وروى الدارميّ قال: أخبرنا الحكم بن المبارك، أنا عمرو بن يحي قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه قال: " كنّا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخَرَج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلمّا خرج قمنا إليه جميعا، فقال أبو موسى الأشعريّ: يا أبا عبد الرحمن! إنّي رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، وفي كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبّروا مائة، فيكبّرون مائة، فيقول: هلّلوا مائة، فيهلّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبّحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاَ انتظار رأيك ـ أو انتظار أمرك ـ قال: أفلا أمرتهم أن يَعُدّوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نَعُدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدّوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء؛ وَيْحَكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيّكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنّكم لعلى ملّة هي أهدى من ملّة محمد؟ أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله، يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. إنّ رسول الله e حدثنا أن قوما يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايْمُ الله، ما أدري لعلّ أكثرهم منكم؛ ثم تولّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج ".
فخذوا العبرة أي إخواني! من صنيع أبي موسى t، فهو لا يقضي بشيء فيما هو نازلة في زمانه حتى يعرضه على الفقيه، مع أنّه من الفقه بمكان مكين! أليس هذا المنهج عاصمة العواصم، وفاضحة كل متعالم؟!
يا ليت شعري ما ضرّ شبابنا ودعاتنا لو أخذوا بهذا الأدب فيما يَجِدُّ من قضايا العصر وقد كثرت، وبه يقلّ نصيب الشيطان من صف المسلمين {إنّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً}. وتأمّل أيضاً فراسة مجتهدهم ابن مسعود t حين بان له غيب مُرٌّ من رؤوس تلك الحِلق، فقال:
" وأيم الله! ما أدري لعلّ أكثرهم منكم "؛ أي: عرف أنهم للخوارج أنساب، وقد كان الأمر كما أخبر، {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِين}، ولذلك قلتُ:
ـ ومن فوائد قصة الطلاق فراسة عمر t، حيث استنبط من هذه النازلة التي يجهلها ما نزل القرآن بتصديقه، ولذلك قال: " فكنتُ أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير"،وهذا يذكّرني بفراسة أحد كبار محدّثي وفقهاء هذا العصر، وهو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ حفظه الله ومتّع المسلمين بعلمه ـ حين سئل عن جماعة ظهرت في هذا العصر، وهي جماعة الدعوة والتبليغ، فكان من جوابه أن قال: " ... هذه صوفية عصرية! "، قالها يوم قالها متفرِّساً، على حسب ما رأى وبلغه عن الجماعة، ثم أعادها بعد سنوات، وبالضبط في هذه المدّة القريبة مع شرح لهذه الكلمة، وأنّه يعني بيعة هذه الجماعة لأربع طرق من فرق الصوفية ـ لعلها أضلها، وهي: النقشبندية، والجشتية، والقادرية، والسهروردية. والشيخ في المرّة الأولى لم يكن على علم بهذه البيعة، لكن كيف وقعت فتواه مطابقة لواقع القوم؟ الجواب: قال الله تعالى: {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}.
هذا قاله الشيخ من زمان بعيد ثم يشاء الله أن يجتبي عبداً من عباده قد خَبَر القوم مدّة طويلة، فأعلنها صريحة.
ـ ومنها أنّ في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} دليلاً على أنّ أخبار الواقع ترجع إلى أهل العلم والسلطان؛ فهم أولو الأمر، ثم من هؤلاء جماعة تتولى استنباط الأحكام الشرعية لهذا الواقع، وليسوا كلهم؛ لأنّ الله قال: {مِنْهُمْ}، قال الطبري ـ رحمه الله ـ: " يعني جلّ ثناؤه {ولَوْ رَدُّوهُ} الأمر الذي نالهم من عدوّهم والمسلمين، إلى رسول الله وإلى أولي الأمر، يعني: وإلى أمرائهم، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله أو ذوو أمرهم هم الذين يتولّون الخبر عن ذلك بعد أن تثبت عندهم صحّته أوبطلانه، فيصححوه إن كان صحيحاً أو يبطلوه إن كان باطلاً ...".
قلتُ: ولذا فرمي بعض أهل العلم بالانزواء والانطواء على أنفسهم ظلم؛ لأنّ الله تعالى لم يفرض هذا العلم إلا على الكفاية بصريح هذه الآية. ولو كانوا مصيبين في انتقادهم لكانوا مخطئين؛ لأنهم لما تفقّهوا في الواقع ـ وقد رأوا أنفسهم أهلاً لذلك! ـ فقد كَفَوْا غيرهم هذه المؤنة، فعلامَ العتاب علامَ؟!
قال العلاّمة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ: " فإذا كان بعض الأحزاب يدّعي أنّه يعرف فقه الواقع وما يدبَّر للمسلمين، فلماذا تلوم السّلفيين وتصفهم بالغفلة عن واقع الأمّة، وقد سقط عنهم هذا الواجب بقيام غيرهم به؟! ".
قلت: فافهم هذا ـ رحمك الله ـ وأنصف! وقال: " ولا يجوز أن يُنال من العلماء والدّعاة الذين تشغلهم واجباتُهم العلمية والدّعوية عن متابعة الصّحف والمجلاّت وتقارير المخابرات الأمريكية والإسرائيلية وغيرها؛ مكتفين بمتابعة غيرهم لهذه الأمور، وهذا ما يقتضيه العقل والشرع لا العواطف العمياء، فقد فرغ العلماء من بيان واجبات الأعيان وواجبات الكفاية "().
وهذا يذكِّرني أيضاً بذلك الحوار العلمي الماتع بين الشيخ الألباني والشّابّ ناصر العمر، حيث كان هذا الأخير يقرأ فصولاً من كتابه » فقه الواقع «، فكان كلما أدخل طلبة العلم في هذا الفقه، يقول له الشيخ: اشطُب على كلمة ( طلبة العلم ) وضع بدلَها ( بعض أهل العلم )، فتأمّل هذا وعضّ عليه بالنواجذ!
ـ ومنها أن مخالفة هذا المنهج يفتح شرّاً مستطيراً على الأمّة لقول الله تعالى في ختام آية الباب: {ولَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً}، وباتّباع الشيطان تَحصل الفرقة؛ كما قال الله تعالى: {وقُل لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنّ الشيْطانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إنّ الشيْطَانَ كانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}. وسبحان من هذا وحيه! فمنذ أن دخل طلبة العلم العمل السياسي مخالفين هدي الأنبياء وقعت فُرقة عظيمة؛ إذ لم أعرف بالجزائر زمناً تفرقنا فيه شذر مذر، وتمزّقنا فيه كل ممزّق إلا يوم نُصب لنا الحَبُّ على الفخُّ السياسي، فمدَّ إليه بعض طلبة العلم ـ إن حسنّا بهم الظّنّ ـ أيديهم! لقد كان الواحد يستأنس بأخيه إذا عرفه بزيّه الإسلامي، ويسلّم عليه مهما بعُدَ عنه، وأما اليوم فودّ لو أنّه لم يره؛ لأنّه لا يدري أيردّ عليه السلام أم لا؟! ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
ومن سنوات وأنا أتردد على البلاد السّعودية ـ والحمد لله ـ، فكنت أرى من طلبة العلم من يفتي في السياسة ويدرِّسها درساً عاما من غير تمييز، هل هو من أهلها؟ وهل الحضور مطالبون بها؟ فعرفت أنّه نذير شرّ، خاصة في تلك البلاد التي أغناها الله بعلماء كبار، هم أحوج ما يكونون إلى من يعينهم في الدعوة، لا أن تُسرق منهم الفتوى السّياسية بزعم أنهم يعينونهم فيها أو يكمِّلونهم، فكم سمعنا لهؤلاء الشباب من فتاوى سياسية مستقلة ومخالفة لما عليه هؤلاء الشيوخ، وما قضية الخليج عنكم ببعيد، فقد كانت البئر بغطائها، فلمّا كانت هذه القضية فاض وفاح ما فيها.
قال العلاّمة ربيع بن هادي المدخلي: " وليس لأحد أن يلقي بثقل هذه الواجبات على طلاّب العلم؛ فإن هذا من إسناد الأمر إلى غير أهله، وهو من أشراط الساعة، وهو ممّا يؤدّي إلى الفساد والإفساد والفتن، وليس ممّا يفيد الأمّة أن يصير الشباب بأجمعهم من أساطين السياسة ولا من شبكات التّجسس! فإن هذا ممّا يؤدي إلى الجهل بالعلوم الشرعية، وإلى تقسيم الأمّة إلى أحزاب سياسية متناحرة، كل حزب يريد أن ينفرد بالحكم، وكل فرد يريد أن يَعْتَليَ عرش الإمامة والرئاسة ".
وقال عن جناية هذا الفقه ـ إن صحّت تسميته بذلك ـ على العلم: " في المتغالين في السياسة تهاويل وتطاول لا يطاق على أهل الحديث والتوحيد، وغمط شديد، وتجهيل وتحقير، ورمي لهم بالعظائم، فمن غلوّهم ومبالغاتهم التي لا عهد لأعلم علماء الإسلام بها تهويلهم بعلم الواقع، وادعاؤهم وادعاء الصبيان منهم أنهم علماء الواقع، وتجنيدهم الشباب لقراءة الصّحف والمجلاّت ومتابعة الإذاعة، وصرفهم بذلك عن حفظ الكتاب والسّنة، والاشتغال بفقههما، وإشغالهم عن العلوم الشرعيّة ".
ثم كل من تتبّع فتنة الحرم المكّيّ المشهورة عند رأس هذا القرن، وما وقع في سوريا ومصر، يرى جماعات تخرب بيوتها بأيديها، وليس معها أهل العلم الذين وصفنا لك. واليوم في الجزائر أيضا، وقد اعترف علي ابن حاج لجماعته بعدم وجود كفاية من أهل العلم في صفوفهم، فقال في رسالته إليهم المؤرخة في ( 15/10/1994م ) في ق (3): " وأنا أعلم أنه لو وُجد معكم عدد كافٍ من الدعاة وأهل العلم لما وقعت بعض هذه الأخطاء الشرعية الفادحة!!! ".
هذه صورة الورقة الأولى من رسالة علي بن حاج إلى الجماعات المسلّحة التي فيها ما سبق ذكره
هذه صورة آخرها مع توقيعه
هذا وكل هؤلاء ـ وخاصة منهم الإخوان المسلمون ـ يرون أنفسهم عالمين بالواقع ويضحكون على العلماء السّلفيين، مع أنّ التّاريخ الحديث برهن بلا خفاء على أنّه لا يُعْرَف في المسلمين أغبى وأجهل بالواقع منهم؛ وإليك بعض الأمثلة التي تبيّن سرعة تغرير أعدائهم بهم:
ـ مَن هم الذين استغلهم الضباط الأحرار بمصر ليصلوا بهم إلى مآربهم ثم يقضوا عليهم؟ آلإخوان أم السلفيون؟
ـ من هم الذين منّاهم بعض الحكام بالعمل بالشريعة، وأظهروا لهم بعض الشعارات الدينية حتى أعطوهم أفئدتهم؟ آلمتبجّحون بفقه الواقع أم السلفيون؟
ـ من هم الذين استهزأت بهم أمريكا في قضية أفغانستان؟
ـ من هم الذين لُعِبَ بهم فيها حتى حكَمهم شرّ المتصوّفة؟
ـ من هم الذين أفتوا بدخول البرلمانات، ووقعوا في شِراك الانتخابات، محسِّنين ظنونهم بالديمقراطيات، مصدِّقيها حين وعدتهم بالحكم إن كانت لهم الأصوات؟ وكانت نهايتها زيارة السّجون، وعدّ المقاعد في الأموات؟!
ـ من هم الذين خدعهم الخميني بدولته الرّافضية يوم سقط الشّاه؟ آلسّلفيون أم الحركيون عن بكرة أبيهم؟!
ـ من هم الذين حرّموا الاستعانة بأمريكا وحلفائها في قضية الخليج، ثم استعانوا وسكتوا عمن استعان بالمليشيات الشيوعية في أفغانستان، وكذا استعانة الأكراد في شمال العراق بالغرب، وكذا استعانة مسلمي البوسنة والهرسك ببعض النصارى، وكذا شدّ حزب جبهة الإنقاذ الجزائرية رحاله إلى الفاتيكان بإيطاليا، وقد استنجدوا به مرّتين، واجتمعوا هناك تحت إشراف النصارى! يريدون حَلَّ مشكلتهم عند من كانوا ولا يَزالون سبب مشكلتهم!! {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعيداً} ويا له مِن ذُلّ! ... مما يدلّ على أن هؤلاء المحرِّمين المحلّلين يستغلّون الدين ولا يتبعون الدين!
ـ من هم الذين غرّهم زعيم البعث العراقي أيام حربه مع الرّفض الإيراني حتى شبّهوه بفاتح القادسية؟! اسألوهم عن ذلك، ومنهم عبد الرحمن
عبد الخالق! ولماذا غيَّر رأيه فيه بعد حرب الخليج!!!
ـ مَن مِن الحركيين لم يكن مع العراق بل مع صدام المستولي على الكويت؟ حتى زارنا ـ شانيء السّلفية ـ إسماعيل الشّطّي متذمّراً من إخوانه ( الإخوان ) الخاذلين الكويت وهو كويتي!!
وتالله إنّها لإحدى الكبر! نذيرا لمن أراد أن يتبيّن مبلغ وعي متتبعي سياسات البشر! يا لها من مهزلة! صلّى صدام للتلفزيون ركعتين فإذا بالأمم والشّعوب الإسلامية بدعاتها ـ حاش السلفيين ـ وراءه بالنفس والنفيس!
ومع هذا كله تسمُّون هؤلاء المراهقين السياسيين اليوم: ( شباب
الصحوة! ) وتشتغلون بالسياسة وتتظاهرون بالكياسة، وأنتم أول من يضحك عليه الصياد، وبيننا وبينكم يوم المعاد.
لذلك فلا غضاضة في أن أقول: لو خرج رجل من اليهود في ديار المسلمين، وتظاهر بزيّ المسلمين، بل ولو تظاهر بزيّ الكفار لكنه يحفظ آية واحدة من القرآن، وهي قوله تعالى: {ومَن لَمْ يَحْكُم بِما أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}، وأحسَنَ ترديدها في المجالس العامة بلهجة عاطفية، وبهرج بأخبار الكفار، واللّعب على العواطف بالتظاهر ببغض أمريكا، ثم نادى: يا فلسطين! لما تخلف عنه أحد من الحركات الإسلامية، ولقادهم جميعاً لا إلى فلسطين، ولكن إلى مجزرة تل أبيب!! وإلى الله المشتكى.
فكيف لو خرج عليهم الدّجّال يحيي الموتى، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تخرج كنوزها فتخرج؟! وقد قال ابن سيرين: " لو خرج الدَّجَّال لرأيت أنه سيَتبَعه أهلُ الأهواء ".
كتبتُ هذا ثم تذكرتُ أن أخصّ أهل الأهواء الذين يَخرج في صفوفهم الدجّال هم الخوارج، لتقارُبِ ما بينه وبينهم من فتنة وفكر أهوج، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: » ينشأُ نَشْءٌ يقرؤون القرآن لا يُجاوِز تراقيهم، كلما خرج قرنٌ قُطِع " قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله يقول: » كلما خرج قرنٌ قُطع « أكثر من عشرين مرة: (( حتى يَخرج في عِراضهم الدَّجَّال )).
كتبتُ هذا ثم فوجئتُ بدعوة رجل يقال له محمد المسعري، لم تسَعْه أرض الله حتى اختار لنفسه ديار الكفر ببريطانيا، يكتب عن الإسلام مع أنه لا هو في العير ولا في النفير، تبعته جماهير غفيرة وهي لا تعرف عنه إلا كلامه السياسي في صورة استرجاع المظالم!!
هذه صورة عن بعض ما ينشره محمد المسعري الناطق الرسمي للجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية
قال العلامة عبد العزيز بن باز في صاحب هذا المنشور: " .. مِن الحاقدين الجاهلين الذين باعوا دينهم وباعوا أمانتهم على الشيطان من جنس محمد المسعري ).
قلتُ: ولا بدّ من تذكّر أنه لا يكاد أحد يجهل عفّة لسان الشيخ ابن باز، فإذا سلَّط لسانه على أحد فثَمَّ أمر عظيم! وصورة هذا المنشور تدلّك عليه، بل وتُعَرِّفك بمبلغ علم صاحبه ودينه، ومع ذلك فقد وجد لدعوته رَواجاً في سوق أصحاب ( الصحوة! )، وكيف لا تروج بضاعتُهم وسلمان العودة ـ هدانا الله وإياه ـ دعا في الوجه الثاني من شريط" أخي رجل الأمن « إلى تأييد لجنة هذا الرجل الموتور فكيف بالأتباع؟!!.
ولذلك وجدتُ ابن بطّة العكبري يقول في زمنه: " والناس في زماننا هذا أسرابٌ كالطير يتبع بعضهم بعضاً، لو ظهر لهم من يدّعي النّبوة، مع علمهم بأن رسول الله خاتم الأنبياء، أو من يَدَّعي الربوبية لوَجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً ".
ولعلك لاحظت أنه ما من دعوة يراد لها رواج إلا استُغِلّ في ذلك القضايا السياسية، كما هو بادٍ مما أبرزته في هذه الصورة. وكذلك فعلت مجلة
» السنة « ـ التي يستقي منها ( شباب الصحوة! ) أخبار العالم ـ فقد جمعت في عشّها البريطاني رويبضات الزمن وتجرّأت على النيل من علماء السنة؛ فهي بالأمس في عدد رمضان 1413هـ أخذت تقدح في عرض أحد كبار العلماء السلفيين، وهو الشيخ محمد أمان الجامي ـ رحمه الله ـ، ولم تَعرِف له سابقته في العلم والدعوة، ولا وَقَّرته في سنّه، حتى جعلت تستهزيء بلهجته، وتقول: إنه ينطق الحاء هاء؛ ومثَّلت بكلمة ( مُلْهِد! ) بدلاً من ( مُلْحِد! )، نعوذ بالله من قلة الحياء! بله من فَقْد الحياء!!
بل حتى العلامة الألباني لم يَسْلَم من طعنها اللاذع بقلم محمد سرور زين العابدين! وهي اليوم تستغل قضية الصلح مع اليهود لتؤجِّر أحدهم فيطعن في العلامة عبد العزيز بن باز، واستنجد في ذلك بالدكتور يوسف القرضاوي الذي رمى الشيخ بأنه يُفتي فيما ليس له به علم! وذلك قوله: " وهل الشيخ علىعلم حقًا بما يجري حتى يُدْلي بدَلْوه في هذا الوقت بالذات، وفي مثل هذا الموضوع الخطير؟ ...". ثم أخذ كاتب » السنة! « يفصح عما في نفسه قائلا: " هل يَعرف الشيخ ما معنى المستعمرات الاستيطانية؟ لا أظن! كما لا أظن أنه ـ في هذه السن ـ يمكنه أن يَدَع أحدا من تلاميذه أن يشرح ويوضح له هذا المصطلح وما يترتب على استيطان هؤلاء اليهود .. ".
قلتُ: إذن فالشيخ لا يَعرف ولا يحب أن يَعرف؛ لأن كبَر سنّه وَرَّثه كبْرا عن تقبل النصح!!
ومع هذه التهم الهالكة فإن الشيخ ـ في أدبه الذي لا يُشَقّ له فيه غبار ـ لم يَزد على أن قال بعد البيان العلمي: " ما ذكرناه في الصلح مع اليهود أوضحنا أدلته الشرعية ... فأرجو من فضيلة الشيخ يوسف وغيره من إخواني أهل العلم إعادة النظر في هذا الأمر بناء على الأدلة الشرعية لا على العاطفة والاستحسان ".
قلتُ: كان الأولى بالدكتور القرضاوي ألا يفتح هذا الباب بمثل ذاك الطعن المرمَّم بسؤال! بل كان الأولى به أن يبري قلمه لتقويم جماعته ( الإخوان المسلمون )؛ فقد نادوا بلا استحياء أن النصارى إخوانهم، وقالوا في بيانهم المؤرخ في ( 30 من ذي القعدة 1415هـ ): " وموقفنا من إخواننا المسيحيين في مصر والعالم العربي موقف واضح وقديم ومعروف: لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهم شركاء في الوطن، وإخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي... ومن قال غير ذلك فنحن برءاء منه ومما يقول ويفعل!!! ". وجعلوا الشورى الإسلامية أختاً للديمقراطية الكافرة فقالوا: " وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي ". وفيه دعوتُهم الحكومةَ أن تلتزم بالقانون الوضعي لا الشريعة فقالوا: " .. بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف، وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء "، بل رضوا لأنفسهم ذلك فقالوا: " ولكنهم ( أي الإخوان ) ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون .. ". ولم يقولوا هذا تَقِيّة منهم، ولكن عن قناعة كما شهدوا على أنفسهم قائلين: " والأمر في ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة، ولكن أمر دين وعقيدة، يلقى ( الإخوان المسلمون ) عليها ربهم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنوُنَ إلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ".
قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! آجركم الله في مصابكم يا د/ يوسف! لِمَ لا توجِّه نقدك إلى هؤلاء؛ فإن الأقربين أولى بالمعروف؟ بل أعِدِ البنيان من أساسه، فإن الأمر لايجبره الترميم؛ إذ الخلل عقدي وقديم كما صرحوا بذلك فيما سبق، ولقد صدقوا؛ فقد نقل محمود عبد الحليم ـ وهو من أعمدتهم ـ ماسمعه بنفسه من محاضرة حسن البنا قوله: " فأقرر أن خصومتنا لليهود ليست دينية؛ لأن القرآن حضّ على مصافاتهم ومصادقتهم، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن يكون شريعة قومية، وقد أثنى عليهم وجعل بيننا وبينهم اتفاقا {ولا تُجادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتي هِي أَحْسَنُ} وحينما أراد القرآن الكريم أن يتناول مسألة اليهود تناولها من الوجهة الاقتصادية والقانونية ..!!! ".
كان الأولى بالدكتور أن يراجع كلمة قطبه هذه؛ فهي خطأ فادح! وأين خطأ العلامة ابن باز ـ لو كان خطأ ـ من هذه التي صرح بعض أهل العلم فيها بأنه ليس بينها وبين الكفر حجاب؟
أهذا التحامي للباطل غيرةٌ على الدين وحربٌ على اليهود أم هي حرب على المنهج السلفي؟!
شكوتُ إلى القرضاوي ما قاله شيخه البنا، فإذا بي أجدني ضيَّعتُ شكواي، لأن القرضاوي نفسه على دربه يسير؛ حيث قال: " فنحن لا نقاتل اليهود من أجل العقيدة!! إنما نقاتلهم من أجل الأرض!! لا نقاتلهم لأنهم كفار!!! وإنما نقاتلهم لأنهم اغتصبوا أرضنا وأخذوها بغير حق ".
قلتُ: {ربَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا}.
ثم أعود إلى آية الباب قائلا: فهلاّ أخذتم العبرة من سبب نزول آية الباب، وتدبرتم الفرق بين العوام الذين سارعوا إلى إذاعة خبر تطليق النبي نساءه، حتى كادوا يفتنون أهل المدينة كلها، وبين أناة أهل العلم كابن عباس الذي مكث سنة كاملة لا يقول فيه شيئاً حتى يسأل عمر، وعمر لا يَلْوِي على شيء من الإشاعة حتى يسأل أهل الاستنباط، مع أنه منهم، أجمعين. وهو الذي كان يقول: " تفقّهوا قبل أن تُسَوَّدوا ".
وفي » المتواري على تراجم أبواب البخاري «: " وجه مطابقة قول عمر للترجمة ـ أي: باب الاغتباط في العلم والحكمة ـ أنّه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق استحقاق العلم؛ لأنه يغتبط به صاحبه لأنه سبب سيادته ". وقال ابن حجر: " إن تعجلتم الريّاسة التي من عادتها أن تمنع صاحبها من طلب العلم فاتركوا تلك العادة، وتعلّموا العلم لتحصل لكم الغبطة الحقيقية ".
وقال الخطّابي عند شرحه حديث (( يظهر الجهل ... )): " يريد ـ والله أعلم ـ ظهور المنتحِلين للعلم المترئسين على الناس به قبل أن يتفقَّهوا في الدين ويرسخوا في علمه ".
وفي شريط مسجل من » سلسلة الهدى والنور " (رقم440/1) دار نقاش طويل بين الشيخ الألباني وبين بعض شباب جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية، زعم هذا الأخير إغلاق الخَمَّارات وبيوت الفواحش أيام عمل الجبهة في مبالغة مدهشة، فأجاب الشيخ بمنع دخول البرلمانات لا يَلْوي على شيء من نتائج التحزّب وذكر سبب المنع فقال:
الأول: أنه خلاف هدي النّبي ؛ إذ لم يدخل مع الكفار بمثل هذا.
الثاني: أن كل من يدخلها لابد أن ينحرف عن الإسلام شيئا فشيئاً.
فزعم أحدهم أن الجبهة لم ( تتنازل ) عن شيء من الدين.
فسأله الشيخ: هل يتعامل بعضهم بالرّبا بحكم أن بعض المؤسسات الحكومية بأيديهم؟.
فأجاب بالإيجاب، ثم بادر الشّابُ إلى سؤال حطّم به مزاعمه الأولى بعد هذه الهزيمة الأولى، فقال: إذا عرَضت لنا قضية فقهية فيها رأيين، فيها رأي عند الفقهاء راجح ومرجوح، وإذا ما أخذنا بالقول الرّاجح فيها تسببنا في فتنة أو مشكلة أو تفرقة بين المسلمين، فهل يجوز لنا أن نأخذ بالقول المرجوح لمصلحة وحدة المسلمين؟.
فقال الشيخ: " هذه هي السياسة! هذه هي السياسة! ".
فقال محمد إبراهيم شقرة: هذه السياسة ليست شرعية.
فقال الشيخ: أي نعم، ثم قال: " المسألة في الحقيقة مهمة جدّا، أنا سمعت أن الجبهة أو النهضة ما أدري ـ الأسماء ما حفظتها بعد جيدا ـ فيها ملايين، أليس صحيحاً هذا "؟.
فقال الشّاب مستبشرا: نعم.
قال الشيخ: كم ألف عالم فيهم؟.
فقال الشّاب: ما فيه!.
قال: كم مائة عالم؟.
قال: لا، ما هو موجود!.
قال: طيب من يقودهم ـ يا جماعة ـ هؤلاء؟.
قال: الشيوخ قليلين يعني؟.
قال: هل يستطيع هؤلاء الشيوخ أن يقودوا ملايين؟.
قال: طبعا لا.
قال: هل يمكنهم أن يعلّموا ملايين؟.
قال: أبدا.
قال الشيخ: " إذن أنتم تعيشون في الأوهام، ومن ذلك هذا السؤال الذي أنت تطرحه الآن حينما يكون في هؤلاء الملايين من المسلمين علماء يستطيعون أن يديروا دفة المحكومين من أهل العلم، حينما يوجد فيهم المئات ولا أقول الألوف ليس هناك حاجة أن يطرح مثل هذا السؤال: راجح ومرجوح، هل يجوز لنا أن نأخذ بالقول المرجوح ونترك القول الراجح، هذا: الفقيه هو الذي يجيب عن هذا، وأنا أضرب لكم مثلاً من واقع حياتنا مع الأحزاب، أنا قلت مرة لأحد أفراد حزب التحرير: يا جماعة أنتم تريدون أن تقيموا الدولة المسلمة، وأنتم لا تدرسون الشريعة من أصولها وقواعدها، وأنتم تحتجّون في كتبكم ببعض الأحاديث غير الصحيحة؟! ".
قال: أخي! نحن نستعين بأمثالكم.
قال الشيخ: " هذا الجواب هو أول الهزيمة، لأنه حينما يكون هناك حزب يعتمد على غيره، معناها أنه حزب في قوته غير مكتمل، وكان هذا الرجل قال لي: لا زلتم أنتم تضيّعون أوقاتكم في الكتب الصفراء ... " ثم قال الشيخ عن ملايين جبهة الإنقاذ: " لكن هؤلاء أليسوا بحاجة إلى أطباء بدن؟ لا شك أنه عندكم أطباء بدن بالمئات بل بالألوف، طيب أليسوا بحاجة إلى أطباء ـ كما يقولون في العصر الحاضر ـ في الرّوح؟ هذا أولى وأحوج وأحوج، هل هؤلاء موجودون بتلك النسبة؟ الجواب: لا ... ". ثم أخبر عن مخاطبته حزب التحرير قائلا: " افرضوا أنكم ما بين عشية وضحاها أقمتم عَلَم الدولة الإسلامية، يعني بانقلاب من الانقلابات، لكن الشّعب ما عنده استعداد لأن يُحْكَم بما
أنزل الله، يمكن ... أنتم ... جماعتكم قالوا: قرار رقم واحد، اثنين: ممنوع
ـ مثلا ـ دخول السينماءات، ممنوع خروج النساء متبرجات ... الخ، ستجد
ـ يمكن ـ بعض نسائكم أول من يخالف هذه القوانين الإسلامية! لماذا؟ لأنَّ الشعب لم يُربَّ على ذلك، ومن يربِّي الشعب؟ هم العلماء، وهل كل نوع من أنواع العلماء؟ ... ". ثم تكلم عن علماء الكتاب والسنة العاملين بهما، ثم قال: " لذلك أنا أعتقد أن الجهاد الأكبر الآن هو: هذه الملايين المملينة أن تخرج العشرات من العلماء المسلمين هناك، حتى تتولوا توجيه الملايين إلى تعريفهم بدينهم وتربيتهم على هذا الإسلام، أما الوصول إلى الحكم، فكل طائفة تحاول أن تصل إلى الحكم، ثم تستعمل القوّة في تنفيذ قراراتها وقوانينها، سواء كانت حقّا أو باطلا، والإسلام ليس كذلك ".
ولو أن إخواننا هؤلاء أخذوا بهذه النصيحة الذهبية لجنَّبوا الإسلام والمسلمين الفتنة العظيمة التي يعيشها اليوم كل العالم الإسلامي، وفي كل مرة تؤخَّر الدعوة الإسلامية بعجلة شبابها وانحراف موجِّهيها، ومن استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، والله العاصم.
وأختم بهذه الكلمة التي أرجو من إخواني أن يعوها، وهي:
لئن كان في الخروج على الحكّام من الشّر ما برهن عليه تواطؤ النصوص الشرعية مع الأخبار الواقعية، كما ظهر من صنيع حدثاء الأسنان في كل الأزمان، فشر منه الخروج على العلماء بإهدار حقهم، وعدم اعتماد فتاواهم إلا ما وافق أهواء الحركيين، واستصغار شأنهم في السياسة، ورميهم بعلماء بيت الوضوء! وما أشبهها من الألقاب التي يَنْبِز بها المبتدعة صاغرا عن صاغر العلماء السلفيين كابرا بعد كابر؛ وفي هذا إهدار للشريعة بتجريح حملتها وشهودها، والله الموعد.
و لقد كان يقال في الجزائر: " جبهة الإنقاذ لم تركن إلى الذين ظلموا "، فإذا بهم لما دارت عليهم الدائرة، وأسلمهم أتباعهم إلى عدوهم، يكتبون بيانا يطالِبون فيه الدول الكافرة وغيرها بأن تقاطع الجزائر اقتصاديا؛ لأنها غصبت الشّعب حقه في حرية الاختيار! ثم يكتبون آخر يستغيثون فيه بالبرلمانات العالمية، ومعلوم أنه ـ فضلاً عن كونه استعانة بالكفار ـ فهو استغاثة بالبرلمان الإسرائيلي، لأنهم لم يستثنوه ـ كما ستراه هناـ مع علم الجميع أنه أضحى اليوم يتحكم فيها كلها.
وهاكم صورة هذا البيان بعد هذه الصفحة، وهو تنديد جبهة الإنقاذ الإسلامية بالنظام بعد مصادرته قانون الانتخابات، وتوقيفه إثر فوزها في الدور الأول منه. فاقرؤوه لتعلموا ما هو الإسلام الذي تنادي به الجبهة، ولتدركوا مدى صدق ما تنسب إليه من السّلفية.
هذا محتوى بيان الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزائر: 14/رجب/1412هـ الموافق: 19/جانفي/1992م
نوّاب الأمّة الفائزين في الانتخابات التشريعية الدّور الأول
نِدَاء
يتبع
التعديل الأخير تم بواسطة أحمد سالم ; 23 Jul 2010 الساعة 04:51 AM
|