
01 May 2012, 04:41 AM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 227
|
|
أحسن الله إليك أخي الفاضل محمد نقادي, وشكر الله مرورك الطيب.
وأما عن ما جاء في سؤالك الذي هذا نصه: (كيف يكون الرد على المخالف الذين لا يرون الشريعة هي فيصل في مسائل العقدية كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كالفارابي و ابن سينا و ابن العربي الذين فتنوا الناس بشبههم وأصبحت مقررة عند أتباعهم كمسلمات لا نقاش فيها
هِؤلاء الناس ثبت أنهم ليس من الذين يتمسكون بأدلة الشرعية وأن شبههم هو أنهم نظروا في علم الهيئة وعلوم الفلسفة فغيروا الفطر وأثبتوا الشبه وعكروا ماء العقيدة الصافي ...
سؤالي هو.... كيف ترد على هؤلاء المخالفين الذين يرون العقل هو الفيصل والفلسفة هو التدين وعلم الكلام نصوص لاجدال فيها؟
هل ترى التقرير أم التأصيل أم التصحيح....أو رد شبههم بكلامهم...أرجو التفصيل وتأصيل العلمي الواضح
وجزاك الله كل خير).
فهذا سؤال كبير ومفيد, والتفصيل فيه يحتاج إلى مزيد نظر وتأمل وتعلم, لكن لا بأس أن أنقل لك بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-, فلعلنا نستفيد منه ما يكون فيه جوابا لسؤالك, والله الهادي إلى الحق وسواء السبيل:
يقول ابن تيمية: (فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد, فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه, أن يبدأ بهدم ما عنده فإذا انكسر وطلب الحق فأعطاه إياه, وإلاَّ فما دام معتقد نقيض الحق, لم يدخل الحق إلى قلبه, كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل, امحه أولاً, ثمَّ اكتب فيه الحق) مجموع الفتاوى(17/159).
فمما يستفاد من كلامه -رحمه الله- أن المبتدع -كأولئك الذين ذكرت- إن كان أصل مذهبهم مبنيا على أصول فاسدة, فينبغي على الراد من أهل السنة أن يبدأ أولاً بإبطال تلك الأصول الفاسدة, ويمحها من قلبه, فإن الشبه العالقة في قلبه حالت دونه ودون نصوص الوحي, فأصبح جاهلا جهلا مركبا, معتقدا لنقيض الحق, فإذا انكسرت تلك الأصول, وكان طالبا للحق أعطاه إياه, فإن قبله فذلك فضل ومنة من الله, وإلا فما دام معتقد نقيض الحق, وهو الجاهل جهلا مركبا, لم يدخل الحق إلى قلبه.
وأما عن قولك (...أو رد شبههم بكلامهم..) فجوابك عنه أيضا نستفيده من كلام ذلك الحبر العالم ابن تيمية الحراني -عليه رحمة الله-؛ حيث يقول في درء التعارض(1/223): ( وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون علي ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم كما لأهل الصناعات العلمية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم وهذه الألفاظ هي عرفية عرفا خاصا ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة سواء كان ذلك المعني حقا أو باطلا
وإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلي بيان :
وذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون : إنا لا نفهم ما قيل لنا أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا ويلبسون علي الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق ويقولون أيضا : إنه موافق للشرع إذا لم يظهروا مخالفة الشرع كما يفعله الملاحدة من القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم..
وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم ـ مع كونه ليس هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن ـ فقد يفضي إلي مخالفة ألفاظ القرآن في الظاهر؛ فإن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخري ليست في القرآن وربما جاءت في القرآن بمعني آخر فليست تلك العبارات مما أثبته القرآن بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفيا باطلا نفاه الشرع والعقل وهم اصطلحوا بتلك العبارات علي معان غير معانيها في لغة العرب فتبقي إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب علي باطل ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص علي باطل
فمن خاطبهم بلغة العرب قالوا : إنه لم يفهم مرادنا ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال ما يخالف القرآن وكان هذا من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة....- ثم استطرد الشيخ إلى أن قال-:
وإذا كانت هذه الألفاظ مجملة ـ كما ذكر ـ فالمخاطب لهم إما أن يفصل ويقول : ما تريدون بهذه الألفاظ ؟ فإن فسروها بالمعني الذي يوافق القرآن قبلت وإن فسروها بخلاف ذلك ردت .
وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا فإن امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسونه إلي العجز والانقطاع وإن تكلم بها معهم نسبوه إلي أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا وأوهموا الجهال باصطلاحهم : أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها فحينئذ تختلف المصلحة
فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلي قولهم وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم : لا يجب علي أحد أن يجيب داعيا إلا إلي ما دعا إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن علي الناس إجابة من دعا إليه ولا له دعوة الناس إلي ذلك ولو قدر أن ذلك المعني حق
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لبس ملبس منهم علي ولاة الأمور وأدخلوه في بدعتهم كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك فكان من أحسن إلي مناظرتهم أن يقال : ائتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلي ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلي ما لم يدل عليه الكتاب والسنة
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء وإذا ردوا إلي عقولهم فلكل واحد منهم عقل وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم : أن العقل أداه إلي علم ضروري ينازعه فيه الآخر فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة
وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلي المحنة وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة علي قولهم فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى { خالق كل شيء } [ الأنعام : 102 ] وقوله { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } [ الأنبياء : 2 ] وقوله النبي صلى الله عليه و سلم [ تجيء البقرة وآل عمران ] وأمثال ذلك من الأحاديث مع ما ذكروه من قوله صلي الله عليه وسلم [ إن الله خلق الذكر ] أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل علي مطلوبهم
ولما قالوا : ما تقول في القرآن : أهو الله أو غير الله ؟ عارضهم بالعلم فقال : ما تقولون في العلم : أهو الله أو غير الله ؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وكان من أحذقهم بالكلام : ألزمه التجسيم وأنه إذا أثبت لله كلاما غير مخلوق لزم أن يكون جسما
فأجابه الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدري مقصود المتكلم به وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله وأخبره أني أقول : هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فبين أني لا أقول : هو جسم وليس بجسم لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب علي الناس إجابة من دعا إلي موجبها فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إلي ما دعاهم إليه الرسول صلي الله عليه وسلم لا إجابة من دعاهم إلي قول مبتدع ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار فلا هي معروفة في الشرع ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيا وأما إذا كان المناظر معارضا للشرع بما يذكره أو ممن لا يمكن أن يرد إلي الشريعة مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلي ما يزعمه من العقليات أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور وأن المعقول الصريح يدل علي باطن يخالف الشرع ونحو ذلك أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء ـ فهؤلاء لا بد في مخاطبتهم من الكلام علي المعاني التي يدعونها : إما بألفاظهم وإما بألفاظ يوافقون علي أنها تقوم مقام ألفاظهم
وحينئذ فيقال لهم : الكلام إما أن يكون في الألفاظ وإما أن يكون في المعاني وإما أن يكون فيهما:
فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقا ومعشوقا ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلي العبارة الشرعية كان حسنا وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولي من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفا من التشبه بهم في الثياب . وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة فإنه يقال له : إطلاق هذه الألفاظ نفيا وإثباتا بدعة وفي كل منهما تلبيس وإيهام فلا بد من الاستفسار والاستفصال أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات).
فتأمل أخي الكريم محمد كلام ابن تيمية جيدا, وستجد فيه جوابا كافيا بإذن الله لسؤالك, والحمد لله رب العالمين.
|