عرض مشاركة واحدة
  #22  
قديم 20 Nov 2010, 12:44 PM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي بابٌ من الِّشرك الاستِعاذة بغير الله

بابٌ من الِّشرك الاستِعاذة بغير الله

قوله: "مِن الشِّرك": هذه التَّرجمة ليست على إطلاقها؛ لأنَّه إذا استَعاذ بشخصٍ ممَّا يقدِر عليه فإنَّه جائِزٌ.


وقول الله تعالى: "وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ فَزَادُوهُم رَهَقًا" [الجن: 6].

قوله تعالى: "يَعُوذُون بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ"، يقال: عاذَ بِه، ولاذَ بِه، فالعِياذُ ممَّا يُخاف، واللِّياذ فيمَا يُؤمَّل. أي: [أنَّ هؤلاء الإنس] يلتجِئُون إلى [الجِنِّ] ممَّا يحاذِرونَه؛ يظنُّون أنَّهم يُعِيذونهم، وكان العرب في الجاهِليَّة إذا نزَلوا في وادٍ نادَوا بأعلى أصواتهم: "أعوذُ بسيِّد هذا الوادي من سُفهاء قومِه".
ولا زال هذا الجهل في قومنا على صور؛ منها:
ـ قولهم: "مْسَلْمِينْ مْكَتْفِينْ"، أي يُسلِمون أنفسَهم، ويخضعونها للجن، ومنهم من يذبح للجن (عسَّاس الدَّار) استعاذة به من الأذى.
قوله: "فَزَادُوهُم رَهَقًا"، أي: ذُعرًا وخوفًا، بل الرَّهق أشدُّ من مجرَّد الذُّعر والخَوف، فكأنَّهم مع ذُعرهم وخَوفهم أرهقَهم وأضعَفهم شيءٌ، فالذُّعر والخَوف في القلوب، والرَّهَق في الأبدان.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الاستعاذة بالجنِّ حرامٌ؛ لأنَّها لا تفيد المستَعِيذ، بل تزيدُه رهقًا، فعُوقِب بنقيضِ قصدِه، وهذا ظاهِرٌ، فتكون الواو ضميرَ الجنِّ، والهاء ضمير الإنس.
وقيل: إنَّ الإنس زادُوا الجِنَّ رهقًا، أي: استِكبارًا وعتُوًّا، ولكنَّ الصَّحيح الأوَّل.

وجه الاستِشهاد بالآية: ذمُّ المستَعِيذين بغير الله، والمستَعِيذ بالشَّيء لا شكَّ أنَّه قد علَّق رجاءَه به، واعتمد عليه، وهذا نوعٌ مِن الشِّرك.

وعَن خَولَةَ بنتِ حكِيمٍ قالَت: سمِعتُ رسولَ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يقول:
"مَن نَزَلَ مَنزِلاً، فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ، لَم يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرحَلَ مِن مَنزِلِهِ ذَلِكَ" رواه مسلم.


وقوله: "مَن نَزَلَ مَنزِلاًً" يشمل من نزَلهُ على سبيل الإقامة الدَّائمة، أو الطَّارئة.
وقوله: "أَعُوذُ" بمعنى: ألتَجِئُ وأعتَصِم.
قوله: "كَلِماتِ اللهِ": المراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونِيَّة والشَّرعية.
قوله: "التَّامَّاتِ"، تمام الكلام بأمرَين:
1-الصِّدق في الأخبار.
2-العَدل في الأحكام.
قال الله تعالى: "وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً" [الأنعام: 115].
قوله: "مِن شَرِّ مَا خَلَقَ"، أي: من شرِّ الَّذي خلق؛ لأنَّ الله خلَق كلَّ شيءٍ: الخير والشَّر، ولكن الشَّر لا يُنسَب إليه؛ لأنَّه خلقه لحكمةٍ، فعاد بهذه الحكمة خيرًا.
فليس كلُّ ما خلَق الله فيه شرٌّ، لكن تستعِيذُ من شرِّه إن كان فيه شرٌّ؛ لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
1-شرٌّ محضٌ؛ كالنَّار وإبليس باعتِبار ذاتَيهما، أمَّا باعتِبار الحكمة الَّتي خلقهما الله من أجلها، فهي خيرٌ.
2-خيرٌ محضٌ؛ كالجنَّة، والرُّسل، والملائكة.
3-فيه شرٌّ وخيرٌ؛ كالإنس، والجنِّ، والحَيوان.
قوله: "لَم يَضُرَّهُ شَيءٌ": نكرة في سياق النَّفي؛ فتفيد العموم من شرِّ كل ذي شرٍّ من الجنِّ والإنس وغيرهم.
قوله: "حَتَّى يَرتَحِلَ مِن مَنزِلِهِ ذَلِكَ": وهذا خبرٌ لا يمكن أن يتخلَّف مخبَره؛ لأنَّه كلام الصَّادق المصدوق، لكن إن تخلَّف؛ فلِوُجود مانعٍ، لا لقُصور السَّبب، أو تخلُّف الخبَر.
قال القرطبي: "وقد جرَّبت ذلك؛ حتَّى إنِّي نسِيتُ ذات يومٍ، فدخلتُ منزِلي ولم أقل ذلك، فلدغتني عقربٌ".

والشَّاهد من الحديث: قوله: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ"؛ والاستعاذة بكلمات الله مشروعة؛ إذ هي صفة من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته؛ فهو غير مخلوق.

نقله ـ مختصرا ـ أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.


التعديل الأخير تم بواسطة حسن بوقليل ; 20 Nov 2010 الساعة 05:22 PM
رد مع اقتباس