باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
قوله: "من الشرك أن يستغيث": الاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.
وكلام المؤلف ـ رحمه الله ـ ليس على إطلاقه؛ بل يقيَّد بـ"ما لا يقدر عليه المستغاث به"، إما لكونه ميتًا، أو غائبًا، أو يكون الشَّيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، فلو استغاث بميت ليدافع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر فهذا كله من الشرك، ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزًا، قال الله تعالى: "فَاستَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ" [القصص: 15].
[تنبيه لكل نبيه]:
وإذا طلبتَ من أحد الغَوث وهو قادر عليه؛ فإنَّه يجب عليك ـ تصحيحًا لتوحيدك ـ أن تعتقِد أنَّه مجرَّد سبَبٍ، وأنَّه لا تأثير له بذاتِه في إزالة الشِّدة؛ لأنَّك ربَّما تعتمد عليه وتنسى خالِق السَّبب، وهذا قادِحٌ في كمال التَّوحيد.
قوله: "أو يدعو غيره": أي من الشرك أن يدعو غير الله؛ وذلك لأنَّ الدُّعاء من العبادة، قال الله تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُم ادعُونِي أَستَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: 60]، فسمَّى اللهُ الدُّعاءَ عبادةً.
وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ".
والدعاء ينقسم إلى قسمين:
1- ما يقع عبادةً؛ وهذا صرفه لغير الله شرك، وهو المقرون بالرَّهبة والرَّغبة، والحبِّ، والتضرُّع.
2- ما لا يقع عبادةً؛ فهذا لا يجوز أن يُوجَّه إلى المخلوق، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "مَن دَعَاكُم فَأَجِيبُوهُ"، وقال: "إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبهُ"، وعلى هذا، فمراد المؤلِّف ـ رحمه الله ـ بقوله "أو يدعو غيره" دعاء العبادة، أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابَتُه.
وقول الله تعالى: "وَلاَ تَدعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ" [يونس: 106]
سياق الآية: إمَّا خاصٌّ بالرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والحكم له ولغيره، وإمَّا عامٌّ لكلِّ مَن يصِحُّ خطابُه ويدخُل فيه الرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وكونه يوجه إليه مثل هذا الخطاب لا يقتضي أن يكون ممكنًا منه، ولا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله، لا باعتبار كونه إنسانًا وبشرًا.
إذاً، فالحكمة من النهي أن يكون غيره متأسِّيًا به؛ فإذا كان النَّهي موجَّهًا إلى من لا يمكن منه باعتبار حالِه، فهو إلى من يُمكِن منه من باب أولى.
وقوله: "وَلاَ تَدعُ مِن دُونِ اللهِ"، الدُّعاء: طلب ما ينفع، وطلب دفع ما يضر، وهو نوعان كما قال أهل العلم:
الأول: دعاء عبادة؛ وهو أن يكون قائمًا بأمر الله، [وطاعته]؛ لأنَّ القائم بذلك يريد الثواب والنجاة من العقاب، ففعله متضمن للدُّعاء بلسان الحال، وقد يصحب فعله هذا دعاء بلسان المقال.
الثاني: دعاء مسألة؛ وهو طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضره.
فالأول لا يجوز صرفه لغير الله، والثاني فيه تفصيل سبق.
قوله: "مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ"، أي: ما لا يجلب لك النفع لو عبدته، ولا يدفع عنك الضر، ولو تركت عبادته لا يضرك؛ لأنه لا يستطيع الانتقام، وهو الظاهر من اللفظ.
وهذا الوصف هو لبيان الواقع؛ لأن المدعو من دون الله لا يحصل منه نفع ولا ضرر، قال الله تعالى: "وَمَن أَضَلُّ مِمَّن يَدعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَ يَستَجِيبُ لَهُ إِلىَ يَومِ القِيَامَةِ وَهُم عَن دُعَائِهِم غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُم أَعدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِم كَافِرِينَ" [الأحقاف: 5 ، 6].
وهذا الوصف يسمى "صفة كاشفة".
قوله: "فَإِن فَعَلتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ"، أي: إن دعَوتَ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرُّك؛ فإنَّك حال فعلِك من الظَّالمين، وهو قيدٌ، لكن قد تتوب منه فيزول عنك وصف الظُّلم؛ فالإنسان قبل الفِعل ليس بظالمٍ، وبعد التَّوبة ليس بظالمٍ.
ونوع الظُّلم هنا (ظُلم شِركٍ)؛ قال الله تعالى: "إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ" [لقمان: 13]، وقال الله: "مِنَ الظَّالِمِينَ"، ولم يقل: (من المشركين)؛ لأجل أن يبيِّن أنَّ الشِّرك ظُلمٌ؛ لأنَّ كون الدَّاعي لغير الله مشرِكًا أمرٌ بيِّنٌ، لكنَّ كونَه ظالمًا قد لا يكون بيِّنًا من الآية.
قوله: "وَإِن يَمسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ" الآية [يونس: 107]
قوله: "وَإِن يَمسَسْكَ"، أي: يصيبك بضرٍّ؛ كالمرض، والفقر، ونحوه.
قوله: "فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ": وهذا كقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ".
قوله: "وَإِن يُرِدكَ بِخَيرٍ": هناك فرقٌ معنوي بين "يُرِدك" و"يَمسَسكَ"، وهو أنَّ الأشياء المكرُوهة لا تُنسَب إلى إرادةِ الله، بل تُنسَب إلى فعله، أي: مفعوله.
قوله: "فَلاَ رَادَّ لِفَضلِهِ"، أي: لا يستطيع أن يرُدَّ فضلَ الله أبدًا، ولو اجتمعت الأمَّة على ذلك، وفي الحديث: "اللَّهُمَّ! لاَ مَانِعَ لِمَا أَعطَيتَ، وَلاَ مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ".
وعليه؛ فنعتمد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، وبقاء ما أنعم علينا به، ونعلَم أنَّ الأمة مهما بلغت من المكر والكيد والحيل لتمنَع فضلَ الله، فإنَّها لا تستطيع.
الشَّاهد من الآية: قوله: "وَلاَ تَدعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ"؛ فقَد نبَّه اللهُ نبيَّه أنَّ من يدعو أحدًا مِن دون الله لا ينفَعُه ولا يضرُّه.
وكذلك قوله: "وَإِن يَمسَسكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ".
وقولُه: "فَابتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزقَ" [العنكبوت: 17]
لو أتى المؤلف بأول الآية: "إِنَّ الَّذِينَ تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَملِكُونَ لَكُم رِزقًا" لكان أولى؛ فهم يعبُدون هذِه الأوثان ولا تملِك لهم رزقًا أبدًا، فإذا كانت لا تملِك الرِّزق؛ فالَّذي يملِكه هو الله، ولهذا قال: "فَابتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزقَ"، أي: اطلُبوا عندَ اللهِ الرِّزق؛ لأنَّه سبحانه هو الَّذي لا ينقضِي ما عِنده، "مَا عِندَكُم يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ" [النحل: 96].
وقوله: "عِندَ اللهِ": أي: فابتغُوا الرِّزقَ حالَ كونِه عندَ الله لا عندَ غيرِه، ففيه تقديم الحال على صاحبها، وهو يفيد الحصر.
قوله: "وَاعبُدُوهُ"، تذلَّلوا بالطَّاعة؛ لأنَّكم إذا تذلَّلتم له بالطَّاعة، فهو من أسباب الرِّزق، قال تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لاَ يَحتَسِبُ" [الطلاق: 3، 4]، فأمر أن نطلُب الرِّزق عندَه، ثمَّ أعقَبه بقوله: "وَاعبُدُوهُ" إشارة إلى أن تحقيق العبادة من طلَب الرِّزق؛ لأنَّ العابد ما دام يؤمن أنَّ مَن يتَّقِ الله يجعل له مخرجًا ويرزُقه من حيث لا يحتَسب، فعبادته تتضمَّن طلبَ الرِّزق بلسان الحال.
قوله: "وَاشكُرُوا لَهُ"، (إذا أضاف الله الشُّكر له متعدِّيًا باللام فهو إشارة إلى الإخلاص)، أي: واشكروا نعمة الله لله؛ لأنَّ الشَّاكر قد يشكُر الله لبقاء النِّعم، وهذا لا بأس به، ولكن كونُه يشكُر لله وتأتي إرادةُ بقاءِ النِّعمة تبَعًا هذَا هو الأكمَلُ والأفضَلُ.
والشُّكر فسَّروه بأنَّه: (القِيام بطاعَة المُنعِم)، وقالوا: إنَّه يكون في ثلاثة مواضِع:
1- في القَلب؛ وهو أن يعترِف بقلبه أنَّ هذِه النِّعمة من الله، فيرى لله فضلاً عليه بها، قال تعالى: "وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللهِ" [النحل: 53]، وأعظمها نِعمة الإسلام.
2- في اللِّسان؛ وهو أن يتحدَّث بها على وجه الثَّناء على الله والاعتِراف وعدم الجُحود، لا على سبيل الفَخر والخُيَلاء والترفُّع على عباد الله، فيتحدَّث بالغِنى لا ليكسِرَ خاطِر الفقير، بل لأجل الثَّناء على الله، وهذا جائِزٌ كما في قصَّة الأعمى من بني إسرائيل لما ذكَّرهم الملِك بنعمة الله، قال: "نعم، كنتُ أعمَى فرَدَّ اللهُ عليَّ بصَرِي، وكنت فقيرًا فأعطاني اللهُ المالَ"، فهذا من باب التحدُّث بنِعمة الله.
وقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ متحدِّثًا بالنعمة: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ" .
3- في الجوارح؛ وهو أن يستعمِلها بطاعة المنعِم، وعلى حسب ما يختصُّ بهذِه النِّعمة.
فمثلاً: شكر الله على نعمة العِلم: أن تعمل به، وتعلِّمه النَّاس.
وشكر الله على نِعمة المال: أن تصرِفه بطاعة الله، وتنفَع النَّاس به.
وشكر الله على نعمة الطَّعام: أن تستَعمِله في تغذِية البَدن؛ فلا تبني مِن العجِين قصرًا مثلاً، فهو لم يخلق لهذا الشَّيء.
قوله: "إِلَيهِ تُرجَعُونَ"، أي: أنَّ رجوعَنا إلى الله ـ سبحانه ـ، وهو الَّذي سيُحاسبنا على ما حملنا إيَّاه مِن الأمر بالعِبادة، والأمر بالشُّكر، وطلَب الرِّزق منه.
والشَّاهد من هذه الآية: قوله: "إِنَّ الَّذِينَ تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَملِكُونَ لَكُم رِزقًا فَابتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزقَ" [العنكبوت: 17]، فالفقير يستغيث بالله لكي يُنجيه من الفقر، والله هو الَّذي يستحِقُّ الشُّكر، وإذا كانَت هذه الأصنام لا تملِك الرِّزق، فكيف تستغِيثُ بها؟!
يتبع إن شاء الله.
نقله ـ مختصرا ـ أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
التعديل الأخير تم بواسطة حسن بوقليل ; 29 Nov 2010 الساعة 11:07 AM
|