عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 03 Aug 2011, 04:41 PM
أبو عبيد الله عبد الله أبو عبيد الله عبد الله غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
الدولة: عين البنيان - الجزائر
المشاركات: 82
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبيد الله عبد الله إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبيد الله عبد الله
افتراضي

المَطلبُ الثّالثُ:
المَعنَى الإجمَـاليُّ والتَّفصِيـلِيُّ للآيـةِ

أ- المعنى الإجمالي للآية:


{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } بالله ورسوله، { لا تَتَّخِذُوا } أي: لا تجعلوا، { عَدُوِّي } في الدين، { وَعَدُوَّكُمْ } في القتل، { أَوْلِيَاء } أي: أصدقاء لأنفسكم، وأضاف سبحانه العدو إلى نفسه تعظيما لجرمهم، { تُلْقُونَ إِلَيْهِم } أي: توصلون إلى أولئك الأعداء،{بِالْمَوَدَّةِ } أي: بالمحبة بالكتاب، ثم ذكر مما يمنع هذا الإتخاذ أمرين:

1- { وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ } أي: والحال أنهم قد كفروا بالله ورسوله، وكتابه الذي أنزله عليكم، فكيف بعد هذا تجعلونهم أنصارا وتسرون إليهم بما ينفعهم ويضر رسولكم ويعوِّق نشر دينكم؟.
2- { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } أي: كفروا مخرجين الرسول وإياكم من مكة.

قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أُخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم.
3- { أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ } أي: يخرجونكم لأجل إيمانكم، أو كراهة أن تؤمنوا، وفي هاذا تهييج لهم على عداوتهم وعدم موالاتهم.
ثم زادهم تهييجا بقوله: { إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } من مكة إلى المدينة { جِهَادًا فِي سَبِيلِي } ونشر ديني { وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي } أي: وطلبا لمرضاتي، { تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ } والنصيحة { وَأَنَا أَعْلَمُ } أي: والحال أني أعلم منكم { بِمَا أَخْفَيْتُمْ } أي: بما أضمرتم في صدوركم من مودة الأعدء { وَمَا أَعْلَنتُمْ } أي: وما أظهرتم بألسنتكم من الإعتذار وغير ذلك { وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ } أي: يفعل الإتخاذ المنهي عنه { فَقَدْ ضَلَّ } وأخطأ { سَوَاء السَّبِيلِ } أي: طريق الحق والصواب الموصل إلى الفوز بالسعادة الأبدية(1).

ب- المعنى التفصيلي للآية(2):

تبدأ السورة بذلك النداء الودود الموحي: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } نداء من ربهم الذي آمنوا به، يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه، يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم، ويحذرهم حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم.
{ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ } عدو الله: من كفر أو أشرك ولم يؤمن بما أنزل في كتبه، وعدوّ المؤمنين: من خانهم أو أضر بمصالحهم أو قاتلهم أو عاون على مقاتلتهم(3). فيه دلالة على أن خوف الجائحة على المال والولد لا يبيح التقية في دين الله تعالى، وأن العذر الذي أبرزه حاطب بن أبي بلتعه لا أثر له، ويحتمل أن يقال إن ذلك لم يكن إكراماً، وإنما كان تودداً إليهم، لما كان يأمل من نفع من جهتهم(4).
{ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ } أي: لا تتخذوهم أنصاراً توادونهم، فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.
ويذكرهم بجريرة هؤلاء الأعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم، وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم:
{ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ } أي: الإِسلام عقيدة وشريعة.
{ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } أي: بالتضييق عليكم حتى خرجتم فارين بدينكم.
{ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ } أي: لأجل أن آمنتم بربكم، فماذا أبقوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة؟ كفروا بالحق، وأخرجوا الرسول والمؤمنين، لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله ربهم؟ إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتبطة بعقيدتهم، وهي التي حاربهم المشركون من أجلها، لا من أجل أي سبب آخر، ويبرز القضية التي عليها الخلاف والخصومة والحرب، فهي قضية العقيدة دون سواها، قضية الحق الذي كفروا به والرسول الذي أخرجوه، والإيمان الذي من أجله أخرجوهم.
وإذا تمحضت القضية هكذا وبرزت، ذكّرهم بأنه لا محل إذن للمودة بينهم وبين المشركين إن كانوا قد خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان الله وجهاداً في سبيله:
{ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي }: فلاتتخذوهم أولياء ولا تبادلوهم المودة، فما يجتمع في قلب واحد أن يهاجر جهاداً في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، مع مودة لمن أخرجه من أجل إيمانه بالله، وهو عدو الله وعدو رسول الله!
ثم يحذرهم تحذيراً خفياً مما تكنّ قلوبهم، وما يسرون به إلى أعدائهم وأعداء الله من المودة، وهو مطلع على خفية القلوب وعلانيتها:
{ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ } أي: توصلون إليهم خبر خروج الرسول لغزوهم بطريقة سرية.
{ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر(5). ثم يهددهم تهديداً مخيفاً، يثير في القلب المؤمن الوجل والمخافة:
{ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ } أي: ومن يوادهم فينقل إليهم أسرار النبي في حروبه وغيرها.
{ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ } أي: أخطأ طريق الحق الجادة الموصلة إلى الإِسعاد.
وهل يخيف المؤمن شيء ما يخيفه أن يضل سواء السبيل بعد الهداية والوصول؟!
وهذا التهديد وذلك التحذير يتوسطان تبصير المؤمنين بحقيقة أعدائهم وما يضمرون لهم من الشر والكيد.

ــــــــــــــــــــــ

(1) أنظر: حدائق الروح والريحان، الهرري (29/192 إلى 195).
(2) أنظر أيسر التفاسير، الجزائري (5/320).
(3) جامع البيان في تأويل القرآن، الطبري (28/60)
(4) أحكام القرآن، عماد الدين الطبري المعروف بالكيا الهراسي (5/20).
(5) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (4/410).

رد مع اقتباس