتناع قيام الحوادث بذات الرب -عزوجل- لم يستطع أئمة الأشاعرة المتقدمين التخلص منه؛ إذ قد اعتقدوا صحته, ولهذا التزموا من أجله لوازم فاسدة في الشرع والعقل, ولنأخذ مثالا واحدا, ألا وهو الباقلاني محل السؤال:

ذكرت حفظك الله أنه يثبت الاستواء والنزول وغير ذلك كالمجيء والإتيان, لكن كيف هو إثباته على وجه التفصيل والتحقيق؟
يقول الباقلاني عن المعترضين الذين اعترضوا عليه: (واعترضوا أيضا أن قوله تعالى: (وجاء ربك...) وقوله: (يأتيهم الله في ظلل..) قالوا: المجيء والإتيان حركة وزوال وذلك عندهم محال في صفته؟!.
فالجواب: عن هذا عند بعض الأئمة: أنه يجيء ويأتي بغير زوال ولا انتقال ولا تكييف, بل يجب تسليم ذلك على ما ورد وجاء به القرآن.
والجواب الآخر: أنه يفعل معنى يسميه مجيئا وإتيانا, فيقال: جاء الله, بمعنى أنه فعل فعلا كأنه جائيا, كما يقال: أحسن الله وأنعم وتفضل, على معنى أنه فعل فعلا استوجب به هذه الأسماء.
ويمكن أن يكون أراد بذلك إتيان أمره وحكمه والأهوال الشديدة التي توعدهم بها وحذرهم من نزولها...) نقلاً من موقف ابن تيمية من الأشاعرة(1/478) والمؤلف قد نقل من مخطوط للباقلاني(الانتصار للقرآن).

فتأمل تلك الأجوبة التي أجاب بها, فكلها تحريف وتأويل, وذلك هربا من القول بقيام الحوادث بذات الرب -عزوجل-, فنفي الصفات الاختيارية أصل عندهم لا يمكنهم التخلص منه إطلاقا, وإلا انهدم أصل مذهبهم وعقيدتهم التي يعتقدونها.

وأما مسألة الاستواء والعلو فهو وإن كان يطلق إثبات ذلك, إلا أنه يرى عدم إطلاق الجهة على الله تعالى, ويزعم أن الله متقدس عن الجهات, وأنه لا يوصف بالتحول والانتقال ولا القيام ولا القعود ونحو ذلك
يقول في كتابه الإنصاف(ص39): (ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه, فمن ذلك أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات, والاتصاف بصفات المحدثات, وكذلك لا يوصف بالتحول, والانتقال, ولا القيام والعقود...-إلى أن قال-: فإن قيل: أليس قد قال: (الرحمن على العرش استوى) قلنا بلى, قد قال ذلك, ونحن نطلق ذلك وأمثاله على ما جاء في الكتاب والسنة, لكن ننفي عنه أمارة الحدوث, ونقول: استواؤه لا يشبه استواء الخلق, ولا نقول: إن العرش له قرار, ولا مكان؛ لأن الله تعالى كان ولا مكان, فلما خلق المكان لم يتغير عما كان.
وقال أبو عثمان المغربي يوما لخادمه محمد المحبوب: لو قال لك قائل: أين معبودك ماذا كنت تقول له؟ فقال: حيث لم يزل ولا يزول. قال: فإن قال: فأين كان في الأزل ماذا تقول؟ فقال: حيث هو الآن. يعني: أنه كما كان ولا مكان.
وقال أبو عثمان: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة, فلما قدمت بغداد وزال ذلك عن قلبي, فكتبت إلى أصحابنا: إني قد أسلمت جديدا...). إلى آخر كلامه.

فهو يثبت الاستواء لكن يجعله صفة ذاتية لا فعلية اختيارية؛ لأن القول بأنه صفة اختيارية يلزم عليه التغير, وتأمل كذلك نفيه للجهة؛ لأن الجهة بزعمهم تحد الله تعالى, وتأمل ما نقله عن أبي عثمان المغربي كالمقرر له, ومقصودهم بحديث الجهة -والله أعلم- هو حديث الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم, كذا إطلاق أئمة الأشاعرة.

فالشاهد أن مذهب هؤلاء القوم يحتاج من طالب العلم إلى كثرة النظر في كلامهم, وتأمله جيدا, فهم كثيرا ما يستعملون الألفاظ المجملة التي لا يعرف مدلولها إلا من عرف أصل مذهبهم, فيلبسوا بها على الناس.

فهم يقصدون من نفي الانتقال والزوال والتحول والتغير ونفي الجهة والقعود: نفي الصفات الاختيارية, كالنزول والمجيء والإتيان والاستواء ونحو ذلك, فهم إما أن يجعلوها من باب المفعولات المنفصلة, أو يجعلونها من باب النسب والإضافات, أو يجعلونها صفات قديمة ذاتية, كل ذلك هربا منهم بزعمهم من قيام الحوادث بذات الرب, ويقصدون بذلك نفي الصفات الاختيارية وهذا أصل مذهبهم لايتزعزعون عنه ألبتة.

والله أعلى وأعلم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


التعديل الأخير تم بواسطة عبد العزيز بوفلجة ; 03 Jun 2012 الساعة 02:55 AM
رد مع اقتباس