
03 Aug 2011, 06:32 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Aug 2011
الدولة: عين البنيان - الجزائر
المشاركات: 82
|
|
المَطلبُ الثّانِي:
إِسقـاطُ الآيَـة على الـواقِعِ
حكم تولي الكفار(1):
دلت النصوص الشرعية على أن موالاة الكفار على درجات، فمنها ما يخرج العبد من الملة، أي يصل إلى درجة الكفر، ومنها ما يعد معصية ولا يصل إلى درجة الكفر.
فمن الموالاة التي تعد كفراً:
1- محبة دينهم، أو اعتقاد أنه دين صحيح، قال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [آل عمران: 85]، وفي الحديث: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله أدخله الله الجنة على ما آمن من العمل" فاشترط لصحة كلمة التوحيد الكفر بما يعبد من دون الله .
2- اعتقاد أن دينهم أو قانونهم أفضل أو مثل دين الإسلام .
3- نصرتهم وإعانتهم في الحرب ضد المسلمين، لقوله تعالى: { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [المائدة: 51 ].
4- الرضى بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة.
5- الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله.
ومن الموالاة التي لا تعد كفراً:
1- التشبُهُ بهم في الملبسِ والكلامِ وغيرِهما:
لأنَّ هذا يدلُ على محبةِ المتشبَّهِ به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبهَ بقوم فهو منهم"، فيَحْرُمُ التشبُّهُ بالكفارِ فيما هو من خصائِصِهم مِنْ عاداتِهم، وعباداتِهم، وسِمَتِهمْ وأخلاقِهم كحلقِ اللحى وإطالةِ الشواربِ، والرطانةِ بلغتِهم إلا عندَ الحاجةِ، وفي هيئةِ اللباسِ، والأكلِ والشربِ وغيرِ ذلك.
2- الإقامةُ في بلادِهم وعدمُ الانتقالِ منْها إلى بلادِ المسلمينَ لأجلِ الفرارِ بالدينِ:
لأنَّ الهجرةَ بهذا المعنى، ولهذا الغرضِ واجبةٌ على المسلمِ، لأنَّ إقامتَه في بلادِ الكفارِ تدلُ على موالاةِ الكافرينَ، ومنْ هنا حرَّم اللهُ إقامةَ المسلمِ بينَ الكفارِ إذا كانَ يقدرُ على الهجرةِ، قالَ تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 97]، فلمْ يعذرْ اللهُ في الإقامةِ في بلادِ الكفارِ إلا المستضعفينَ الذين لا يستطيعونَ الهجرةَ، وكذلك منْ كان في إقامتهِ مصلحةٌ دينةٌ كالدعوةِ إلى اللهِ ونشرِ الإسلامِ في بلادِهم، وقال عليه الصلاة والسلام : "أنـا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" وقال أيضا: "من جامع المشركين فهو منهم".
والإقامة في بلاد الكفر لا تجوز إلا بشروط(2):
الشرط الأول: وجود الحاجة الشرعية المقتضية للإقامة في بلادهم ولا يمكن سدّها في بلاد المسلمين، مثل التجارة، والدعوة، أو التمثيل الرسمي لبلد مسلم، أو طلب علم غير متوفر مثله في بلد مسلم من حيث الوجود، أو الجودة والإتقان، أوالخوف على النفس أو الأهل والولد من القتل أو السجن أو التعذيب، وليس مجرد الإيذاء والمضايقة .
الشرط الثاني: أن تكون الإقامة مؤقتة، لا مؤبّدة، بل ولا يجوز له أن يعقد النية على التأبيد، وإنما يعقدها على التأقيت؛ لأن التأبيد يعني كونها هجرة من دار الإسلام إلى دار الكفر، وهذا مناقضة صريحة لحكم الشرع في إيجاب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويحصل التأقيت بأن ينوي أنه متى زالت الحاجة إلى الإقامة في بلد الكفار قطع الإقامة وانتقل.
الشرط الثالث: أن يكون بلد الكفار الذي يريد الإقامة فيه دار عهد، لا دار حرب، وإلا لم يجزالإقامة فيه ويكون دار حرب إذا كان أهله يحاربون المسلمين .
الشرط الرابع: توفُّـر الحرية الدينية في بلد الكفار، والتي يستطيع المسلم بسببها إقامة شعائر دينه الظاهرة .
الشرط الخامس: تمكنه من تعلم شرائع الإسلام في ذلك البلد، فإن عسر عليه لم تجز له الإقامة فيه لاقتضائها الإعراض عن تعلم دين الله .
الشرط السادس: أن يغلب ظنه بقدرته على المحافظة على دينه، ودين أهله وولده، وإلا لم يجز له؛ لأن حفظ الدين أولى من حفظ النفس والمال والأهل.
فمن توفرت فيه هذه الشروط جاز له أن يقيم في بلاد الكفار، وإلا حرم عليه؛ للنصوص الصريحة الواضحة التي تحرم الإقامة فيها، وتوجب الهجرة منها، وهي معلومة، وللخطورة العظيمة الغالبة على الدين والخلق، والتي لا ينكرها إلا مكابر .
3-السفرُ إلى بلادِهم لغرضِ النُزْهةِ ومتعةِ النَّفْسِ:
والسفرُ إلى بلادِ الكفارِ محرَّمٌ إلا عندَ الضرورةِ كالعلاجِ والتجارةِ والتعليمِ للتخصصاتِ النافعةِ التي لا يمكنُ الحصولُ عليها إلا بالسفرِ إليهم فيجوزُ بقَدْرِ الحاجةِ، وإذا انتهتْ الحاجةُ وجبَ الرجوعُ إلى بلادِ المسلمينَ.
4- الاستعانةُ بهم والثقةُ بهم وتوليتُهم المناصبَ التي فيها أسرارُ المسلمينَ واتخاذهمُ بِطانةً ومستشارينَ:
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَيُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُل ْمُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } [آل عمران:118-120].
فهذه الآياتُ الكريمةُ تَشرحُ دخائلَ الكفارِ وما يَكُنُّونَهُ نحوَ المسلمينَ منْ بُغضٍ ما يُدبِّرونَه ضِدهمْ منْ مكرٍ وخيانةٍ وما يُحِبونَه من مَضَرةِ المسلمينَ وإيصالِ الأذى إليهم بكلِ وسيلةٍ، وأنَّهم يستغلونَ ثقةَ المسلمينَ بهم فيُخَطٍِّطونَ للإضرارِ بِهمْ والنيلِ منهم.
روى الإمامُ أحمدُ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قلتُ لعمرَ رضي الله عنه: لي كاتبٌ نصرانيٌ، قال: مالَكَ قاتلَكَ اللهُ، أما سمعتَ قولَه تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [المائدة:51]، ألا اتخذتَ حنيفاً! قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ لي كتابتُه وله دينُه، قال: لا أُكرمُهم إذ أهانَهم اللهُ، ولا أُعزُّهم إذ أَذلَّهم اللهُ، ولا أُدنيهم وقد أقصاهم اللهُ.
وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خَرَج إلى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ المشركين فَلحِقَه عند الحَرّةِ فقال: إِني أَردتُ أنْ أَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ" قَالَ: لا، قَالَ: "ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".
ومن هذه النصوصِ يتبينُ لنا تحريمُ توليةِ الكفارِ أعمالَ المسلمينَ التي يتمكنونَ بواسطتِها من الاطلاعِ على أحوالِ المسلمينَ وأسرارِهم، ويكيدونَ لهم بإلحاقِ الضررِ بِهم، ومن هذا ما وقعَ في هذا الزمانِ من استقدامِ الكفارِ إلى بلادِ المسلمينَ - بلاد الحرمين الشريفين- وجعلِهم عمالاً وسائقينَ ومستخدمينَ ومربينَ في البيوتِ وخلطِهم مع العوائِلِ، أو خلطِهم مع المسلمينَ في بلادِهم.
5- مدحُهم والإشادةُ بما همْ عليه من المدنِيّةِ والحضارةِ والإعجابِ بأخلاقِهم ومهاراتِهم دونَ نظرٍ إلى عقائدِهمْ الباطلةِ ودينِهمُ الفاسدِ، قالَ تعالى: { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى } [طه:131].
وهذه الصورة ظهرت واضحة في العصور الأخيرة فقد رأينا (أفراخ المستشرقين) -مثلاً- ينشرون فضائلهم وأنهم أصحاب المنهج العلمي السديد و.. و.. الخ. كذلك جاء من ينشر (فضائل) الغرب أو الشرق مضيفاً عليها ألقاب التقدم والحضارة والرقي، واصماً الإسلام والمنتسبين إليه بالرجعية والجمود والتأخر عن مسايرة الركب الحضاري والأمم المتقدمة!!
وليس معنى ذلك أنَّ المسلمينَ لا يتخذونَ أسبابَ القوةِ منْ تَعلُّمِ الصناعاتِ ومقوماتِ الاقتصادِ المباحِ والأساليبِ العسكريةِ بلْ ذلك مطلوبٌ، قالَ تعالى: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [الأنفال:60].
وهذه المنافعُ والأسرارُ الكونيةُ هي في الأصلِ للمسلمينَ، قالَ تعالى:{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } [الأعراف:32].
وقال تعالى: { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } [الجاثية:13].
وقال تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة:29].
فالواجبُ أنْ يكونَ المسلمونَ سباقينَ إلى استغلالِ هذه المنافعِ وهذه الطاقاتِ، ولا يسْتَجدونَ الكفارَ في الحصولِ عليها، بلْ أنْ يكونَ لهمْ مصانعُ وتقنياتٌ.
6- مشاركتُهم في أعيادِهم أو مساعدتُهم في إقامتِها أو تهنئتُهم بمناسبتِها أو حضورُ إقامتِها:
وقد فُسِرَ قولُه سبحانَهُ وتعالى: { والذين لا يشهدون الزور } [الفرقان:72]، أي ومنْ صفاتِ عبادِ الرحمنِ أنَّهمْ لا يَحضرونَ أعيادَ الكفارِ.
وفي مسند الإمام أحمد أن رجلاً أراد أن ينحر إبلاً ببَوَانَة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، قال: فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه الآدمي".
7- التأريخُ بتاريخِهم:
خصوصاً التاريخُ الذي يعبِّرُ عن طقوسِهم وأعيادِهم كالتاريخِ الميلادي، والذي هو عبارةٌ عن ذكرى مولدِ المسيحِ عليه السلامُ، والذي ابتدعوه منْ أنفسِهم وليس هو منْ دينِ المسيحِ عليه السلامُ، فاستعمالُ هذا التاريخِ فيه مشاركةٌ في إحياءِ شعارِهمْ وعيدِهم؛ ولِتَجَنُّبِ هذا لما أرادَ الصحابةُ - رضي اللهُ عنهم- وضعَ تاريخٍ للمسلمينَ في عهدِ الخليفةِ عمرَ (عَدَلوا عنْ تواريخِ الكفارِ، وأرَّخوا بهجرةِ الرسولِ) مما يدلٌّ على وجوبِ مخالفةِ الكفارِ في هذا وفي غيرِه مما هو منْ خصائصِهم- والله المستعان-.
8- التَّسمِّي بأسمائِهمْ:
بحيثُ يُسمِّي بعضُ المسلمينَ أبنائَهم وبناتِهم بأسماءٍ أجنبيةٍ، ويتركونَ أسماءَ آبائِهم وأُمهاتِهم وأجدادِهم وجداتِهم والأسماءَ المعروفةَ في مجتمعِهم، وقد قال النبيُ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ" وبسببِ تغييرِ الأسماءِ فقد وُجِدَ جيلٌ يحملُ أسماءً غريبةً، مما يسببُ الانفصالَ بينَ هذا الجيلِ والأجيالِ السابقةِ، ويقطعُ التعارفَ بينَ الأُسرِ التي كانتْ تُعرفُ بأسمائِها الخاصةِ.
9- الاستغفارُ لهمْ والترحمُ عليهِم:
وقد حرَّم اللهُ ذلك بقولِه تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو أوْلي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [التوبة: 113]، لأنَّ هذا يتضمنُ حبَّهمْ وتصحيحَ ما همْ عليهِ.
9- البشاشة لهم والطلاقة وانشراح الصدر لهم وإكرامهم وتقريبهم.
10- مناصحتهم والثناء عليهم ونشر فضائلهم.
11- مجالستهم والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله.
12- تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم مثل: السادة والحكماء ومبادأتهم بالسلام.
13- من انخرط في الأحزاب العلمانية أو الإلحادية كالشيوعية والاشتراكية والقومية والماسونية وبذل لها الولاء والحب والنصرة.
فعلى العبد أن يحرص دوماً على تَتَبُّع ما يُرضي الله حتى وإن كان في ذلك سخَطُ الناس، وفي الحديث: "من اِلْتمَسَ رضا الله بسخَط الناس رضيَ الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن اِلْتَمسَ رضا الناس بسخَط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس".
ـــــــــــــــــــــ
(1) أنظر: الولاء والبراء، محمد بن سعيد القحطاني.
(2) أنظر المفصل في أحكام الهجرة، علي بن نايف الشحود.
|