
30 Sep 2010, 11:06 PM
|
|
|
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في جلاء الأفهام في بيان تواضعها لربها رضي الله عنها وأرضاها(183):
"ومن خصائصها: أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبرائتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات، ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيراً لها, ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شراً لها, ولا خافضاً من شأنها، بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها، وأعظم شأنها، وصار لها ذكراً بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء, فيا لها من منقبة ما أجلها.
وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها.
فهذه صديقة الأمة، وأم المؤمنين، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون لها، مفترون عليها، قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها، فما ظنك بمن صام يوماً أو يومين أو شهراً وشهرين، وقام ليلة أو ليلتين، وظهر عليه شيء من الأحوال، ولاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجابة الدعوات، وأنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب على الناس احترامهم، وتعظيمهم وتعزيرهم، وتوقيرهم, فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم من الله بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ ممن أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وأن الإساءة عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا رضاهم، ولو كان هذا من وراء كفاية لهان، ولكن من وراء تخلف, وهذه الحماقات والرعونات نتائج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم, فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل عن جرمه وذنوبه، مغتر بإمهال الله له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والإزراء على من لعله عند الله خير منه.
نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيما وهو عند الله حقيراً."اهـ كلامه .
|