الموضوع
:
الداعية الفضائي...للشيخ محمد سعيد رسلان
عرض مشاركة واحدة
#
2
19 Oct 2011, 11:36 PM
رائد علي أبو الكاس
عضو
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: فلسطين
المشاركات: 90
الداعية الفضائي
إن الحمدَ لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسنا
ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده اللهُ فلا مُضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادِي
له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم
.
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102
].
﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1
].
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
*
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70
].
أمّا
بعدُ؛ فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد -صلّى الله
عليه وعلى آله وسلّم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ
بدعة
ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار
.
أمّا بعدُ
:
فقد
أخرج أحمد وابن ماجة والبزار والبخاري في "الأدب المفرد" وفي "التاريخ
الكبير" بإسنادٍ صحيحٍ من رواية أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول
الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ("إن بين يدي الساعةِ الهَرْجَ
".
قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ والكذب
".
قال
:
قلنا: أكثرُ مما يقتلُ المسلمون في فروج الأرض؟ قال: "إنه ليس بقتلكم
الكفارَ". قال: "يقتل الرجلُ أباه، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، يقتل ابنَ عمه،
يقتل جاره
".
قال
:
قلنا: ومعنا يومئذٍ عقولُنا؟! قال: "إنه لتُنزعُ عقولُ أهل ذلك الزمان،
ويخلفُ له هَباءٌ من الناس -والهباء: الذرات التي تظهر في الكُوَّةِ بشعاع
الشمس، والمراد: الحُثالة من الناس- يحسبُ أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على
شيء
!".
قال
أبو موسى: وأيمُ الله إن تدركني وإياكم تلك الأمور، وأيمُ الله ما لي ولكم
منها مخرجٌ فيما عَهِدَ إلينا نبينا -صلى الله عليه وسلم- إلا أن نخرجَ
منها كما دخلنا، لا نُحدث فيها شيئًا
).
تُنزعُ عقولُ أكثر ذلك الزمان لشدة الحرص والجهل
.
وأخرج
ابن أبي شيبة، وابن بطة في "الإبانة"، والبيهقي في "الشعب" عن عبدالله بن
مسعود -رضي الله عنه قال-: (إنها ستكونُ أمورٌ مُشْتَبَهات؛ فعليكم
بالتُّؤَدة، فإنكَ أن تكونَ تابعًا في الخير، خيرٌ من أن تكونَ رأسًا في
الشر
).
وقد قال الشاعرُ القديم
:
وأحزمُ الناسِ مَن لو مات من ظمإٍ
لم يقرَبِ الوِرْدَ حتى يعرفَ الصَّدَر
.
وما
يتعرض له وطننا الإسلامي الطيب من مخاطر ومؤامرات يستوجبُ الحذرَ والحكمةَ
والتأني والتؤدة؛ حفاظًا على دينه ورعايةً لسلامته وحياطةً لكينونته
.
وقبل
النظر في ذلك والبحث فيه، نتأملُ في أمرٍ عظيمٍ؛ فإن العقودَ الماضيةَ لم
تُخرِّبِ البلادَ وحدها، وإنما خرَّبت البلادَ والعبادَ أيضًا، خرَّبت
النفوسَ والعقولَ، وخرَّبت القلوبَ والأرواحَ
.
ويكفي أن تنظرَ في حال رجلين يدعوان إلى الله -بزعمهما- في إحدى الفضائيات بالصوت والصورة: محاوِرٍ، ومحاوَرٍ
..
يكفي
أن تنظرَ في حالهما؛ لتملكَ الدليلَ على خرابِ النفوسِ والعقولِ والقلوبِ
والأرواحِ؛ فحيثُ كان ينبغي أن تكونَ الأسوةُ في الخير كانت القدوةُ في
الشر
!
وصدمَ
الآذانَ والنفوسَ كلماتٌ طائشةٌ!، وسِبابٌ قَذِر!، وشتائمُ بذيئة!، كأنهما
تَوَفَّرا على تعليم الناس ذلك!، وتثقيفهم به، في وقتٍ تعصفُ فيه بالوطن
رياحُ الفتن مُعْوِلات، وتَهْدِرُ فيه أمواجُ المحن زائرات
.
وكلٌّ
من هذين الرجلين يعرضُ لما لا يعلم!، ويصفُ ما لا يُحس!، ويتكلمُ عما لا
يَدريه!، ومن هنا يتورطُ في سُخْفِ القول وهُراء الحديث
.
وإذا
كان الرجلُ قد أرادَ أن يعرضَ نفسَه على الناس، وأن يعرضها عاريةً
مُجرَّدةً كأبشعِ ما خلقها الله!؛ فليس من حقي أن أحولَ بين الناسِ وهذه
النفس
!
وليس من حقي أن أحولَ بين الرجلِ وإظهارِ نفسِه للناس كما خلقها الله في غير تكلُّف ولا تصنُّع
.
وإني إن أُشفق على أحدٍ من كلام الرجل؛ فإنما أُشفقُ على المتكلم؛ لأنه تكلمَ وهو مَحْمُومٌ أو كالمحموم
.
وأشفقُ على سامعه؛ لأنه سمعَ نُكْرًا من القول، هو إلى هَذيان الحُمَّى أقربُ منه إلى كلام العقلاء
.
وكلا
الرجلين إذا رأيته يتكلمُ بعثت كلُّ جملةٍ من جملهما في نفسك شعورًا قويًا
مؤلمًا؛ لأنه يلدُها ولادة! وهو يقاسي في هذه الولادة ما تقاسيه الأمُّ من
آلام الوضع
!
ولو
أنه ظَفِرَ بعد هذه الآلام بما تظفرُ به الأمهاتُ بعد آلام الوضع، لقلنا
:
آلامٌ قيمة، لها نتائجُها الحسنة، وآثارُها الخالدة! ولكنه لا يظفرُ من هذه
الآلام بشيء!؛ فكلاهما يتكلم كثيرًا ولا يقولُ شيئًا
!
وكلٌّ من الرجلين -وإن كان لسانُه أطولَ من عقله!- إلا أنه لا يعلمُ أن مَن تكلمَ في الناس؛ فهو حَرِّيٌّ أن يتحملَ كلامَ الناس فيه
!
وكلاهما
لا يعلمُ أن مَن عرَّض نفسه للدعوة إلى الله، والقيامِ في مقامها؛ فعليه
أن يُوَطِّنَ نفسَه على تقبل ما يصيبهُ مما كتبه الله عليه من الأذى
والضُّر بصدرٍ رحبٍ، وقلبٍ مطمئنٍ
.
كلا الرجلين لا يعلمُ أن طريقته تضعه ولا ترفعه!، وتضره ولا تنفعه
!.
فأما
الضيفُ المحاوَرُ فقد كنتُ ذكرتُ طرفًا من أخطائه وتهوراته وتجاوزاته؛
فأغضبه ذلك الذكرُ، ويظهر أنه أغضبه إلى حد أن أفقده رشدَه وصوابَه!؛ فقالَ
ما قال
!
لقد ملأ عليه مَن يخاصمه بغير حقٍ نفسَه من جميع أقطارها؛ فحسب كلَّ صيحةٍ عليه
!
فقال كلامًا لا شك أن مَن سمعه سيضحك منه كما ضحكتُ! ويستعينُ به على قضاء ساعةٍ لا تخلو من فكاهةٍ وتسليةٍ كما استعنتُ
!
وأقولُ
له: إني لكَ ناصحٌ، وعليكَ مشفقٌ، وبكَ مترفق، وقد غضبَ ناسٌ من قبلكَ
وسخطوا وردوا وأسرفوا في الرد؛ فلم يصرفني ذلك -بحول الله وقوته- عن
عقيدتي، ولم يحولني ذلك -بفضل الله ورحمته- عن منهجي
.
ومَن لم يستطع أن يكونَ مالكًا
زمامَ غضبه، مُحكمًا لِجامَ طيشه؛ فليسعه بيته
.
ومَن ذا الذي يطمعُ وهو يتكلمُ في الناس ألا يتكلمَ الناسُ فيه؟
!
ومَن ذا الذي يتصورُ أن يَشتمَ الناسَ ولا يُشتَم، وأن يَسبَّ الناسَ ولا يُسب؟
!
ومع
هذا، فأنا أعترفُ بأني عاجزٌ عن أن آتي بشتمٍ كشتمكَ!، أو سِبابٍ
كسِبابكَ!، أو تخليطٍ كتخليطكَ!؛ فقد أبى اللهُ عليَّ كلَّ هذه الميزات
!!
وأقول: إن الذين يُحسنون الكلامَ بمثل إسفافكَ من المنتسبين للعلم كما تُحسنه أنتَ قليلون
!
إن
الذين يمدحونكَ ويثنون عليكَ، عليهم وزرٌ غيرُ قليلٍ؛ فهم يُشجعونكَ على
الإيغالِ في السُّخف!، ويبعثون في نفسكَ غرورًا وإعجابًا بما كان ينبغي أن
تستخذيَ له!، وتستحيَ منه
!
إن أصدقَ الناس في نصحكَ والإخلاص لكَ هم الذين يراجعونكَ -لا الذين يمدحونكَ
-.
إن الذي يحمدكَ: إما أن يكونَ كاذبًا عليكَ، وإما أن يكونَ مُتخلصًا منكَ، وإما أن يكونَ محبًا لكَ صرفه حبُّه عن عيوبكَ
.
وأما
الذي يُصوبكَ ويُراجعكَ، فمهما يكن سيئَ النيةَ، ومهما يكن مسرفًا في ظلمكَ
والجورِ عليكَ؛ فهو يدلكَ على عيوبٍ أنتَ خليقٌ أن تمتحنها؛ فإن تكن فيكَ
اجتهدتَ في أن تبرأ منها، وإن تكن غير ذلكَ حمدتَ اللهَ واجتهدتَ ألا
تتورطَ فيها
.
كُنْ عاقلاً، وخَفْ حامدكَ أكثرَ مما تخاف مصوِّبكَ
.
كُنْ عاقلاً، واعلم أن مَن ذمَّكَ بما فيكَ أنفعُ لكَ ممن مدحكَ بما ليس فيكَ، وأن مَن قدحَ فيكَ بالحق خيرٌ لكَ ممن مدحكَ بالباطل
.
ومن
الخيرِ للمحاوِرِ والمحاوَرِ معًا أن يعلما أن ثمةَ فرقًا عظيمًا بين
الدعوة إلى الله في المساجد خَطابةً وتدريسًا، والدعوةِ في القنوات
الفضائية
!
والشيخُ إذا كان فضائيًا!؛ فينبغي له أن يعلمَ ذلك الفرقَ وأن يراعيه
..
الداعي إلى الله في المساجد خَطابةً وتدريسًا لا يأتي إليه إلا مَن أراد ذلك وسعى له؛ فليس يفرضُ نفسَه على أحدٍ
.
وأما
الداعي الفضائي؛ فإنه يفرضُ نفسَه على الناس فرضًا: يحتلُّ شاشاتهم،
ويقتحمُ مخادِعَهم، ويشاهده ويسمعه -اضطرارًا واختيارًا- مَن يُبغضه، ومَن
يُحبه، ومَن يعرفه، ومَن لا يعرفه، ومَن يوافقه، ومَن يخالفه، والجمهورُ
الناظره يرتبطُ في الجملة بالقناة لا به، ويُقبلُ عليها لا عليه
.
والواجبُ على الداعية الفضائي أن يحترمَ جمهورَه!، وأن يقدِّره؛ إذ هو في موضع القدوة وفي مقام المعلم
.
فإذا كان الرجلُ غضوبًا لا يتماسكَ، جهولاً، عجولاً!؛ فينبغي أن يُعرضَ عن تلك القنوات؛ حتى لا يُعرضَ الناسُ عنه
.
وعليه
أن يسعى في إصلاح نفسِه وُسْعَه؛ حتى لا تنكشفَ للناس سوءةٌ من سوءات
الغضب
أو الجهلِ أو العَجَلَةِ؛ فلا يسعه أن يُواريها عنهم
!
وعلى
الشيخ الفضائي أن يكونَ حليمًا، صبورًا، مُترفقًا؛ ليُعلِّمَ بحاله ما لا
يُعلِّمُ بمقاله!؛ وليرى المخالفُ له والمؤالفُ أخلاقَ الإسلامِ لائحةً
فيه، قائمةً به، وإلا فالجهلُ، والغضبُ، والعجلةُ، صفاتٌ ذميمةٌ، وهي مما
يُبغضه العقلاءُ، ولا يحترمون مَن تخلَّقَ بشيءٍ منها، ويقلِّدها السفهاءُ
إذا صدرت ممن يقدرونه ويجلونه؛ لموطن المُشاكَلَة بينهم وبينه
!
وفي
الحالين؛ فالعقلاءُ والسفهاءُ يصيبهم من الضرر بذلك ما يعدُّ صدًا عن سبيل
الله، لا دعوةً إليه!، وهو من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا
.
وليعلمِ
الرجلان أني من قومٍ قد بَلوا السفهاءَ؛ فأحسنوا بلاءهم!، وصبروا لهم،
واحتملوا منهم شرًا كثيرًا، لا ضَجرين، ولا مُتَحَرِّجِين، ولا ضائقين بهم
صدرًا
!
وإن
رجلاً يحتملُ من السفهاء مثلَ ما أحتمل منذ امتحنَ اللهُ مصرَ في أخلاقها
هذه الأعوام الأخيرة، لَخَلِيقٌ ألا يضيقَ صدرُه إن زاده اللهُ على هؤلاء
السفهاءِ سفيهًا أو سفيهين، أو يَبْسُمَ ثَغْرُه إن نقصَ اللهُ من هؤلاء
السفهاء سفيهًا أو سفيهين
!
وأما
المحاوِرُ -خاصةً-، فأقولُ له: اتقِ اللهَ في جليسكَ، ولا تتعامل معه بمكرِ
التلاميذ في الفصول مع أساتذتهم! فإنكَ تسيء به إلى الدين من حيث تريدُ
أن
تُحسنَ إليه، وتضرُ به الدعوةَ من حيث تريد أن تنفعَ
.
وما يَضيركَ إنْ نَحَّيتَ عنه ما يغضبه وأنتَ تعلمُ أنه غضوبٌ جهولٌ!، وأَمَطَّ عنه ما يستفزه وأنت تُوقِنُ أنه مُستفَزٌ عجولٌ
!
وما عليكَ لو أمسكتَ عنه ذِكرَ مَن ذكرُه عنده، كذِكر الحبل في بيت المشنوق!، وطويتَ عنه ما نشرُه لديه لا يُحبُّ ولا يروق
!.
واعلم
أنكَ تحملُ أوزارَكَ وأوزارَه مع أوزارِكَ؛ إذ المتسبب في المنكر كفاعله
!
،
والداعي إليه بحاله أو مقاله أو مكرِه واحتيالِه كمباشره
.
واحفظْ على المسلمين أوقاتهم أن تضيعَ هَدَرًا، واخشعْ مَليًا للدليل يُساقُ إليكم فيه: قال: اللهُ، قال: رسولُه، قال: الصحابةُ
.
فلا
يجدُ إلا الشَّتمَ والسَّبَّ تارةً!، وإعمالَ الرأي واتباع الهوى تارةً
!
،
والعنادَ وركوبَ الرأس تارةً!، والرمي بالتهم الباطلات بغير حقٍ تارات
!!.
واعلم
أنه ليس من شيمة أهل العلم أن يُلقوا بالتهم جزافًا بغير بينةٍ ولا دليلٍ،
وأن مَن أساءَ فعلى نفسه إساءته، ومَن أجرمَ فعليه وِزْرُ جَريرته
.
واعلم أن المنبرَ الإعلامي الذي ابتذلته، قد صدقَ فيه وفي أمثاله قولُ الشاعرِ
:
مَا زِلْتَ تَرْكَبُ كلَّ شَيءٍ قائِمٍ
حتَّى اجْترَأتَ عَلى رُكُوبِ الْمِنْبَرِ
.
ما زالَ منبرُك الذي دنَّستَه
بالأمسِ منك كحائضٍ لم تَطهُرِ
.
فَلأَنظُرَنَّ إلى الدِّشوشِ جميعِها
وإلى البرامجِ باحتقار المنظَرِ
.
ودعني
أعلمكَ: اختر لضيفكَ موضوعًا، أَعْلِمه به قَبْلُ؛ حتى يُحكمَ مادته،
ويجمعَ أطرافَه، وتحسنَ أنتَ محاورته بدل الخَبطَ في كل وادٍ، وبدل الضرب
في كل سبيل؛ فتُهدرُ أوقاتُ المسلمين وتُشتت عقولهم
.
وحتى
لا يخرجُ ضيفكَ من موضوعٍ ليدخلَ آخرَ ولا رابطَ بينهما إلا تداعي الخواطر
وذهولُ الفكر، والفائدةُ الوحيدة حينئذ: ملءُ وقتٍ على الشاشة وكفى
!
وأعتقدُ
أن هذه من أولى أبجديات الإعلام الهادف المنضبط؛ فإن كنتَ علمتها، فلِمَ
خالفتها؟! وإن لم تكن تعلمها، فبيعُ البطاطا والاتجارُ بالطماطم خيرٌ لكَ
وأجدى عليكَ
!!
وإذا رضيتْ عني كرامُ عشيرتي
فلا زالَ غضبانًا عليَّ لئامُها
.
أيها
المسلمون! لا يخفى أن من أعظم الأسباب التي أدت إلى أكبر الشر، غيابَ تحمل
مسئولية الكلمة؛ فانتشرت الشائعات وعمَّت قادة السوء، واستشرت في المجتمع
التحليلات التي لا تستندُ على عقلٍ ولا دليلٍ؛ فاضطربت الأفكار، وتبلبلت
الخواطر، وصار الناسُ في أمرٍ مَريجٍ
.
وكلُّ متسببٍ في منكرٍ، فعليه كِفْلٌ منه، وعليه وِزْرُه ووِزْرُ مَن نَهَجَ نَهْجَهُ إلى يوم الدين
.
ففي
الصحيحين من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله
عليه آله وسلم-: "إنه لم تُقتل نفسٌ بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول
كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أولُ مَن سَنَّ القتلَ
".
فهذه قاعدةُ الشرع، مَن تسببَ في ضر ولم يباشره؛ فهو كمباشِره
!
مَن
تسببَ في منكرٍ، ولم يفعله؛ فهو كفاعله!، عليه وِزْرُه ووزرُ مَن عمل به
إلى يوم القيامة كما قال رسولُ الله -صلى الله عليه آله وسلم
-.
لما انشغلَ أهلُ العلمِ والدعاةُ بالسياسة، لم يجدِ الناسُ مَن يدعوهم إلى التوبة والتضرع والإنابة عند نزول البلاء وحلول المِحَن
.
مع أن البلاءَ لا يُرفع، مع أن المِحَنَ لا تُدفع إلا بالإنابة والتوبة والاستغفار والأوبة إلى فاطر السموات والأرض
.
فإنّ
قدرَ الله -رب العالمين- لا يُدفعُ بالأكف، ولا يجمع شتات القلوب إلا توحيد
الرب المعبود، واتباعُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما
دلَّ
عليه وأرشدَ إليه؛ فتستقيمُ أحوالُ الناس، وتهدأُ خواطرُهم، وتطمئنُ
نفوسُهم، وتستقرُّ أفئدتهم، وحينئذ يرفعُ اللهُ -رب العالمين- الشرَّ عنهم
وينزِّلُ عليهم خيرًا وفيرًا
.
الواجبُ
إذا وقعَ بالناس كَرْبٌ، أو نزلَ بهم بلاءٌ، أن يُحدثوا لله توبةً، وأن
يلزموا الأناةَ والتثبتَ والحِلمَ، وإذا عمَّت الفتنةُ؛ فعلى المرء أن
يلزمَ خاصةَ نفسه
.
فقد
أخرج ابن حبان بسندٍ صحيحٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال
: "
كيف أنتَ يا عبدالله إذا بقيتَ في حُثالةٍ من الناس؟". قال: وذاك، ما هم
يا رسولَ الله؟ قال: "ذاكَ إذا مَرجت أماناتهم وعهودهم وصاروا هكذا
-
وشبَّكَ بين أصابعه-". قال: فكيف بي يا رسولَ الله؟ قال: "تعملُ ما تعرف،
ودع ما تُنكر، وتعملُ بخاصة نفسك، وتدع عوام الناس
".
إن الفتنةَ الماحقةَ التي تعصفُ رياحُها بالأمة تتناوحُ على جَنَبَاتِها متغلغلةً إلى صميمها وسوائها فاعلةً في أبنائها
.
فهذه
الفتنةُ لم تعد خافيةً على أحد، والمؤامرات التي تُحاكُ في الظلام قَبْلُ
صارت تُحاكُ على قارعة الطريق ينظرها الناس ولا يتوقونها، بل يُقبلون عليها
ويواقعونها؛ لأنهم قد غابت عقولُهم، "وخَلَفَ لهم هباءٌ من الناس" لا
يعلمون، ولا يريدون أن يعلموا، ولا يرعون، ولا يريدون أن يرعوا، ولا يكفون
أيديهم عن شر، ولا ألسنتهم عن سوء، والناسُ فيهم غفلة، وهم في الجملة
كالقطيع يتبعُ كلَّ ناعِق يسيرُ بكلِّ سبيل، ويأتي منه شرٌ كبيرٌ
.
واللهُ
-
جل وعلا- أرسلَ إلينا نبينا محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- على حين
فترة من الرسل؛ فجمعَ به الشَّتات ولَمَّ به المُتناثرَ واستقامت به
وبدعوته القلوبُ، وهدأت بدينه الخواطرُ والأرواحُ، وأقبلَ الناسُ على
أعمالهم منتجين مستثمرين أوقاتَهم فيما ينفعهم وينفعُ الخلقَ في الأرض،
ويعبدون اللهَ -رب العالمين- بالمنهاج الذي شرعه لنبيه -صلى الله عليه وآله
وسلم- لا يخرجون عنه ولا يحيدون عن سوائه
فاستقامتِ
الأحوالُ، وصارتِ الأمةُ مرهوبةَ الجانبِ، عزيزةَ السلطانِ، قائمةً بعزٍ،
ساعيةً بجدٍ وعزمٍ؛ فخافت منها الأمم ورهبتها الملوكُ، وحسبت لها
الحسابَ،
وكانت قَبْلُ مهملةً كمًا وكيفًا؛ لأنهم كانوا أكلةَ رأسٍ
.
فوحدهم
اللهُ بدينه وأعزهم بنبيه ورفعَ ذكرَهم بكتابه؛ فمهما أرادوا العزَّ في
غيرِه أذلهم اللهُ -ربُّ العالمين- كما قال الفاروقُ -رضوانُ الله عليه
-
لما قِيلَ له وهو يخوضُ المَخاضَةَ، وقد علَّقَ نَعليه في يده، وأخذَ
زِمامَ راحلته بيده الأخرى، يخوضُ المَخاضَةَ بقدميه، ويدخلُ بيتَ المقدسِ
بِمَرْقَعَةٍ كانت قَبْلُ ثوبًا، وهو أميرُ المؤمنين، وهو الحاكمُ على
أعزِّ أمةٍ في الأرض، أعظمِها جَنابًا، وأرفعها شَأنًا، وأعلاها ذِكْرًا،
فلما قِيلَ له: يا أميرَ المؤمنين! لا تدخلُ على القومِ هكذا! -يريدُ
القائلُ: حتى لا يستصغروكَ، وحتى لا يحتقروا شأنكَ، وأنتَ إمامُ المسلمين
وكبيرُهم، وأنت الحاكمُ فيهم بالعدلِ على السَّوِيَّةِ- فقال: (ويحكم! إنا
كنا أذلَ أمةٍ؛ فأعزنا اللهُ بالإسلام، فمهما طلبنا العزَّ في غيره أذلنا
اللهُ -ربُّ العالمين
-).
وهي
فاعلةٌ -أبدًا- حتى يقيمَ اللهُ -ربُّ العالمين- الساعةَ، كنا أذلَّ أمةٍ؛
فأعزنا اللهُ بالإسلام، فمهما طلبنا العزَّ في غيره أذلنا اللهُ -ربُّ
العالمين
-.
لابد من التمسك بالدين، ولا يكون ذلك كذلك إلا بمعرفته
.
وأما
الذين ينعقون في الجَنَباتِ يضللون الناسَ ويحرفونهم عن الصراط المستقيم،
ويأذُّونَهم على الشر، ويدلونهم على موارد الفتنة، فهؤلاء ما أجدرَ أولوا
الأمر أن يحجروا عليهم؛ فهم أشدُّ فتكًا بالقلوب من الطاعون بالأجساد
.
هؤلاء
!
يسعون بالأمة إلى الخراب والضلالة، وعلى الأمة أن تحذرَ أمثالَ هؤلاء،
وأن
تعرفَ دينَ ربهما كما جاء به نبيها محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- لا
مَعْدَى لها عن ذلك، ولا خلاصَ لها إلا بذلك
.
والنبي
-
صلى الله عليه وآله وسلم- كما مرَّ في الحديث قد أمرَ بالاعتزال إذا
تحققت في المجتمع ثلاثةُ أوصافٍ، هي: قلةُ أهل الحق، وفسادُ ديانة
الأكثرين، واختلافُهم
.
معلومٌ
أن الذنوبَ سببُ البلاءِ، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف:96
].
وقال
ربنا -جل وعلا- في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ
وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ
فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:66
].
وقال
تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا
قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل
عمران:165
].
فبيّن
اللهُ -رب العالمين- أنه لا يصيبُ الناسَ من سوءٍ ولا شرٍّ، إلا بما
قدَّمت
أيديهم وكسبت قلوبُهم؛ فإذا نزعوا رفعَ اللهُ عنهم، وإذا تمادوا
زادهم
اللهُ بلاءً، قال -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ
بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
[
الأعراف:130
].
وقال
تعالى في ذِكر بعض عقوبات المكذبين: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ
أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40
].
إن
اللهَ لا يظلمُ الناسَ شيئًا، ولكنَّ الناسَ أنفسَهم يظلمون؛ فإذا رفعوا عن
الظلم رفعَ اللهُ عنهم العقوبةَ، وإذا رجعوا إلى الله -رب العالمين- رجعَ
عليهم بالتوبة وأجزلَ لهم المثوبةَ، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿ظَهَرَ
الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[
الروم:41
].
فيكون
هذا جزاءً وِفاقًا لما قدموا من عملٍ سيئٍ وما اجترحوا من عملٍ طالحٍ؛
فإذا
عادوا إلى الله -رب العالمين- عادَ عليهم بالبركات تتفجرُ من تحت
أرجلهم،
وتتنزلُ عليهم من السموات، واللهُ -رب العالمين- يتوبُ على مَن
تاب
.
لم
يعدْ خافيًا على أحد ما يُرادُ بمصرَ من شرٍ ومكرٍ، بل وبالدول العربية
الإسلامية كلها، والواجبُ على كل مسلمٍ أن يحافظَ على أمن بلده واستقراره،
وأن يجنبه الأسبابَ المفضيةَ إلى الفوضى والاضطراب والفساد
.
من الكفر بنعمة الله: المغامرةُ بمستقبل الوطن، وتضييعُ ماضيه، وتبديدُ تراثه
.
ومن الكفر بنعمة الله: العبثُ باستقراه وأمنه
.
ومن الكفر بنعمة الله: تأجيجُ نيران الأحقاد بين أبنائه، وتقويض دعائم بنائه
.
ومن الغفلة، أن يكونَ المرءُ وقودًا لمؤامراتٍ تستهدفُ تقسيمَ الوطنِ، وتمزيقَ كِيانِه -كما وقعَ!- وقعَ غفلةً واحتيالاً
.
وغشَّ الناسَ مَن غشَّهم ممَن زينوا لهم أنهم على الصراط المستقيم، وأنهم آتون بالجهادِ الأكبرِ
!
غشَّ الناسَ مَن غشَّهم مَن زيّنَ لهم سوءَ أعمالهم فرأوها حسنةً زاهرةً، وهي مدمرةٌ وفاجرة
!
من
الغفلة أن تُحرَّكَ الجموعُ؛ فتتحرك.. لأن العقلَ الجمعي كلا عقل!؛ فإذا
أُذَّ الناسُ اندفعوا، وإذا حُرِّكوا تحركوا، وأهلُ الشر في وضعٍ مثالي لم
يكن أحدٌ منهم قَبْلُ يحلمُ بعُشر مِعْشارِه
.
لأن
غيابَ الأمن واستشراء الفوضى ووقوع الاضطراب بين ربوع الوطن هو البيئة التي
تنمو فيها النبتات الخبيثة من المؤامرات المشبوهة، تُستوردُ بذورُها من
خارج، ويسهرُ عليها راعيًا لها مَن كان خائنًا لله، خائنًا لرسول الله،
خائنًا لدين الله، ثم خائنًا لوطنه
.
يسهرُ عليها راعيًا إياها باثًا لها بين جموع المواطنين وهم لا يعلمون
.
وعلى المرء أن يتثبتَ وأن يتريثَ؛ لأن المسألةَ في منتهاها إنما هي إشاعةُ الفوضى من أجل تقسيم الوطن
.
إذا لم
يكن المسلمُ واعيًا صبورًا ذا أناة حليمًا متريثًا، لم يفوِّت تلك
الفرصةَ
على المفترصينها، وحينئذ يضيعُ تاريخُ البلدِ، وتراثُ الوطن،
وانتماء
الأمة إلى الإسلام العظيم
.
إنها
لحظةٌ
ةٌ في تاريخ الأمة، وينبغي أولَ ما ينبغي على أهل العلم أن
يُفيقوا مما هم فيه من الغفلة السادرة والحيرة الحائرة؛ فقد خُدعوا
كالعوام! إلا مَن رحم ربك
.
وإذا
كان رجلٌ من أكابر المُلحدين في العالم، وهو رئيس وزراء روسيا (بُوتِين) قد
فهمَ المسألةَ من أولها؛ فلما دَبَّت الاضطرابات في المنطقة الإسلامية
العربية، قال: "هذه حربٌ صليبية". صورةٌ جديدةٌ، وتريدُ أن يكونَ الأمرُ
كما كان في القرون الماضية لما دَبَّ الاضطرابُ في المنطقة الإسلامية
العربية، قال: "هذه مؤامرةٌ غربيةٌ من أجل الاستحواذ على الثروات في هذه
المنطقة الغنية بها
".
ولكنَّ الرجلَ لعله لم يُرد أن يُصرِّحَ بالخَبِيء الذي لا يظهرُ أو هو جاهلٌ به
!
لأن
المستهدفَ أولاً هو دينُها، وتاريخُها، وتراثُها، هو انتماؤها، كما قال
الرئيسُ الأمريكي عندما وقعَ التخلي عن الحُكم وعمَّت الفرحةُ في أرجاء
البلاد، وخرجَ على الناس بخطابٍ عاطفيٍّ لا يليقُ برجلٍ سياسيٍّ بَلْهَ مَن
كان على رأس أكبر دولةٍ في الدنيا، فقال شعرًا، وصرَّحَ بأن التاريخَ
يُصنعُ الآن في هذه المنطقة، وأن اللحظةَ لحظةٌ فارقةٌ، وهي بالضبط كسقوط
حائط برلين
.
ولم يفهم أحد! لأن الناسَ في غفلةٍ غافلةٍ، ولأن الناسَ في حيرةٍ حائرةٍ، ولا يجدون مَن يُبصرهم بالخبيء وراء هذا الكلام
.
بعد
الحرب العظمى الثانية، قُسمت ألمانيا النازية إلى قسمٍ شرقيٍّ اشتراكيٍّ
شيوعيٍّ، وإلى قسمٍ غربيٍّ رأسماليٍّ ديمقراطيٍّ، وكان ال
ُ بين القسمين
(
حائطَ بِرْلِين
).
ثم لما
انهارت (الشيوعيةُ) في (الاتحاد السوفيتي)، هُدمَ الحائطُ ودخلتُ أمواجُ
الرأسمالية والديمقراطية هادِرةً على دول أوروبا الشرقية؛ فتركت ما كانت
عليه من معتقدها! الشيوعيةِ وما كانت عليه من توجهها، ودخلت في دين الغرب
.
يقول الرجلُ: "ما أشبه ما يحدثُ الآن في مصر بسقوط حائط (بِرْلِين
)".
الحائطُ الذي عندنا ما وراءه؟
!!
ديننُا.. إسلامُنا.. لغتُنا.. تراثُنا.. كتابُنا.. تاريخُنا..نبيُّنا -صلى الله عليه وآله وسلم- أخلاقُنا
!
ينهارُ الحائطُ الآن! من أجل أمواجٍ زاخرةٍ بما تحملُ من نتنها، وما تأتي به من زيفها، والذين يُمهدون الطريقَ لها قومٌ من جلدتنا
!!
وهذا خطأ، ينبغي أن نفوِّتَ الفرصةَ على كل مَن أرادَ أن يصلَ إلى مثل هذا الهدف
..
أناةٌ، وحِلمٌ، وصبرٌ، ومعرفةٌ بدين ربنا -جل وعلا- وتمسكٌ به
.
والدينُ حاكمٌ
ٌ بين كل مَن تنازعَ، بين كل مَن تخالفَ، بين كل مَن تخاصمَ، وفيه الرحمةُ، وفيه البيانُ والهُدى
.
نسألُ
اللهَ -ربَّ العالمين- أن ينجينا وأن ينجي وطننا وأوطان المسلمين من الفتن
والمِحَن وأن يُسلِّمنا وأن يُسلِّم منا، إنه على كل شيءٍ قديرٍ، وصلى
اللهُ وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين
.
الخطبةُ الثانيةُ
:
الحمد
لله -رب العالمين-، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له هو يتولى
الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم
-
إمامُ المرسلين، وقدوتهم، وخاتمهم، وصفوةُ ربِّ العالمين من رسله وأنبيائه
-
صلى اللهُ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ
الدين
.
أما بعدُ
:
فقد
أخرجَ الإمامُ أحمد في "الزهد"، والطبراني في "الكبير" عن عطاء بن يسار أن
النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- بعثَ معاذًا إلى اليمن، فقال: يا رسولَ
الله! أوصني. فقال: "عليك بتقوى الله ما استطعتَ، واذكرِ اللهَ -عز وجل
-
عند كل حجرٍ وشجرٍ، وإذا عملتَ سيئةً؛ فأحدث عندها توبةً، السرُّ بالسرِّ،
والعَلانيةُ بالعَلانيةِ
".
مَن أذنبَ فعليه أن يتوبَ، ومَن أجرمَ فعليه أن يئوبَ
.
وبابُ
التوبة مفتوح، ولن يرفعَ اللهُ -ربُّ العالمين- عنا الكربَ بالخبط في
أودية
السياسية والبعد عن دين ربنا -جل وعلا- وبأخذ طلاب العلم عن قيامهم،
وذكرهم، وتلاوتهم؛ ليضربوا في الوهاد والنجاد، وليزعقوا في كل ناد،
مبتعدين
عن دين رب العباد
!
فإن هذا لا يزيد الطينَ إلا بِلَّة! ولا يزيدَ الأمرَ إلا سوءً
!
وليس لنا إلا أن نعودَ إلى ربنا؛ فإن الأمرَ جِدُّ عصيب
!
ومَن
لم يعلم -فضلاً عن أن يرى- ما وطنه فيه مما يتعرض له من المخاطر، وما
يُحاكُ له من الدسائس، وما يُدبر له من المؤامرات؛ فهو لا يعلمُ شيئًا! ولا
يرى أحدًا
!
وإنما هو ممَن يسعى إلى إفساد حياة الناس وتدمير وطنِه
.
فعلينا
أن نتقيَ اللهَ، وأن نَكُفَّ عن تلك التهويلات وأن نبتعدَ عن الشائعات،
وأن نلزمَ الجادة، وعلينا ألا نُستفز؛ فإن الأمرَ جِدُّ كبير
!
وإن
المؤامرات التي تُحاك في الخارج وفي الداخل على السواء إنما تريدُ من الناس
أن يُستفزوا وأن يخرجوا عن طورهم وأن يُجاوزوا حدودهم
.
وحينئذ
تقرُّ أعينُ المجرمين ممن يريدون السوءَ لهذا البلد، ويسعون جادين إلى
تمزيق وحدته، وتمزيق أوصاله، وتشتيت أبنائه، وتدمير ثرواته، ومحو إسلامه،
ودينه، وتراثه، وكتابه
!
وهي لحظةٌ في التاريخ،
ةٌ
!!
وكلُّ مَن أجرمَ فيها بكلمة سيحملُ وِزْرَها أبدَ الأبيد؛ حتى يلقى ربه -جل وعلا
-.
وكلُّ
مَن أجرمَ في هذه الفتنةِ بفعله ولو كان يسيرًا؛ فإنه سيحملُ وِزْرَهُ؛
لأنه يدمرُ بلدَه ويحطِّمُ دينَه، ويمحو هويةً قائمةً في بلدٍ طيبٍ أعزه
اللهُ بالإسلام، وكسَّرَ اللهُ -رب
العالمين- على صخرة إسلامه أمواجَ
الصليبين المتقدمين، وأمواجَ التتار المعتدين
.
وحفظَ اللهُ -رب العالمين- به دينه، ورفعَ به منارَه، وأعلى به شأنَ العلمِ والقرآن
.
وهو
بلدٌ حقيقٌ بأن يُحبَّ، وأن يُحافظَ عليه، وأن تُراعى حرمته، وأن يبذلَ
المرءُ جهده وسعيه ووقته وماله ونفسه لحياطته وكلاءته، والحفاظِ عليه
.
والله
-
رب العالمين- من وراء القصد، ولن يرفعَ عنا البلاءَ والكربَ إلا إذا
رجعنا
إليه على منهاج نبوة نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، وإلا
فإن
الناسَ يستدبرون الصراطَ المستقيمَ، وكلما أوغلوا فيه استجلبوا
البلاءَ
الماحقَ، والمِحَنَ النازلة. وهذا كله لا يُرفعُ إلا بعودتنا إلى
ربنا
.
فنحن المعنيون بما أسلفنا من خطايانا، واجترحنا من آثامنا، ومما وقعَ منا.. عاقبنا اللهُ -رب العالمين- بالذي يجري لنا ويحدثُ بيننا
.
وإن لم نُفق ضاعتِ الفرصةُ إلى حيث لا يعلمُ منتهاها إلا اللهَ
.
اللهم سلِّم وطنَنا، وجميعَ أوطان المسلمين من الفتن ظاهرةً وباطنةً يا رب العالمين
.
اللهم سلِّم وطنَنا، وجميعَ أوطان المسلمين من المؤامرات ظاهرةً وباطنةً يا رب العالمين
.
اللهم
اجمع شمل أبناء هذا الوطن، وأقمهم على السوية على منهاج النبوة، وجنبهم
الفتن ظاهرةً وباطنةً يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين
.
واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على مَن عادانا
.
لا تجعلِ الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغَ علمنا، وتوفنا وأنتَ راضٍ عنا يا رب العالمين
.
اللهم إن أردتَ بالناس فتنةً؛ فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين ولا خزايا ولا محزونين ولا مغيرين ولا مبدلين
.
اللهم استرنا والمسلمين -أجمعين- بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما يرضيك
.
وألِّف بين قلوب المسلمين.. ألِّف بين قلوب المسلمين
.
اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأرهم الحقَّ حقًا وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطلَ باطلاً وارزقهم اجتنابه
..
يا رب العالمين.. ويا أرحم الراحمين.. ويا أكرم الأكرمين.. ويا ذا القوة المتين
.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
.
وفرَّغه
/
أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد المصريّ
19
من ذي القعدة 1432هـ، الموافق 17/10/2011م
.
رائد علي أبو الكاس
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى رائد علي أبو الكاس
زيارة موقع رائد علي أبو الكاس المفضل
البحث عن المشاركات التي كتبها رائد علي أبو الكاس