عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 26 May 2011, 02:47 PM
فتحي إدريس
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قال الشيخ عبد المالك رمضاني -حفظه الله-:

16.لزوم المرء خاصة نفسه: سبق أن ذكرت أنه لا ينبغي للمرء أن يدخل الفتن ولو بنية الإصلاح؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أرشد إليه عند غلبة الفساد وظهور الفتنة حسب التعريف الذي ذكرته أولا، فقد روى ابن حبان (5950) بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنت –يا عبد الله -!إذا بقيت في حثالة من الناس؟ قال: وذاك ما هم يا رسول الله؟ قال: ذاك إذا مرجت أماناتهم وعهودهم، وصاروا تعرف، ودع ما تنكر، وتعمل بخاصة نفسك وتدع عوام الناس).


فأمر النبي صلى الله عليه وسلم هنا بهذا الأمر تبعا لثلاثة أوصاف في المجتمع، هي: قلة أهل الحق، وفساد ديانة الأكثرين مع اختلافهم.

وأكثر الناس تورطا في الفتن هم المتكلفون السعي في حاجات غيرهم دون أن يميزوا بين زمن الفتنة وغيره، فيدخل عليهم الداخل من هذه الجهة؛ لأن لديهم حبا للخير وفرط غيرة، فيكثر عملهم لكن مع قلة علم وضعف تمييز، ومثلهم الذين يتسلمون مسؤليات تحت مؤسسات غلب عليها أهل الفساد، فيدخلونها بنية الإصلاح أو عدم تمكين غيرهم منها على الأقل، فلا يلبثون مليا حتى يصيروا مثلهم؛ لأنهم خالفوا صريح ما دل عليه الخبر.

17.التفرغ للعبادة: روى مسلم (2948) عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي).

والمراد بالهرج القتل، وإذا كثر كان زمنه زمن فتنة؛ يوضحه رواية أحمد (5/27) بسند حسن بلفظ: (العبادة في الفتنة كالهجرة إلي)، قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (18/88): (المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد).

ولعل الحكمة في ذلك أنه لما كانت الفتنة تحرك إليها النفوس وتهيجها، أمر الناس فيها بالعبادة لأنها تسكنها، لا سيما وقد قضت عادة الناس أنهم عندها يتقللون من العبادة تعليلا لأنفسهم بأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، أو بأنهم مشغولون بما يسمونه (القضايا المصيرية)، وهذه تعليلات صحيحة لكنها وضعت في غير محلها، بل هي اجتهاد في محل النص فلا يقبل، ووقت الفتن وقت تهيج النفوس مع نقص العقول، وسيأتي ذكر دليله في الفصل الآتي من حديث أبي موسى رضي الله عنه إن شاء الله.

ولعل ثم حكمة أخرى، وهي أن الفتن متسببة عن ذنوب العباد، فأكد ذنوبهم، فإذا غفرت ذنوبهم كان ذلك أدعى لرفع الفتنة عنهم وإنجائهم من شرها، ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى في المنام ما فتح على هذه الأمة من فتن أمر بإيقاظ أهله للعبادة، روى البخاري (7069) عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن!؟ وماذا أنزل من الفتن!؟ من يوقظ صواحب الحجرات – يريد أزواجه – لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة!)، قال االباجي في "المنتقى" عند شرح الحديث برقم (1627): ( وقال سحنون في العتبية معناه: أيقظوا نسائي يسمعن، يريد ما ظهر إليه من وقوع الفتن ويحذرهن من ذلك؛ فيفزعن إلى الصلاة والدعاء وغير ذلك من أعمال البر، مما يرجى أنه يدفع الله به عنهن الفتن، وهذه سنة في أن قال الله عزوجل: { وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا}(الإسراء: 59)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف:(فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة))، وبمثل هذا التوجيه قال ابن حجر في "الفتح" (13/23) وملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (3/269)، والله أعلم.


هذا آخر الفصل؛ والحمد لله أولا وآخرا؛ أسأل الله عزوجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علما وعملا، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


وسبحانك اللهم وبحمدك،


أشهد أن لا إله إلا أنت،


أستغفرك وأتوب إليك.


التعديل الأخير تم بواسطة فتحي إدريس ; 31 Aug 2011 الساعة 07:00 PM
رد مع اقتباس