عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 03 Aug 2011, 04:15 PM
أبو عبيد الله عبد الله أبو عبيد الله عبد الله غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
الدولة: عين البنيان - الجزائر
المشاركات: 82
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبيد الله عبد الله إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبيد الله عبد الله
افتراضي

المطلبُ الأوّلُ:
سـببُ نـزولِ الآيـةِ

قال جماعة من أهل المفسرين: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة(1) وذلك أن سارة مولاة أبي عمر بن صهيب بن هشام بن عبد مناف أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها: أمُسلمةً جِئتِ؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك قالت أنتم الأهل والعشيرة والموالي، وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، قال لها: فأين أنت من شباب أهل مكة -وكانت مُغَنِّية-، قالت: ما طُلب منّي شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، وكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب إلى أهل مكة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً والزبير وطلحة والمقدادَ بنَ الأسود وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرساناً وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خَاخٍ(2) فإن فيها ظَعِينَة(3) معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها؛ فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، ففتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال عليّ: والله ما كَذَبَنا ولا كذَّبْنا، وسلَّ سيفَه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجزُرَنَّك(4) ولأضرِبَنَّ عُنقك، فلما رأتِ الجِدّ أخرجته من ذُؤَابتها(5) قد خبّأته في شعرها، فخلَّوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب فأتاه، فقال له: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم، قال: فما حَمَلك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، والله ما كفَرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتُهم منذ فارقتُهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنتُ غريباً فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمتُ أن الله ينزل بهم بأسه، وكتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَذَره، فنزلت هذه السورة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } فقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عُنق هذا المنافق، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعلَّ الله قدِ اطَّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم(6).
وفي هذا قال ابن كثير: "كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبا هذا كان رجلا [من أهل اليمن] من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان، فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة لما نقض أهلُها العهدَ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: "اللهم، عمِّ عليهم خبرنا". فعمَد حاطبٌ هذا فكتب كتابا، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يُعلِمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتخذ بذلك عندهم يداً، فأطلع الله رسوله على ذلك، استجابة لدعائه، فبعث في أَثَر المرأة فأخذ الكتاب منها"(7).
وكان في الكتاب: "أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يَسِر إليكم إلا وحدَه لأظفَره الله بكم، وأنجَز له موعده فيكم، فإن الله وليُّه وناصره".
ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم(8).

ــــــــــــــــــــــ

(1) حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي، حليف بني أسد ابن عبد العزى، يكنى أبا محمد صحب رسول الله  وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية والمشاهد كلها، وكان حاطب من الرماة المذكورين، وقدم رسولا إلى مصر من النبي  إلى المقوقس، وتوفي سنة ثلاثين وصلى عليه عثمان وكان عمره خمسا وستين سنة.[ الطبقات الكبرى لابن سعد (3/106) وغيره ]
(2) موضع بين الحرمين، بإثني عشر ميلا من المدينة.[ معجم البلدان لياقوت الحموي (2/335) ].
(3) الجارية، وهي في الأصل الهودج، وسميت بها الجارية لأنها تكون فيه [ لسان العرب (8/253) ].
(4) جَزَرَ الشيءَ يَجْزُرُه ويَجْزِرُه جَزراً قطعه والجَزْرُ نَحْرُ الجَزَّارِ الجَزُورَ [ لسان العرب(2/271) ]، أي أصيرك مثل الجزور إذا ذُبحت(قاله: بدرالدين العيني في العمدة).
(5) الذّؤابة: مَنْبِتُ الناصيةِ من الرأْس، والمراد هنا: الشعر المضفور من شعر الرأس [ لسان العرب (5/15) ].
(6) أسباب النزول، الواحدي (441). والحديث متفق عليه من رواية علي رضي الله عنه بلفظ آخر.
(7) تفسير القرآن العظيم، بن كثير (4/407).
(8) الجامع لأحكام القرآن، محمد القرطبي (20/396).

رد مع اقتباس