شكر الله جميع الإخوة المشاركين بمثل هذه التعليقات المفيدة والمثرية للبحث ، وقبل أن أذكر خلاصة البحث مع الترجيح وإيراد تنبيه مهم في هذه المسألة ، أقول :
لا شك أن الأمانة العلمية تقتضي نقل كلام الطرفين ، لكن لما سبقني بالنقل عن الطرف الآخر : أخونا مهدي ـ وفقه الله ـ ، فلا حاجة إذن لإعادة سرد هاتيكم النقول .
وأما عن الإمام ابن قتيبة فهو ليس من المصححين لحديث اللفظ الصريح لهذا لم أذكره مع من صحح الحديث ، ولكن أهل العلم يدرجون كلامه مع من يقول بإثبات الصورة : ليس من حديث أبي هريرة (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ) وإنما من هذا الحديث نفسه بخلاف الإمام ابن خزيمة فإنّه يثبت الصورة لكن ليس من هذا الحديث، وإن كان قد نقل بعض الاحتمالات الأخرى فمثله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث نقلت كلامه من شرح الواسطية ذكر فيه احتمالا آخر ، لكن مع هذا هو رحمه الله يطمئن لما قرره جمهور السلف .
نقل الإمام الذهبي وغيره ـ ممن سبقه أو تأخر عنه ـ أن ابن خزيمة رحمه الله يتأول حديث الصورة، ولا شك أنهم يعنون بذلك الحديث المتفق عليه :" على صورته " وليس الحديث الذي ضعّفه هو " على صورة الرحمن "
المبحث الرابع : الترجيح وخلاصة البحث
خلاصة القول : أنه بعد إمعان النظر في النصوص الواردة في المسألة وبعد الاطلاع على كلام أهل العلم المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين، وسواء قلنا بصحة الحديث الوارد بلفظه الصريح أو حكمنا بضعفه فالذي يظهر جليا أن قول جمهور السلف هو الصواب بل قد حكى شيخ الإسلام الإجماع على ذلك ( أي على أن الضمير يرجع إلى الله مع تنزيه الذات العلية عن مماثلة المخلوقين ) ، فللّه صورة كما له يد وعين وساق ، لكن لا تماثل صور المخلوقين ولا أيديهم ولا أعينهم ولا أرجلهم ، فجعل الله لآدم صفات السمع والبصر والوجه والكلام وغيرها ، ولله صفات تليق به سبحانه لكن لا تماثل الصفات الصفات كما لا تماثل الصورة الصورة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تلبيس الجهمية 6/530 :" بل من المعلوم أنّ الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السماوات والقمر في صورة ماء أومرآة في غاية الصغر، ويقال : هذه صورتها مع العلم بأنّ حقيقة السماوات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر... " .
وهذه إحالات مفيدة لمن أراد التوسع أكثر :
* انظر كلا من :
- رسالة الشيخ علي الشبل والتي قرظها كبار العلماء ، تحت عنوان : التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري ( ص 38 )
- الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي للدكتور جمال بن أحمد بشير بادي بإشراف الشيخ الدكتور صالح السحيمي ، طبعت بدار الوطن ، 1/289
- حديث الصورة رواية ودراية للدكتور بندر بن نافع العبدلي ، وهو بحث منشور في بعض المجلات خلص فيه إلى تضعيف الحديث بلفظ :" على صورة الرحمن " ، وأن المحفوظ "على صورته " ، لكن رجّح قول جمهور السلف في أن الضمير يعود إلى الله .
- أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة للدكتور سليمان بن محمد الدبيخي ( وهي رسالة دكتوراه أشرف عليها الشيخ الدكتور عبد الرزاق العباد ـ حفظه الله ـ ) ، رجّح فيه أيضا قول جمهور السلف في أن الضمير يعود إلى الله .
تنبيه مهم : يُنسب للإمام مالك ـ رحمه الله ـ إنكاره التحديث بحديث الصورة ( انظر : الضعفاء للعقيلي 2/647 ـ طبعة حمدي السلفي، الجامع لابن أبي زيد ص 156 والسير 5/449 وميزان الاعتدال كلاهما للذهبي 2 /419 ) ، ففإجابة على ذلك يقال :
1/ الرواية المنسوبة للإمام مالك مطعون في سندها ، ونص الرواية ( كما جاءت عند العقيلي ) : عن عبد الرحمن بن القاسم قال : سألت مالكا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا : إن الله خلق آدم على صورته ، فأنكر ذلك مالك إنكارا شديدا ، ونهى أن يتحدث به أحد ، فقيل له : إن ناسا من أهل العلم يتحدثون به ؟ فقال : من هم ، فقيل : محمد بن عجلان ، عن أبي الزناد ، فقال : لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ، ولم يكن عالما ، وذكر أبو الزناد فقال : إنه لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات ، وكان صاحب عمال يتبعهم .
قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة 3/320 ( تحت الحديث رقم 1176 ) ـ وهو يتعقب الشيخ حماد الأنصاري ـ :" نسب إلى الإمام مالك رحمه الله أنه أنكر الحديث أيضا قبل ابن خزيمة وهذا مما يجوز نسبته للإمام لأمرين ..." ثم ذكر ـ رحمه الله ـ أن الراوي مقدام بن داود متكلّم فيه ( ثم نقل كلام الأئمة فيه ) ، وأنّ الرواية المذكورة فيها إنكار مالك للحديث المتفق عليه ( على صورته ) .
2/ حتى لو صحّت الرواية عن الإمام مالك رحمه الله ، يجاب عنها بما يلي :
* أنّه أنكر الرواية المتفق عليها ( كما أشار إلى ذلك الألباني رحمه الله ) وهذا ـ حتى على القول برجوع الضمير إلى آدم ـ وهم وغلط بيّن ، ولهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله :" الخبر لم ينفرد به ابن عجلان بل ولا أبو الزناد ... فهذا الصحيح مخرج في كتابي البخاري ومسلم فنؤمن به ونفوّض ونسلّم ولا نخوض فيما لا يعنينا مع علمنا بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير "
* أنّه أنكرها سدّا للذريعة ، حتى لا يتوهمنّ متوهم فيعتقد التمثيل، ولهذا نهى الإمام مالك نفسه عن الحديث باهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ ( كما في الجامع ص 157 ) ، خشية الوهم واللبس عند من لم يتبحر في هذا العلم كما هو شأن عوام الناس وصغار الطلبة .
وفي هذا يقول الشيخ حماد الأنصاري ـ رحمه الله ـ (كما في ص 169 من رسالته ) :" أولا : لعدم بلوغ الرواية الصحيحة إليه ، وثانيا : على فرض بلوغها إليه أنه أنكره سدّا للذريعة ..."
ويقول العلامة حمود التويجري رحمه الله ( كما في ص 10 من رسالته ) :" ونهيه عن التحديث به فعلى تقدير ثبوت ذلك عنه فهو محمول على ما قيل عنه أنه كان يكره التحديث بأحاديث الصفات ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الباب التاسع والأربعين من كتاب العلم من فتح الباري . وأيضا فلعلّ مالكا رحمه الله تعالى كان يخشى أن يكون في التحديث بحديث الصورة فتنة لبعض الناس فيشبّهون الله بخلقه أو يتأولون الحديث بما يوافق أقوال الجهمية وذلك من التحريف لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم والإلحاد فيه ، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال :" ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " ، ومن أعظم الفتن صرف النصوص الواردة في الصفات عن ظاهرها وحملها على ما يوافق أقوال المعطّلة "
وقد وجدت كلام الحافظ ابن حجر ( الذي أشار إليها الشيخ التويجري ) في الفتح 1/297 ( كتاب العلم باب من خصّ العلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا ) :" وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ، ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في الغرائب ... وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوّي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب " اهـ
فالإمام مالك رحمه الله ـ إن صحّ عنه القول ـ لم يقرر بدعا من القول حينما ذهب إلى سدّ الذريعة، فها هو ذا أبو يوسف وأحمد وغيرهما ممن كان يخشى في بعض الأحايين التحديث بشيء من العلم حتى لا يُتخذ ذريعة لأمر منكر من باب : كلمة حق أريد بها باطل .
والله تعالى أعلم ، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحبّ ويرضى ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلّم .
التعديل الأخير تم بواسطة هشام بن حسن ; 11 Mar 2011 الساعة 04:22 PM
|