الأمر الثالث : بيان جملة من المقاصد الشرعية لإيقاع الهجر الشرعي على المخالف.
ينبغي أن تنتبه إلى هذا الأمر العظيم؛ فكثير ممن يتكلم في الباب يغفل ذكر المقاصد الشرعية في هذا الباب؛ أعني الهجر الشرعي المختص بالمخالف.
إذا تقرر أيها الأحبة ما سبق؛ فإنا نقول إن الهجر الشرعي عبادة من العبادات؛ والعبادات يجب أن تكون على وفق الشرع المطهر.
والعبادات كلها لها مقاصد شرعية؛ أوليس ذلك كذلك؟ فما من عبادة إلا لها ومقاصد شرعية؛ منها الظاهر ومنها غير الظاهر؛ فمثلا الزكاة منها تزكية المال ومنها تطهير المرء ومنها مواساة المؤمنين والفقراء إلى غير ذلك؛ وكذلك الصلاة فيها مقاصد شرعية وكذلك الحج له مقاصد شرعية وهكذا.
إذن ما من عبادة إلا ولها مقاصد شرعية جاءت بها النصوص؛ و في تحقيق المقاصد الشرعية حفاظ على الشريعة ؛ وصيانة الشريعة من الدخيل؛ وتنقيتها مما تعلق بها ؛كل ذلك فرض لازم على كل واحد من المؤمنين كل بحسبه .
ومن مهمات ذلك: الوقوف بحزم أمام البدعة والمبتدعة – بعلم و عدل- والمعصية والمجاهرين بها ؛و ابستخدام الطرق الشرعية في صد عدوانهم و رد كيدهم، وإظهار معلم الولاء و البراء ، والحب في الله و البغض في الله لأن مضار هؤلاء لا تقف عند المبتدع أو العاصي نفسه المجاهر بالمعصية؛ بل تتعدى؛ فخطر ذلك عليه وعلى أتباعه؛ بل وعلى الأمة التي هو فيها ؛بل وعلى الدين نفسه ؛فوجب والحالة هذه؛ صيانة الشريعة والحفاظ على حياضها.
وعليه فإن من جملة المقاصد الشرعية في هذا الباب :
المقصد الأول؛ تحقيق العبودية لله.
ذلك أن الهجر لله وفي الله عبادة؛ عبادة لله؛ فالقيام به يجب أن يكون خالصا؛ ووفق إتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما الدليل على هذا المقصد ؟
الأدلة في الباب كثيرة؛ منها ما سبق: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكوا النار}؛ ومنها قوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)}
قال العلامة القرطبي في " الجامع ":" إذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا؛ فتجنب أهل البدع والأهواء أولى".
أقول قول الله جل وعلا {فلا تقعدوا معهم }؛ أليس هذا نهيا من الله؟
وقوله { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكوا النار}؛ أليس نهيا؟
والله تعالى إذا نهى عن أمر؛ إذا هو يأمر بضده؛ ما هو ضد الجلوس إليهم ؟ المفارقة والقيام ؛ {فلا تقعدوا معهم}؛إذا المأمور؛ عدم القعود؛ إذن عدم القعود لما نهى الله عز وجل عن هذا؛ تضمن الأمر بالضد؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده؛ وكونه جل وعز يأمر وينهى؛ إذن يحب جل وعلا هذا العمل؛ وكونه يحبه ؛إذن هي طاعة ؛وطاعته عبادة.
( ينظر : فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد للعلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (1/303))
و العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة؛ كما قاله الإمام بن تيمية وغيره،وهذا القول يقال في كل الآيات في المقام.
ومن الأدلة قوله تعالى :" ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا"
قال شيخ شيوخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطيي في "أضواء البيان" (4/98-99): " نهى الله عز وجل نبيه في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره و اتبع هواه و كان أمره فرطا، و قد كرر في القرآن نهي نبيه الله عليه وسلم عن إتباع هذا الغافل عن ذكر الله المتبع لهواه . . . و معنى إتباعه لهواه: أنه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء و تهواه من الشر ، كالكفر و المعاصي "
التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين أبو الوليد المستغانمي ; 16 Jun 2011 الساعة 01:26 PM
|