وفيك يبارك الله أخي أبا يحي
وجزاك الله خيرا
قال الشيخ عبد المالك بن أحمد رمضاني- حفظه الله-:
6.الرجوع فيها إلى أهل الاستنباط من أولي الأمر: حفاظا على المجتمع من أن تخاض فيه الفتن بالفتاوى الجريئة من غير أهلها، فقد أمر الله بردها إلى أهل الاجتهاد، فقال:{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}(النساء:83)، ولا ريب أن حالات الفتنة تدخل في معنى الأمن والخوف دخولا أوليا، ولو عمل شباب المواقع العنكبوتية المشبوهة بهذا الأمر القرآني لاستراحوا من الفتن أولها وآخرها، لكنهم كلما ذرت فتنة قَرَنهَا جعلوا أجسامهم هدفا لها، ودخلوها من غير أناة ولا ورع، وأفتوا فيها معرضين عن العمل بالآية السابقة، واعتذروا – بلا حجة – بأن العلماء قد غيرتهم الدول الحاكمة، وكل ما هنالك أن فتاوى أهل الاستنباط لم تُخرَّج على نفَسهم المتهور، فتراهم يتلمَّسون في ظلمات الجهالة من يشبع نهمهم الثوري، وفي كل مرة يأتمُّون بإمام وإن لم يعرف بعلم، فضلا عن أن يعرف ببلوغ درجة المجتهد المستنبط الذي يحق له أن يفتي في نوازل الفتن، بل كثير منهم لا يعرفون لمتبوعهم أصوله العلمية: رتبته وشيوخه وإجازته، بل قد لا يعرفون هويته: أهو مسلم خالص أم هو دسيسة في وسط المسلمين؟ ! كل ما يعرفون عنه أن جنسيته ثورية وهويته دموية، وقد قيل: (من استشار الجاهل ضل، ومن جهل موضع قدمه زل)، ومن عجائب ما يفعله الهوى بصاحبه أن مدح العالم عندهم موقوف على موافقة فتاواه لما تحبه أنفسهم وتهواه ! فإن فعل تحمسوا له، وإن لم خالفهم استنقصوه ولم يبحثوا له عن أدنى مخرج لاختياره، بل ربما بهتوه بالتهم، ثم تخيروا من فتاوى أندادهم ما لو عرض على عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لجمع له أهل بدر، فما أشبههم بمن قال فيه الآجري – رحمه الله – في "أخلاق العلماء"(ص80): (يُرخِّص في الفتوى لمن أحب، ويشدد على من لا هوى له فيه)! وإن هذا ليذكرنا ببهت اليهود حبرهم عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – لما أسلم، رواه البخاري(3911) من حديث أنس الطويل، وفيه أنه قال – رضي الله عنه - : (فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيّ، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود ! ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو ! إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بالحق، فأسلموا ! قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، قالها ثلاث مرار، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ! ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله! ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله! ما كان ليسلم، قال: يا ابن سلام! اخرج عليهم! فخرج فقال: يا معشر اليهود! اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو! إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت! فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية صحيحة عند ابن حبان(7423) قال: (فخرج إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: بل هو شَرُّنا وابن شَرِّنا،، وجاهلنا وابن جاهلنا! ! قال: ألم أخبرك –يا رسول الله!- أنهم قوم بهت؟!).
ومن العجائب أيضا أن متبوعيهم من أصناف المتعلمين كثيرا ما يخطئون في فتاوى تؤدي بأرواح العشرات من المسلمين، وتخلخل أمن شعوب وادعة، فإذا بالأعذار تلتمس لهم وهم دون العلماء، والظنون الحسنة تُستكثَر لهم وتُستولد من عقم القضايا التي لا تحمل إلا وجها واحدا، بينما لا تجد لتلك المحامل أثرا يذكر عندما يكون مخالفهم من أكابر العلماء، وهذا من عجائب التناقضات! !
لكن إذا عُلِمَ السبب بَطَلَ العجب، فإن البلاء موكول بأصناف المتعلمين، كما قال ابن تيمية في "تلخيص كتاب الاستغاثة"(2/730): ( وقد قيل: إنما يُفسدُ الناس نصف متكلم، ونصف فقيه، ونصف نحوين ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان، لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبقه إليها عالم معه فيها نقل عن أحد، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين، بل هجم على ما يخالف دين الإسلام المعلوم بالضرورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فارجعوا إلى أهل العلم ولا يثبطنكم الشيطان عنهم، فهم الذين يعرفون وجه الفتنة أول ما تظهر، وأما غيرهم فإنهم لا يعرفونها حتى تنخلهم نخل الدَّقل وتمخضهم مخض اللبن، قال الحسن البصري – رحمه الله -: ( الفتنة إذا أقبل عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل) رواه البخاري في "التاريخ الكبير"(4/321) وابن سعد (7/166) بإسناد صحيح، وقد أوردت في "مدارك النظر في السياسة"(ص187- ط.السابعة) بعض أقوال من سلف في معنى هذا الباب.
7.تجنب الفتنة وترك التحرك فيها: أيام الفتنة سريعة الحركة، قليلة البركة، أولها يسر، ووسطها يغر، وآخرها حنظل مر، فإذا نزلت فلا يقولنَّ المسلم: أدخلها لأصلح، أو لأنصر المظلوم، أو لأخفف من شرها، لأن من تعرض للفتنة بمثل هذا لم يخرج منها سالما وإن أقنعه الوسواس الخناس أن نيته صالحة أو أن الناس ينتظرون تحركه،،فعن المقداد بن الأسود قال:أيم الله ! لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن السعيد لمن جنب الفتن! إن السعيد لمن جنب الفتن! إن السعيد لمن جنب الفتن! ولمن ابتلي فصبر، فواها!) رواه أبو داود(4263) وصححه الألباني في تعليقه عليه، قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" في معنى (فواها): (واها له، وبترك تنويه: كلمة تعجب من طيب كل شيء، وكلمة تلهُّف).
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الناصحُ لأمته السيرة العملية في ذلك حتى تُضمن لصاحبها السلامة من شر الفتن، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به) رواه البخاري(3601) ومسلم(2776)، قال ابن حجر في "الفتح"(13/31) شارحا قوله صلى الله عليه وسلم: (من تشرَّف لها): (أي تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها ...) ثم قال: (قوله: (تستشرفه) أي تهلكه بأ يشرف منها على الهلاك، يقال: استشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه، يريد من انتصب لها انتصبت له، ومن أعرض عنها أعرضت عنه، وحاصله أن من طلع فيها بشخصه قابلته بشرهان ويحتمل أن يكون المراد: من خاطر فيها بنفسه أهلكته، ونحوه قول القائل: من غالبها غلبته).
وروى معمر في "جامعه/مصنف عبد الرزاق"(11/450) ومن طريقه أبو نعيم في الموضع السابق وابن البناء "الرسالة المغنية في السكوت ولزوم البيوت"(29) بإسناد صحيح عن طاووس قال: (لما وقعت فتنة عثمان، قال رجل لأهله: أوثقوني بالحديد، فإني مجنون، فلما قتل عثمان، قال: خلوا عني، الحمد لله الذي شفاني من الجنون وعافاني من قتل عثمان)، وقال أبو نعيم بعده: (رواه غيره عن ابن طاووس وسمى الرجل عامر بن ربيعة)، وطاووس قد أدرك زمان عثمان كما نقل ابن أبي حاتم في "المراسيل"(ص99).
وروى نعيم ابن حماد في "الفتن"(509) عن عبد الله بن هبيرة قال: (من أدرك الفتنة فليكسر رجله، فإن جبرت فليكسر الأخرى !).
وقد كان من حزم السلف في هذا ما جاء في "سؤالات الآجري أبا داود"(ص274) (أن الأسود بن سُريع لما وقعت الفتنة بالبصرة ركب البحر فلا يدرى ما خبره !).
8.ترك القتال:عند نشوب الفتن بين المسلمين وجب على الناصح لنفسه وللمسلمين ترك المشاركة فيها بقتال أو نحوه، يقول الله عزوجل: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة }(الأنفال:25)، والفتن التي تقع بين المسلمين داخلة في هذا النص، يدل عليه عمومه كما رجحه ابن كثير في تفسيره، وله في ذلك سلف، فقد روى أحمد (1/165) بسند حسن عن مطرِّف أنه قال بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه -: قلنا للزبير – رضي الله عنه -: ( يا أبا عبد الله! ما جاء بكم؟! ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟! قال الزبير – رضي الله عنه -: إنا قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان – رضي الله عنهم -: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة }(الأنفال:25)، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت).
ويدخ في الفتنة هنا اختلاف أهل الإسلام حتى ربما قتل بعضهم بعضا، ويزيده وضوحا قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض اُنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}(الأنعام:65)،فقد أخبر أن هذه الأمة تختلف حتى يلبسها الله شيعا أي فرقا مختلفة، وهذه الفتنة، لإمكانية الوقوع لم يقصِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير منها وبيان طرق الوقاية من شرِّها، وينجِّي الله منها أهل الاتباع بحقٍّ، جعلنا الله منهم.
بل لأن يُقتلَ المرء فيها خير له من أن يَقتلَ، روى أحمد (5/292) والحاكم(3/281) عن خالد بن عرفطة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا خالد ! إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل ) وصححه الألباني في "الإرواء"(2451).
وعند أبي داود (4257) بسند صححه الألباني أيضا في تعليقه عليه عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: ( يا رسول الله! أرأيت إن دخل علي بيتي وبسط إليَّ يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن كابني آدم، وتلا يزيد (شيخ أبي داود) : { لئن بسطت إلي يدك }(المائدة:28)، الآية ).
ولذلك روى خليفة بن خياط في "تاريخه"(ص239) بسند صحيح عن الحسن قال: ( أصيب ابنا زينب يوم الحرَّة، فحملا إليها، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظم المصيبة عليَّ فيهما! ولهي في هذا أعظم علي منهما في هذا، أما هذا فبسط يده فقاتل حتى قتل فأخاف عليه، وأما هذا فكف يده حتى قتل فأنا أرجو له )، وزينب هذه هي بنت أم سلمة ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء منصوصا عليه في "دلائل النبوة" للبهقي(6/475) و"تاريخ دمشق" لابن عساكر(57/107)، ومعنى هذه القصة العجيبة أن زينب – رضي الله عنها – لم تخف من عذاب الله على ولدها الذ كف يده عن المواجهة لما هاجت الفتنة بقدر ما خافت على ولدها الآخر الذي واجه الفتنة بسيفه مع أنه قُتل! فقدمت مصيبتها في دين ولدها على مصيبتها في دنياه على الرغم من أن مصيبة الدنيا تلك كانت أعظم مصائب الدنيا، ألا وهي فقدها إياه بل فقدها ولديها جميعا، فتأمل هذا الاتباع، وتأمل هذا الصبر على الحق!
وللسلامة من التحرك في الفتنة ومن المشاركة فيها بقتال ينبغي:
9.لزوم البيوت وتكسير السلاح: تُلزم البيوت ويكسر السلاح أيام الفتنة لئلا يستدرج المرء إليها من حيث لا يشعر، فقد روى أحمد(4/408) بإسناد حسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كسروا قِسِيَّكم، وقطعوا أوتاركم يعني في الفتنة، والزموا أجواف البيوت، وكونوا فيها كالخيِّر من بني آدم )فقد قال هنا صلى الله عليه وسلم: (كسِّروا)، ولم يقل: اكسروا، وقال: (قطِّعوا) ولم يقل: اقطعوا، مبالغة في القضاء على وسائل القتال قطعا لدابر الفتن، قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي"(6/371): ( (كسِّروا فيها قِسِيَّكم): بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس، وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة، لأن باب التفعيل للتكثير، وكذا قوله:(وقطِّعوا): أمر من التقطيع، (فيها أَوْتَاركم): جمع الوَتَر بفتحتين، وفيه زيادة من المبالغة، إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي، أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير، ولا يستعملها في دون الخير ).
وبهذا جرى نصح السلف لبعضهم البعض، فقد روى ابن أبي شيبة (8/593) بإسناد صحيح عن حذيفة – رضي الله عنه- قال: ( إن للفتنة وقفات وبعثات، فإن استطعت أن تموت في وقفاتها فافعل )، وفي رواية له حسنة(8/597) : ( قيل لحذيفة: ما وقفات الفتنة وبعثاتها؟ قال: بعثاتها سلُّ السيف، ووقفاتها إغماده )، وروى نعيم بن حماد في "الفتن" (350) وابن أبي شيبة (7/450) والحاكم (4/444) بإسناد صحيح عن ربعي بن حراش عن حذيفة – رضي الله عنه – قال: ( قيل: يا أبا عبد الله! ما تأمرنا إذا اقتتل المصلون؟ قال: آمرك أن تنظر أقصى بيت من دارك فتلج فيه، فإن دخل عليك فتقول: ها! بؤ بإثمي وإثمك! فتكون كابن آدم )، زاد في رواية: ( قال: قل: إني لن أقتلك إني أخاف الله رب العالمين ).
وبه جرت سيرتهم العملية، فإنه لما اختلف عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه – وعبد الملك بن مروان على الملك لزم جمهور الصحابة بيوتهم ولم يقاتلوا مع أحد منهما، على الرغم من أن ابن الزبير صحابي، ولا يقوم لصحبة شيء بعد النبوة، لكن لما كان تأييده يوغل الناس في الدماء والاختلاف أحجم جمهور الصحابة عنه كما مر، وسيأتي زيادة بيان في ذلك.
وروى المعافى في "الزهد" (48) وابن شبة في "تاريخ المدينة" (4/1242) وابن بطة في "الإبانة" وابن عبد البر في "التمهيد" (17/442) عن سيَّار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن الأشج: ( ما فعل خالك! قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: ألا إن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم ).
ومن تطبيقات السلف لهذه النصوص النبوية ما جرى لإبراهيم النخعي – رحمه الله – حيث خرج يوم الزاوية ويوم الجماجم، فقيل له: (أين كنت يوم الزاوية؟ قال: في البيت، قالوا: فأين كنت يوم الجماجم؟ قال: في بيتي )ذكره الذهبي في "السير"(4/526)، وفي ترجمة عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب من "الطبقات الكبرى" لابن سعد (ص365- القسم المتمِّم) قال ابن سعد: ( لما خرج محمد ابن عبد الله بن حسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور لزم عبيد الله بن عمر ضيعته واعتزل فيها ولم يخرج مع محمد، وخرج معه أخواه عبد الله بن عمر العمري وأبو بكر بن عمر أخوه، فقال محمد بن عبد الله لعبد الله بن عمر:فأين أبو عثمان؟ قال: في ضيعته، فإذا كنت أنا معك وأبو بكر بن عمر فكأن أبا عثمان معنا، فقال محمد: أجل ! وكف عنه وعن كل من اعتزله فلم يخرج معه ولم يكره أحدا على الخروج، فلما انقضى أمر محمد بن عبد الله وقتل وأمن الناس والبلاد دخل عبيد الله بن عمر المدينة فلم يزل بها إلى أن توفي بها سنة سبع وأربعين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان ثقة كثير الحديث حجة ).
ولزوم البيوت حكم زائد على ما ذكرته في تجنب الفتنة وترك التحرك فيها، لأن المرء قد يتحرك في الفتن من غير لزومه بيته، فيكون لزوم البيت أبلغ في النجاة، وهذا الذي نوَّه به الحديث الذي رواه مسلم (2887) عن عثمان الشَّحَّام قال: انطلقت أنا وفرقد السَّبَخي إلى مسلم ابن أبي بكرة وهو في أرضه، فدخلنا عليه فقلنا: هل سمعت أباك يحدث في الفتن حديثا؟ قال: نعم، سمعت أبا بكرة يحدث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله ! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدُقُّ على حدِّه بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟! اللهم هل بلغت؟! اللهم هل بلغت؟ٍ! قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإصثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار )، وتأمل هذا الحديث التفصيل والتأكيد من النبي صلى الله عليه وسلم الدَّلَّين على تمام نصحه لأمته وتبليغه البلاغ المبين ومع ذلك فقد كان أكثر الناس عنه ناكبين، وإلى الفتن متسارعين، والأمر لله!
10.ترك بيع السلاح: من محاسن شريعتنا أنَّ الله إذا حرم شيئا سدَّ الذرائع المؤدية إليه، ومن ذلك النهي عن بيع السلاح في الفتنة لما في إباحته من تقوية أهل الفتن على إراقة الدماء، انظر "إعلام الموقعين" لابن القيم (3/158)، وقد نهى الله عن التعاون عن الإثم والعدوان، فقال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب }(المائذة:2)، والاستدلال بهذه الآية في هذا الموضع سلكه جمع من أهل العلم، كما في "منار السبيل" لابن ضويان (1/291) و"الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (3/144)، وقد مر قريبا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتكسير السلاح أيام الفتنة، فإذا كان هذا أمره صلى الله عليه وسلم لمن كان معه سلاحه، فكيف بمن يروِّج السلاح لبيعه؟ ! ولذلك أدرج كثير من أهل العلم هذه المسألة تحت أبواب الفتن، قال البخاري – رحمه الله – في "صحيحه" (4/323- الفتح): ( باببيع السلاح في الفتنة وغيرها، وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة )، وقال البيهقي (5/327): ( باب كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر والسيفِ ممن يعصيا لهن عزوجل به ) ووصل أثر عمران – رضي الله عنه -، وذكر ابن تيمية في "منهاج السنة" (4/448) أن عمران – رضي الله عنه – قاله في القتال الذي كان بين علي ومعاوية – رضي الله عنهما -.
وروى ابن أبي شيبة (6/508) بإسناد صحيح عن الحسن البصري وابن سيرين (أنهما كرها بيع السلاح في الفتنة).
ولذلك فإنني أنصح كل مسلم يخاف الله أن يتقي ربه في هذه الأمة أيام الفتن خاصة، فلا يروج فيها السلاح الذي لا يزيدها إلا فتنة واضطرابا، ولا يتستَّر على أهله ولا على من توهم أن اتخاذ الأمة غرضا لتفجيراته العمياء جهاد في سبيل الله.
كما أنصح ذوي اليسار بقبض أيديهم إلا حيث يتيقَّنون أن أموالهم تذهب إلى بابها المستحق، وإلا فإن رصاصة واحدة تشترى بأموالكم كفيلة بأن توبق عليكم دنياكم وأخراكم إن وضعت في غير محلها، قال تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما }(النساء:93).
واحذروا فليس كل جمعية خيرية صادقة في ادعائها الخير! فكم من مدرية جُمعت لها أموال ثم حوِّلت إلى أوكار مشبوهة! وكم من تبرعات استهدفت فِلسطين فحوَّلتها أيد غير أمينة على غير هدف مشين! وكم من دينار أُوقف في سبيل الله فأنفقه ذوو الخيانة في نشر الأفكار المنحرفة، فاحذروا أن تكونوا كمن قال الله فيهم: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون }(الأنفال:36)؟!
فبأموالكم – يا أهل الخير!- أُزهقت أرواحٌ بريئة من المسلمين في قتال فتنة سمي زورا جهاداً!
وبأموالكم تفرق المسلمون إلى أحزاب سياسية متناحرة.
وبأموالكم صُدَّ خلق كثير عن سبيل الله، أزهقوا بها أرواحا معصومة ممن أوتوا الكتاب وغيرهم من المعاهدين والمستأمنين.
وبأموالكم عزِّز صرح النفاق والتَّقيَّة، من قوم في تلونهم كالباطنية، يكفرون أمراءهم، وعند الحاجة يتكففون أموالهم، فإذا قضيت حاجاتهم بعد طول التباكي والتخشع، وكثرة الإقسام والتصنع، جاءوا إلى الضلالات يركضون، وعن السنة يصدون، وشيدوا بها أفكارا سامة، ونشروا بها كتبا هدامة، قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله }(التوبة:34).
فقبل أن تتبرعوا بخيراتكم اسألوا ذوي الأمانة واليقظة من أهل العلم عن موضع أموالكم، واسألوهم عن كل ما يدَّعى أنه جهاد: هل هو جهاد أم إفساد؟ ولا تغتروا بكل مدَّع الغيرة على الإسلام، فإن الغيرة وحدها لا تكفي ما لم يشفع لها اتباع سيد الأنام، وفي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة، مع العلم بأن غالب الجهاد الشرعي اليوم بل أحسنه هو الجهاد العلمي المتمثل في فتح المعاهد ودور القرآن ونشر الكتب والمسموعات النافعة والترجمات الموثوقة حتى يدخل الإسلام كل بيت، وأما جهاد السيف اليوم فإن ضعف المسلمين الدِّينيَّ والعسكريَّ لا يرشِّحهم له حتى يأتي أمر الله، نسأل الله أن يردهم إلى دينهم ردا جميلا وأن ينصر بهم دينه نصرا مؤزرا.
يتبع إن شاء الله