عرض مشاركة واحدة
  #28  
قديم 07 Dec 2010, 04:37 PM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاكم الله خيرا.

تابع للباب السابق (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره)

وقوله: "وَمَن أَضَلُّ مِمَّن يَدعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَ يَستَجِيبُ لَهُ إِلىَ يَومِ القِيَامَةِ" الآية [الأحقاف: 5]
قوله تعالى: "وَمَن أَضَلُّ": الاستفهام يراد به هنا النفي، أي لا أحد أضل؛ فيكون أبلغ لأنَّ فيه معنى التحدي، أي: بيِّن لي أحدًا أضلُّ ممَّن يدعو من دون الله.
والضَّلال: أن يتِيه الإنسان عن الطَّريق الصَّحيح.
قوله: "مِمَّن يَدعُو": دعاءَ مسألةٍ، أو دعاءَ عبادَةٍ.
قوله: "مَن لاَ يَستَجِيبُ لَهُ إِلىَ يَومِ القِيَامَةِ": أي؛ لو بقِي كلَّ عمر الدُّنيا يدعو ما استجاب له، قال الله تعالى: "إِن تَدعُوهُم لاَ يَسمَعُوا دُعَاءَكُم وَلَو سَمِعُوا مَا استَجَابُوا لَكُم وَيَومَ القِيَامَةِ يَكفُرُونَ بِشِركِكِم وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبِيرٍ" [فاطر: 14]، يعني: نفسَه سبحانه وتعالى.
قوله: "وَهُم عَن دُعَائِهِم غَافِلُونَ"، الضَّمير في دعائهم يعود إلى المدعوِّين، وهل المعنى: "وَهُم"، أي: الأصنام، "عَن دُعَائِهِم"، أي: دعاء الدَّاعِين إيَّاهُم؛ فيكون من باب إضافة المصدَر إلى مفعوله، أو المعنى: و"هُم" عن دعاء العابِدِين لهم، فيكون "دعاء" مضافًا إلى فاعله، والمفعول محذوف؟
الأوَّل أبلَغ في أنَّ هذه الأصنام لا تُفِيد شيئًا في الدُّنيا ولا في الآخِرة.
قوله: "وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُم أَعدَاءً"، هل المعنى: كان العابِدُون للمعبودِين أعداءً؟ أو كان المعبُودُون للعابِدِين أعداءً؟
الجواب:يشمَل المعنيَين، وهذا من بلاغة القُرآن.
الشَّاهد من الآية: قوله: "مَن لاَ يَستَجِيبُ لَهُ إِلىَ يَومِ القِيَامَةِ"، فإذا كان من سِوى الله لا يستجيب إلى يوم القيامة، فكيف يلِيقُ بك أن تستَغِيث به دونَ الله؟! فبطَل تعلُّق هؤلاء العابِدين بمعبوداتهم.
فالَّذي يأتي للبَدوي أو للدَّسُوقي في مصر، فيقول: المدَد! المدَد! أو: أغِثني، لا يُغنِي عنه شيئًا، ولكن قد يُبتَلَى فيأتِيه المدَد عند حصُول هذا الشَّيء، لا بهذا الشَّيء، وفرقٌ بين ما يأتي بالشَّيء، وما يأتي عند الشَّيء.
مثال ذلك: امرأةٌ دعَت البَدوي أن تحمِل، فلمَّا جامَعها زوجُها حمَلت، وكانت سابِقًا لا تحمِل، فنقول هنا: إنَّ الحَمل لم يحصُل بدُعاء البَدوي، وإنَّما حصَل عندَه؛ لقوله تعالى: "مَن لاَ يَستَجِيبُ لَهُ إِلىَ يَومِ القِيَامَةِ".

وقوله: "أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ" [النمل: 62]
قوله تعالى: "المُضطَرَّ"، أصلها: المُضتَرُّ، أي: الَّذي أصابه الضَّرر، قال تعالى: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ" [الأنبياء: 84]، فلا يجيب المضطَرَّ إلاَّ اللهُ، لكن قيَّده بقوله: "إِذَا دَعَاهُ"، أمَّا إذا لم يَدعُه، فقد يكشِفُ الله ضرَّه، وقد لا يكشِفه.
قوله: "وَيَكشِفُ السُّوءَ"، أي: يُزِيل السُّوء، وهو ما يسُوء المرء، وهو دون الضَّرورة؛ لأنَّ الإنسان قد يُساء بما لا يضُرُّه، لكن (كلُّ ضرورَةٍ سُوءٌ).
وهل كشف السُّوء متعلِّقٌ بإجابة المُضطَرِّ؟ أو أنَّه أمرٌ آخَر غير متعلِّقٍ به؟
الجواب: المعنى الأخير أعمُّ؛ لأنَّها تشمل كشفَ سوء المضطَرِّ وغيره، ومن دعا الله ومَن لم يدعُه، وعلى التَّقدير الأوَّل تكون خاصَّة بكشف سوء المضطَرِّ، ومعلوم أنَّه (كلَّما كان المعنى أعمَّ كان أَولى)، ويؤيِّد العُموم قوله: "وَيَجعَلُكُم خُلَفَاءَ الأَرضِ".
قوله: "وَيَجعَلُكُم خُلَفَاءَ الأَرضِ"، الَّذِين يجعلهم اللهُ خُلَفاء الأرض هم عباد الله الصَّالحون، قال تعالى: "وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" [الأنبياء: 105]، وقال تعالى: "وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدُونَنِي لاَ يُشرِكُونَ بِي شَيئًا" [النور: 55].
قوله: "أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ"، الاستِفهام للإنكار، أو بمعنى النَّفي، وهما متقارِبان، أي: هل أحَدٌ مع الله يفعَل ذلِك؟!
الجواب:لا، وإذا كان ذلِك؛ فيجِب أن تُصرَف العبادة لله وحده، وأن يسأل العبدُ ربَّهُ تعالى، ولا يطلُب من أحد أن يُزِيل ضرورَتَه ويكشِف سوءَه وهو لا يستَطِيع.
إِشكَالٌ وجوابُه:
وهو أنَّ الإنسان المضطَرَّ يسأَل غيرَ الله ويُستجاب له، كمَن اضطُرَّ إلى طعامٍ وطلَب مِن صاحِب الطَّعام أن يُعطِيَه فأعطاه، فهل يجُوز أم لا؟
الجواب:أنَّ هذا جائِزٌ؛ لكن يجِب أن نعتَقِد أنَّ هذا مجرَّدُ سبَبٍ لا أنَّه مستَقِلٌّ، فالله يجعَل لكلِّ شيءٍ سببًا، فيُمكِن أن يصرِف الله قلبَه فلا يُعطِيك، ويمكِن أن تأكُل ولا تشبَع فلا تزول ضرورَتُك، ويمكن أن يُسخِّره اللهُ ويعطِيك.

روى الطَّبراني بإسنادِه: أنَّه كان في زمَن النَّبِيِّ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ منافِقٌ يُؤذِي المُؤمِنِينَ، فقالَ بعضُهم: قُومُوا بنَا نستَغِيثُ برَسُولِ اللهِ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ مِن هذا المُنافِق.
فقَالَ النَّبِيُّ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ: "إِنَّهُ لاَ يُستَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُستَغَاثُ بِاللهِ".

قوله: "بإسناده"، يشِير إلى أنَّ هذا الإسناد ليس على شرط الصَّحيح، أو المتَّفق عليه بين النَّاس، بل هو إسنادُه الخاصِّ، وعليه، فيجب أن يراجع هذا الإسناد.
وذكَر الهيثمي في "مجمع الزوائد": "إنَّ رجالَه رجالُ الصَّحيح، غير ابن لهِيعَة، وهو حسن الحدِيث، وابن لهيعة خلَط في آخر عمُرِه لاحتِراق كتبه"، ولم يذكر المؤلِّف الصَّحابي، وفي الشَّرح ["تيسير العزيز الحميد" (1/512)] هو عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.
قوله: "فيِ زمَنِ النَّبِيِّ"، أي: عهده، وكان الكافِر أوَّلاً يُعلِن كفرَه ولا يُبالِي، ولما قوِيَ المسلِمون بعد غزوَة بدرٍ خافَ الكُفَّار، فصاروا يُظهِرون الإسلام ويُبطِنون الكفر.
قوله: "مُنافِقٌ"، المنافِق: هو الَّذي يُظهِر الإسلام ويُبطِن الكفر.
ولم يُسَمَّ المنافق في هذا الحديث؛ فيحتَمِل أنَّه عبدُ الله بن أُبَيٍّ؛ لأنَّه مشهورٌ بإِيذاء المسلمِين، ويحتمل غيرَه.
واعلم أنَّ أذِيَّة المنافقين للمسلمين ليست بالضَّرب أو القَتل؛ لأنَّهم يتظاهَرُون بمحبَّة المسلِمين، ولكن بالقَول والتَّعريض كما صنَعوا في قصَّة الإِفك.
قوله: "فقَالَ بعضُهُم"، أي: الصَّحابة.
قوله: "نستغِيث"، أي: نطلب الغَوث وهو إزالة الشِّدَّة.
قوله: "مِن هذا المنافِق"، إمَّا بزَجره، أو تعزِيره، أو بما يناسِب المقام.
قوله: "إنَّه لا يُستَغاثُ بِي"، ظاهر هذه الجملة النَّفي مطلَقًا، ويحتمل أنَّ المراد: لا يُستَغاث به في هذِه القضِيَّة المعيَّنة.
فعلى الأوَّل: يكون نفي الاستِغاثة من باب سدِّ الذَّرائع والتأدُّب في اللَّفظ، وليس من باب الحكم بالعُموم؛ لأنَّ نفي الاستِغاثة بالرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدِر عليه.
أمَّا إذا قُلنا: إنَّ النَّفي عائِدٌ إلى القضِيَّة المعيَّنة الَّتي استغاثُوا بالنَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها؛ فإنَّه يكون على الحقيقة، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضِيَّة؛ لأنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يُعامِل المنافِقين معامَلة المسلِمين، ولا يُمكِنه حسب الحُكم الظَّاهر للمنافِقين أن ينتَقِم من هذا المنافِق انتِقامًا ظاهِرًا؛ إذ إنَّ المنافِقين يستَتِرون، وعلى هذا، فلا يُستَغاث للتَّخلُّص من المنافِق إلاَّ بالله.


نقله ـ مختصرا ـ أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.

رد مع اقتباس