عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 20 Jul 2010, 10:50 PM
أحمد سالم أحمد سالم غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: الجزائري مقيم في فرنسا
المشاركات: 608
افتراضي

--------------------------------------------------------------------------------

إلى السّادة البرلمانيين في الدّاخل والخارج
نحن منتخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ممثلي أغلبية الشّعب الجزائريّ المجتمعين بالجزائر العاصمة يوم 14/رجب/1412 هـ الموافق 19/1/1992م.
بناءً على أنّ الشّعب هو مصدر كل سلطة، وصاحب السّيادة، طبقاً لما تنصّ عليه المادّتين ( هكذا ): 6،7 من دستور23 ... 1989م، والذي قد عبّر عن اختياره بكل حريّة في جوّ من الهدوء والنّظام في انتخابات 28/ديسمبر/1991، التي أسفرت في دورها الأول عن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بـ(188)مقعداً من مجموع (430) مقعداً، وجبهة القوى الاشتراكيّة بـ(25)مقعداً، وجبهة التّحرير الوطنيّة بـ(16)مقعداً، والأحزاب بـ(3) مقاعد.
وقد نشرت هذه النّتائج بالجريدة الرّسميّة للجمهوريّة، ‎(العدد:1)، الصّادر بتاريخ: 28/جمادى الثانية/1412هـ، الموافق: ليوم 4/1/1992م.
في الوقت الذي كان الشّعب يستعدّ لخوض غمار الدّورالثاني، إذا به يفاجأ بوضعية سياسيّة معقّدة؛ تمثّلت فيما يلي:
1ـ استقالة رئيس الجمهوريّة التي تتعارض مع روح الدّستور.
2ـ الإعلان عن حلّ البرلمان وقت تقديم الاستقالة، علماً بأنّ هذا الإجراء يقتضي دستورياً استشارة رئيس المجلس الشّعبي الوطنيّ، ورئيس الحكومة وفقاً للمادة (12) من الدّستور.
3 ـ قبول المجلس الدستوري للاستقالة فوراً، وتخليه عن تولي منصب رئاسة الدولة بالنّيّابة، وفق ما تقتضيه المادة (84 ) من الدستور.
4 ـ تجاوز المجلس الأعلى للأمن لاختصاصاته الدّستورية كهيئة استشارية.
هذه الوضعية السياسية غير الشرعية أدّت إلى اغتصاب ومصادرة إرادة الشّعب واختياره، وهي سابقة خطيرة في حقّ سيادة الشّعوب والشرعيّة الدستوريّة في الدولة.
بناءً على ذلك؛ فإننا نحن منتخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ ممثلي أغلبية الشعب الجزائريّ، نتوجّه إلى البرلمانيين في الدّاخل والخارج، المؤمنين بإرادة الشّعوب وسيادتها وحريّتها في اختيار ممثّليها وتقرير مصيرها، بما يلي:
1 ـ الوقوف في وجه الاستبداد السياسي أينما وجد، والذي تمارسه الهيئات غير الدستوريّة.
2 ـ عدم الاعتراف بالهيئات التي لا تحظى بتزكية الشّعب واختياره.
3 ـ المساندة من أجل استكمال المسار الانتخابي وإجراء الدّور الثاني للانتخابات التشريعية، حتى يتشكل المجلس الذي سيعين رئيسه الذي سيتولى رئاسة الدولة بالنّيّابة وفقاً لأحكام الدستور، وذلك لمدة 45 يوماً، تنظم خلالها انتخابات رئاسية مما يعيد الشرعية لمؤسسات الدولة واحترام إرادة الشّعب.
هذه صورة البيان السابق
هذا محتوى بيان الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر

اللاّئحة السّياسية لنواب المجلس الشّعبي الوطني
للجبهة الإسلامية للإنقاذ
الفائزين في الدّور الأول
» الجزائر، 14 رجب 1412هـ ـ الموافق: 19 /1/1992م «
قال تعالى: {الذينَ قَالَ لهَمُ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جمعُوا لَكُم فَاخْشَوهُم فَزَادهُمْ إِيماناً وقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيل}.
إزاء التطوّرات الخطيرة التي تشهدها البلاد، وشعوراً منّا بثقل المسئوليّة الملقاة على عاتقنا، وإبراءً للذمّة، ووفاءً للعهد أمام الله ثم أمام التاريخ والأمّة:
فإنّنا نحن نواب الأمّة المنتخبون يوم:2 جمادى الثانية 1412هـ الموافق: 26/12/1991م المجتمعون يوم14رجب1412هـ الموافق: لـ19/1/1992م بالجزائر العاصمة نذكّر بما يلي:
لم تفتأ الأنظمة المتعاقبة على الحكم في البلاد تسير في الاتجّاه المغاير لإرَادة الأمّة وطموحات الشّعب بدءاً بانتهاك دستور 63 وانتهاءً بالتّجاوزات الخطيرة لدستور 89.
وكان من نتائج هذا المسار الخاطيء أن عمّت الفوضى في كافّة المجالات السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة، فجمّدت العقول، وعطّلت الطاقات، وبدّدت الثّروات، وأبعدت الأمّة عن مشروعها الحضاريّ الإسلاميّ، ولمّا لاح بريق الأمل، وظنّت الأمّة أنّها تنفّست الصّعداء من وطأة هذا الكابوس المخيف، إذا بالموازين تنقلب فجأة فتصادر إرادة الشّعب، فيوقف المسار الانتخابي، ويداس الدّستور والقوانين وكافّة القيم الإنسانيّة.
وأمام هذا الوضع فإنّنا نحن نواب الأمّة:
1ـ نحذّر من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنجرّ عن مصادرة اختيار الشّعب والذي عبر عنه بكل حريّة بشهادة الصديق والعدوّ من خلال
اقتراع 26/12/1992م اعتبارا من أنّ السّلطة التأسيسيّة هي ملك
للشّعب وأنّه لاجدوى لتمثيل الأمّة إلا في حدود المشروعيّة الدّستوريّة القانونيّة.
2ـ نحذّر من مساس ( هكذا ) بالحريّات السياسية، حيث إنّنا سجّلنا في هذا تجاوزات وانتهاكات خطيرة تمثّلت في الاعتقالات العشوائيّة غير المبرّرة، والمخالفات المرتكبة ضدّ الحقوق والحريّات الفرديّة والجماعيّة، من مساس بسلامة الأشخاص البدنيّة والمعنويّة التي يضمنها الشرع والأعراف الدّولية بما فيها الدّستور الجزائريّ في مواده: (28) إلى (56).
3ـ نحذّر من تكتّلات مشبوهة غايتها إجهاض المشروع الإسلامي، والمساس باختيار الشّعب وثوابت الأمّة.
4ـ إنّنا نعتبر أنّ المجلس الأعلى للأمن قد تجاوز صلاحياته الدّستورية باتّخاذه إجراءات منافية للدّستور، بتعطيله للمسار الانتخابي بإحداث ما يسمى بالمجلس الأعلى للدّولة.
5ـ إنّنا نعتبر المجلس الأعلى للدّولة مجرّد مجلس فرض الوصاية على الشّعب، وبالتّالي فإنّ كافّة ما ينجرّ عنه من مجالس وهيئات وتصرّفات سياسيّة داخليّة أوخارجيّة تعتبر كلها مناقضة لأحكام الدّستور، وإنّنا كممثّلين شرعييّن للشّعب، حاملين برنامج! يجسد طموحاته؛ نعتبرأنّ المجلس الانتخابيّ هو الإطار الشرعيّ والقانونيّ الذي يعبّر فيه الشّعب عن إرادته، ليس إلا.
6ـ نعتبر أنّ السلطة التشريعيّة هيئة مجلس واحد، طبقاً للدّستور، يسمّى المجلس الشّعبيّ الوطنيّ، له كامل السّيادة، ولا يجوز على الإطلاق سنّ أو إحداث هيئة بديلة له مهما كانت المبرّرات المفتعلة التي تهدف إلى الوقوف في وجه المشروع الإسلاميّ.
7ـ نندّد ببعض وسائل الإعلام التي استعملت لتمرير المؤامرة ومحاولة توجيه الرأيّ العام توجيهاً مغايراً لما أفرزته إرادة الشّعب، وعليه فإنّنا نصرّ على ما يلي:
أ ـ تنقية الأجواء السياسيّة، وذلك بإطلاق سراح كافّة المساجين السيّاسييّن وعلى رأسهم قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وإرجاع العمّال المطرودين إلى مناصب عملهم، وتعويض الضّحايا والمتضرّرين من جرّاء الممارسة الاستبداديّة والتعسّفيّة للنّظام.
ب ـ نصرّ على ضرورة الرّجوع الفوريّ إلى الشرعيّة الدّستوريّة المجسّدة لإرداة الشّعب، ونطالب بإتمام المسار الانتخابي على اعتبار أنّ كافّة الشروط متوفّرة.
ج ـ نصرّ على أن يبقى الجيش الوطنيّ سليل جيش التّحرير الوطنيّ حامياً للأمّة، وبعيداً عن الثّورات السياسية التي تريد أن تجعل منه أداة بيد الطغمة الحاكمة لضرب اختيار الشّعب.
د ـ نصرّ على أن يتحمّل المجلس الدّستوريّ مسئوليّاته كاملة.
وفي الختام: إنّنا نعتقد أنّ كل ما حدث ابتداءً من استقالة الرئيس الشاذلي ابن جديد، إلى فرض مجلس الوصاية على الشّعب إنما هو مؤامرة نسجت خيوطها في إطار النّظام الدّولي الجديد لإقصاء الإسلام عن حياة المسلمين، كنظام مجتمع وإيجاد مبرِّر مفتعل لحلّ الجبهة الإسلامية التي رفعت لواء القضيّة الإسلامية في الجزائر بحقّ، وبالتالي يصفو الجوّ للغرب الكافر وأذنابه في بلادنا لفرض المشروع الغربيّ على الشّعب الجزائريّ المسلم. قال تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون}.
ختم الجبهة ...

هذه صورة البيان السابق

كلمة توضيحية لمحتوى البيانين السابقين
الذي يعرف جماعة ( الجَزْأَرَة ) قد يُخيَّل إليه أن هذين البيانين من صنعتها بعد أن احتوت الجبهة؛ لأن تتويج الكلام السياسي الخالي من الفقه الشرعي بآية عند البداية وأخرى عند النهاية صياغةٌ مألوفة عنهم، ولأن تمييع الأحكام الشرعية بمخاطبة الغير بلسانه ـ ولو كان كفراً ـ انهزامية معروفة عنهم، لكن الحق أن لهذين البيانين أصلاً أصيلاً في فكر علي بن حاج؛ فقد قال في رسالته إلى رئيس الجمهورية المؤرخة في (4جمادى الآخرة 1415 هـ) في ق (2):
" .. فإذا كان التذمر مشروع ( كذا ) في (88 أكتوبر ) فما الذي جعله إرهابا في (1992) بعد مصادرة حق الشعب في الاختيار؟! ".
وافترى على الإسلام الكفرية الديمقراطية؛ فقال في ق (5): " والإسلام لا يَعرف مشروعية السلطة إلا بأمرين:
1ـ التقيد بأحكام الشريعة.
2ـ واختيار الحاكم برضا الشعب، فإذا فقد شرط من الشرطين بالنظام فاقد ( كذا ) للشرعية؛ فلا شرعية ولا مشروعية للنظام إلا بالأمرين
معاً ... وعدم توفر رضا الشعب والأمة على الحاكم هو اغتصاب لحق الأمة في الاختيار ".
قلتُ: لقد نسف أمرُه الثاني أمرَه الأول؛ وإلا فمتى كان رضا الشعب من أحكام الشريعة؟! إن في هذا الكلام هدْماً لخلافة عمر وعثمان وعلي بل وسائر الخلفاء، وتفصيله عند حديثي عن الشورى في آخر الفصل الآتي. وأغرق في الضلال حين أخذ يؤكِّد صحة المذهب الديمقراطي وينسبه إلى الإسلام ويستدل له بأقوال المفكرين والقانونيين الكفار، فقال في رسالته إلى وزير الاتصال المؤرخة في ( 22 جمادى الأولى 1415هـ ) في ق (26):
" ومن الأمور المحسومة عند الغرب أن السلطة لا تُنال إلا عن طريق اختيار الشعب في حرية تامة! .. ومن ذلك قالوا بمشروعية الثورة على المستبد ... ويوم أن استقرّ هذا المبدأ في فكر المجتمع الغربي استقرت الأوضاع السياسية عندهم!! وعمَّ الأمن!!! ". ولم يقف الأمر عند هذا حتى أخذ ينقل من دين الكفار ما يوافق فكره الثوري؛ فينقل في هذه الورقة وما بعدها وما قبلها بقليل عن جون أوف ساليزيري وجان لوك وولز وبرنتون وفرانكفورت ولاسكي وفولتير، وعن القانوني الفرنسي الشهير ديجي ـ كما قال هو ـ قوله: " إن السلطة في أي بلد ينبغي أن تكون مقيَّدة بقانون أعلى، وهذا القانون الأعلى غير مكتوب ( القاعدة القانونية )، وتجاهل هذه الرابطة والعدوان عليها يوجب المقاومة ". وينقل حتى عن القانون الفرنسي (24 يونيو 1793م ) نصه: " إن للناس الحق في مراجعة دستورهم وتعديله وتغييره حيث لا يحق لجيل معين عن طريق دستور يضعه أن يتحكم في الأجيال
المقبلة ... وعندما تعتدي الحكومة على حق الشعب يكون حق الثورة من أقدس الحقوق ومما لا يمكن التخلي عنه ".
ينقل هذه المخازي بلا تعقب ولا نقد، وينسب بعضها إلى الإسلام صراحة؛ فقد قال في ق (26): " نعم! في الغرب قد يَنال المواطن أو رجل الإعلام من رئيس الدولة ولا يملك ذلك الرئيس أن يتخذ ضده أي إجراء، فهل استفادوا من إسلامنا وأضعناه؟! ".
ثم تراه لا يَكتفي بذلك حتى يُشِيد بما عند الغرب؛ فقد قال في ق (27ـ28): " ومن خلال ما تقدم نُدرك جيدا أن الغرب يُقدِّس أمرين: الحرية وخاصة الحرية السياسية ويرفض الاستبداد والطغيان والدوس على حقوق الإنسان، بل يرى وجوب الثورة والمقاومة إذا حدث ذلك! ".
ومن أجل أنه مُنِع من الكلمة الثورية الحرة استنجد بنصوص الكفار أيضا ليؤذن له في ذلك؛ فجعل ينقل عن جون ستيوارت إميل وعن شاتو بريان، كما في ق (23)، بل وفاقرة الفواقر أنه نقل عن بعضهم كلاما هو عين الكفر في حرية العبادة ولم يتعقبه بنصف كلمة، فقال: " وقال روزفلت (13/1/41) في رسالة الكونجرس: ( يجب أن تسود العالم الحريات أربع
( كذا ) هي: حرية التعبيرـ حرية العبادة ـ التحرر من الخوف ـ التحرر من الحاجة ) ".
قلت: الله أكبر! إنها السَّنن! يناضل من أجل الحصول على الحرية السياسية فيخلع دينه، ويأتي إلى هذه الكلمة الكافرة ـ ألا وهي حرية العبادة ـ ليؤيِّدها!! فلماذا شُرع الجهاد إذن؟! وماذا كان يفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم وقد اجتمعت كلمتهم على قولهم: {ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللهَ}؟! بل حتى الشيوعيين لا بد أن يتنعموا بهذه الحرية؛ إذ يقول في (ق24): " وقال فرانكفورت: ( مخالفة حرية القول ولو كانت استيحاء من حالة هسترية فإن تقييدها يُمثِّل تدهورا في حق المواطن، ولا يمكن التذرع بتقييدها ضد الشيوعيين، وإلا خلقنا قطعة من جهنم داخل أرضنا ) ".
والعجب العجيب والنبأ الغريب الذي لم يسبقه إليه الأوائل ولا عرفه العلماء الفطاحل أنه فسَّر تصرُّف علي بن أبي طالب t في مقاتلته الخوارج بقوله عن هؤلاء في ق (24): " وكانوا يُمثِّلون المعارضة السياسية المنحرفة أو المتطرفة بلغة العصر!! ولكن كيف عاملهم ( أي علي )؟ هل نسف بيوتهم؟ هل شرّدهم في البلاد؟ هل .. هل ... "، إلى أن قال في ق (25):
" فقد أقرَّ لهم بحرية الرأي السياسي وهم أعدائه ( كذا ) ومحاربيه ( كذا ) بل ومكفريه ( كذا ) ..!! "، وقال علي ابن حاج: " وفي قوله ( أي قول عليّ ابن أبي طالب للخوارج ): [ لا نبدأكم ( كذا ) بقتال ] تأمينا لهم من الخوف واعترافا لهم بحق النقد مهما كان متطرفاً شرط أن لا يسلك مسلك القتال والقتل "، ثم جاء بقاصمة الظهور فقال: " ألم يسبق الإمام علي ( ض )
( كذا ) بهذا القول قول روزفلت .. للكنجرس: يجب أن تسود العالم الحريات الأربع: .. العبادة ..!!! ".
قلتُ: فهذا صريح في تأييده هذا القول، فكيف يُطمَع في نقده له! نسأل الله العافية. ويزيد إغراقا في الضلال فيقول: " ورغم كل ما حدث للإمام عليّ مع الخوارج قال في أُخريات أيامه: ( لاتقتلوا الخوارج بعدي؛ فليس مَن طلب الحق فأخطأه كمَن طلب الباطل فأدركه ) ".
قلتُ: سبحان الله! ما هذه المحاماة للخوارج؟! أيكون علي حينئذ قد أهدر الدماء البريئة؟! وهل يملك عليّ أن ينهى عن قتلهم والرسول يقول:
» لئن أدرَكْتُهم لأَقتلنَّهم قتْلَ عاد « رواه البخاري ومسلم؟! هل يتصوَّر مسلم أن يجرؤ عليٌّ على ذلك وهو الذي حثّ المسلمين على قتال الخوارج يوم النهروان وجعل يُذكِّرهم بما حفظه عن رسول الله في ذلك، فعن سويد بن غفلة قال: قال عليّ t: إذا حدَّثْتُكم عن رسول الله حديثًا فلأَن أَخِرَّ من السماء أحب إليّ من أن أَكْذب عليه، وإذا حدَّثْتُكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعتُ رسول الله يقول: » سيَخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قَتْلهم أجرًا لِمن قتَلهم يوم القيامة «
( رواه البخاري ومسلم ). كيف وقد صحَّ عنه t أنه أهلَّ وكبَّر لما أيقن أنه لم يقتل إلا الخوارج ( رواه أحمد وأبو يعلى )، وعند أحمد وغيره أنه سجد سجدة شكر، ولذلك قال الآجري: " .. فصار سيفُ عليّ بن أبي طالب في الخوارج سيفَ حق إلى أن تقوم الساعة "
بل قال الشافعي: " فأما الخوارج فلا نعلم أحدا منهم كره قتاله إياهم " رواه البيهقي وأسند بعده نحو هذه الكلمة إلى ابن سيرين
أيسوؤك ـ يا ابن حاج ـ أن يُقتل الخوارج وتوظِّف لذلك رواية لا تأتي لها بزمام ولا خطام؟! فما الرحم التي بينك وبينهم؟! اللهم إلا أن يكون الفكر الثوري الأهوج الذي اتفقوا عليه مع المعتزلة والروافض وأيَّدته أنت بنصوص الكفار السابقة!! إن أخبث ما يأتي به المرء أن يستغل الدين لغير الدين؛ فانظر ـ أيها القاريء ـ إلى هذا كيف هان عليه تحريف الدين بتحريف التاريخ الإسلامي إرضاء لثوريته حتى ارتمى بين أحضان الديمقراطية ليُكوِّن دينا غير الذي أنزل الله! وهذا هو التشريع الذي ندَّد الله بفاعليه فقال:{أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُم مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ}! إن القانونيين ـ اليوم ـ جاؤوا بجريمة نكراء حين نصبوا أنفسهم مشرِّعين، ولكن ليس ذلك بأنكر مما جاء به هؤلاء؛ لأنَّ هؤلاء يُحرِّفون الحق ويَشْرَعون الباطل، ويزيدون نسبته إلى الدين! فافتتان الناس بتشريعهم أعظم، ولذلك جاء قيد {مِنَ الدِّينِ} في الآية في غاية الأهمية.
إن هذه النهاية التي انتهى إليها كل دعاة السياسة اليوم ـ أي أن بدايتهم تكمن في تفسير الدين تفسيراً سياسياً ثم نهايتهم الانسلاخ منه ـ لحَريّة بأن تنفِّر طلاب الحق من هذا المنهج، أمَا رأيتم أن سياسة هؤلاء لم تترك عقيدة ولا عبادة ولا تاريخا إسلاميا إلا حرَّفته وجاءت بما يضاهيه؟! فهل أضحت سياستهم طاغوتا يُعبد، والكرسي الذي يطلبونه صنما يُنحَر من أجله الدين؟! ثم إنني فكرت طويلا في تفسير سبب هذا المصير المحتوم، فلم أجد له جوابا إلا قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِين يُخالِفُونَ عنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ولما كان هؤلاء طلابَ إمارة عرفتُ أن أول مصيبة أُصيبوا بها هي أنهم وُكِلوا إلى أنفسهم؛ لأنهم خالفوا وصية النبي لعبد الرحمن بن سمرة حين قال له: »" يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطِيتها عن مسألة وُكلْتَ إليها، وإن أُعطِيتها عن غير مسألة أُعِنتَ عليها « رواه البخاري ومسلم وأبوداود، ولفظ رواية أبي داود: »وُكِل فيها إلى نفسه «؛ قلت: وكيف لا يكون موكولا إلى نفسه من يشهد أن الديمقراطية كفر ثم يستغيث بها؟! بل يحاكم إليها ـ كما سبق ـ والله تعالى يقول: {ألم ترَ إلى الَّذِين يَزعُمون أَنَّهُم ءامَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وَقدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشّيْطانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}، ومع ذلك فلا أحد يحاسبهم من الأتباع، بل يكفي أن يردِّدوا كلمات ثورية لتضفي عليهم قداسة لا تَضرّ معها معصية، ولو صدر منهم ما صدر من المعاصي وقالوا ما قالوا من الكفر جاءت التأويلاتُ شافعةً مشفَّعة! ومع هذا فغيرهم هم المرجئة!!
قال ابن حجر: " فمَن لم يكن له من الله إعانة تورَّط فيما دخل فيه، وخسر دنياه وعقباه، فمَن كان ذا عقل لم يتعرَّض للطلب أصلاً ". ولو لم يكونوا طلاّب إمارة، وإنما أرادوا التحاكم إلى ما أنزل الله حقيقةً، فلماذا لم يتحاكموا إلى منهج الرسل في الإصلاح؛ وهو مما أنزله الله؟!! ولئن قالوا: إنما خاطب هؤلاء رجالَ القانون بلسانهم! قلنا: وهل فعل ذلك أُسوتنا ؟ وهل لاك لسانُه الطاهر كلماتِ الكفر وحاكم بها وإليها؟ إن هذا الذي تفعلونه هو عين الافتراء على الله الذي حذَّر منه ربُنا نبيَّه من أن يَستدرجه إليه الكفار فقال:{وإِن كَاُدوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}، ولذلك أمر الله نبيّه أن يكتفي بما أنزله عليه وحذّره بشدة من ترك ذلك متابعةً للكفار بأي مسوِّغ كان فقال:{يَأَيُّها النَّبِيُّ اتَّقِّ اللهَ ولاَ تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنَافِقِينَ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. واتَّبِعْ ما يُوحَى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُون خَبِيراً. وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}.
ووجه خَتْم هذا السياق الكريم بالتوكل أنه ما رَكن مَن رَكن إلى هذه الوسائل الملتوية إلا من ضعفت ثقته بما عند الله، والله المستعان.

يتبع


التعديل الأخير تم بواسطة أحمد سالم ; 23 Jul 2010 الساعة 04:55 AM
رد مع اقتباس