
22 Feb 2011, 11:20 AM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 81
|
|
إضافة وإفاضة
اعلم أن الخلوة غير مقصودة لنفسها ,وإنما هي وسيلة إلى ترك المآثم ةالمهالك وتزكية النفس بالفضائل وتطهيرها من الرذائل ,وأنت وإن خلوت من الناس ,فما خلوت من النفس ,وإن خولت من شياطين الإنس,فما خلوت من شياطين الجن,فلا تحسب أنه قد حصل لك المقصود بمجرد الخلوة ,ولا بلغت المراد ,بل أنت مثل من سار أكثر الطريق إلى حبيبه الذي في لقائه قرّة عينه وبلوغ آماله ,وفي الغيبة عنه عذاب قلبه وقالبه وجميع آلامه ومكارهه.
ولقد أجاد من قال:
وأعظم ما يكون الشوق**** يوما إذا دنت الدّيار من الدّيار
فمن قطع أكثر المسافة وأعظمها وأعسرها ,حتى إذا قرب من لقاء الحبيب ,ترك بقية السير إليه ,وتعرض للقواطع عنه ,فما صدق في صحبته ومحبة لقائه أبدا.
فكذلك المختلي إذا حصلت له الخلوة بألطاف الله الخفية ,وصرف عنه الدنيا طوعا وكرها وكفاه المؤن بالزهد والفضول ,وقوذى له طبيعة القناعة التي هي الملك الأكبر والغنى الحقيقي ,كما قال القائل:
ملك القناعة لا تخشى عليه****ولا تحتاج فيه إلى الأنصار والخول
غنيت عن الدنيا بترك فضولها ****وإنّ الا عن الشيء لا به
وقال آخر:
ما كل فوق البسيطة كافيا ****فإذا قنعت فبعض الشيء كاف
وقال آخر:
راعك الزهد إنما الزهد**** رفض لفضول تلهي وكد وجهد
وقال آخر:
لم تكن تمنع الزهادة رزقا**** بل يجيئك المقسوم من غير بدّ
فمتى عرف مقدار ما أنعم الله عليه من نعمتي الإسلام والعافية,وما صرف عنه من الشواغل إلى الآخرة,وشربت عروق قلبه الرضا بتدبير الله ,وذاق حلاوة التوكل على الله والتفويض إليه والثقة به ,فإنه حينئذ أنشط الناس إلى لقاء الله عزوجل على أحسن الأحوال إلى الله تعالى ,وأحذرهم من لقاء الله تعالى على الحال التي يكرهها الله تعالى منه.
فإذا حصلت لك الخلوة بلطف الله,فشمّر في العمل على موافقة الكتاب والسنة ,وطالع كتب الصالحين بعدهما ,وقدّم الكتب الصحيحة على غيرها ,وأحسن ما يطالع في ذلك كتاب رياض الصالحين للنووي فإنّه اقتصر على كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ,ولم يمزجه بشيء من البدع والمذاهب.
واعلم أنّ صلاح القلب هو الأصل ,فابتدئ بتطهيره من الحسد والغل ,والعجب وطول الأمل والعجز والكسل وغلبة الهوى,وحب اطّلاع الناس على عملك بكتمك له ما أمكنك ,وعاهد قلبك وأعمالك معاهدة الطبيب الماهر الذي يداويه والزارع لأرضه وما زرع فيها.
وأنت في ابتداء ذلك وانتهائه مستعين بالله ,مستغيث به ,متضرع إليه,ملتجئ,معترف بالضعف ,متبرّ من الحول والقوة إلا بالله ,كالساقط في البحر ليس معه سبب ولا هو يحسن العيامة ,تدعو إلى الله تعالى على الدوام دعاء الغريق وترجو الفرج بنظرة رحمة توصلك إلى لقائه هو عنك راض.
والحمد لله أولا وآخرا أحب الحمد إليه ,وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
منقول من كتاب :"العزلة والأنفراد"ل:أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادي(ت281ه)ص:21,...
التعديل الأخير تم بواسطة ام عبد الله الجزائرية ; 25 Feb 2011 الساعة 11:37 AM
|