بعض فوائدها
ـ أوَّلها أن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة yكان قد بلغهم أن مَلِك غسّان يدبِّر لهم شرا، فلم يثنهم هذا عن طلب العلم بزعم تتبّع الأخبار! ومع الأسف الشديد إنك لتدخل المكتبات العامة التي يرتادها طلبة العلم الشرعي فتجد أكثرهم في جانب المجلات و( الدوريات ) يستطلعون الواقع! مع أن المكتبات زاخرة بكتب التوحيد والتفسير والسنة، ولا تكاد جموعهم تكثر ههنا إلا لبحث مدفوع إليه دفعاً لنيل شهادة أو لدراهم معدودة! اللهم إلا القليل الذين حُبِّبَ إليهم الدين حقيقة. ويالله العجب! فكم هم الذين ليست لهم أوراد يومية من الأذكار النبوية، مع أن وِرْدهم مع الإذاعات والجرائد آنية!! والله المستعان.
ـ و منها التحذير من إشاعة الأخبار التي وصفها بالخوف والأمن، والسياسة ـ من هذا الباب ـ إمّا خبر سار آمن، وإمّا خبر مخوف محزن، وتجد اليوم عمدة السياسيين الجلَّى على تتبّع الأخبار، وتراهم يُفنون أعمارهم في دراسة طرق إذاعتها بدقّة، حتى يتمكّنوا من تخويف المؤمنين وتأمين أعداء الدين، ومن تأمّل أحوال الإسلاميّين ـ الذين يتوسّلون إلى توعية أتباعهم من الخواص والعوام بتحليل الأخبار السياسية والتّظاهر بسعة الاطّلاع فيها ـ من أشدّ الناس تأثّرا بإرجافها، ممّا يبعث في نفوسهم فزعا شديدا من أعدائهم، حتى إنهم ليحسبون كل صيحة عليهم، وأنّ كل هزيمة فمن مكرهم بهم، مع هذا فهم يَظهرون للسّذج شجعانا إذ ظنّوهم يصدعون بالحق، ومن أمارات هذا التّأثّر أنك لو قلت لهم دعوا العوام لا تشغلوهم بالقضايا السياسية، ولا تخدموا أعداءكم بإذاعة أخبارهم، لأنّها توهن المسلمين في استضعافهم، وليسعكم قول الله تعالى حينئذ {وإِن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قالوا في جرأة لا تحترم النّصوص: " وهل نبقى مكتوفي الأيدي مع أعداء ماكرين؟ "، ولم يتدبّروا أنّ الله المطّلع على كيد الأعداء أمر بالصبر بعد أن بيّن مكرهم الكبار كما قال في هذه الآية: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}، هذا مع أنّ كفّ الأيدي في زمن ما ممّا أمر الله به حين قال: {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً..}، وهو شريعة محكمة ما وُجد زمنها، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعَف أو في وقت هو فيه مستضعَف، فليعمل بآية الصبر والصّفح والعفو عمّن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوّة فإنما يعملون بآية قتال أئمّة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطُوا الجزية عن يد وهم صاغرون ".
بهذا يتبيّن لنا سرّ منع الله تعالى المؤمنين أن يشغلوا أنفسهم بالعدّة الماديّة في الوقت الذي هم في حاجة إلى العدّة الإيمانيّة، والجمع بينهما ـ كما يتخيّله المحاولون الاعتدال والتّوسّط ـ في وقت افتقارهما وافتقار السلطان خطأ واضح وخلاف السّيرة النبوية؛ لأنّه لا بدّ أن تطغى إحداهما على الأخرى، ولمّا كان الإنسان أكثر إيمانا بعالم الشّهادة من عالم الغيب، فإنّه لا بدّ أن يميل إلى الاستعداد المادّي الذي يمثّل عالم الشّهادة حتى يفقد أعظم روافد النصر وهو التوكل على الله، إغراقا في التوكل على الأسباب، مع أنّ الله يقول: {إن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُم وَإِن يَخْذ لْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعْدِهِ وعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}.
وتأمّل كيف جعل الرّسلُ عليهم الصلاة والسلام الصبرَ على الأذى، من التوكل قال الله تعالى حكاية عنهم {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا ءَاذَيْتُمُونَا وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُون}.
إذن فالبدء بالاستعداد الإيماني ثم إتباعه ـ بعده وليس معه ـ بالاستعداد المادّي كما قال الله تعالى للمؤمنين في المدينة الذين حقّقوا أصل الإيمان في مكّة: {وأَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكُمْ وءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ}.
خلاصة هذه الفائدة: التحذير من إشاعة الأخبار؛ لأنّها تحمل معها أمنها أو خوفها، والنّفوس ضعيفة، هذا مع ما فيها من شهوة التّطلّع إلى الواقع، خاصة واقع الكراسي؛ فإنّ الأفئدة تهوي إليها معرضة عن الوحي، وإليك هذه العبرة:
عن سَعد في قول الله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ} الآية، قال: أنزل الله القرآن على رسوله فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو قَصَصْتَ علينا؟ فأنزل الله تعالى: {الـــر . تِلْكَ ءايَاتُ الكِتَابِ المُبِين} إلى قوله {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ} الآية، فتلاها رسول الله زمانا، فقالوا: يا رسول الله! لو حَدَّثْتَنا؟ فأنزل الله تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشابِهاً} الآية، قال: كل ذلك يُؤثَرون بالقرآن ( وفي موارد الظّمآن: كل ذلك يؤمرون بالقرآن ) قال خلاّد: وزاد فيه آخر، قال: قالوا: يا رسول الله! لو ذَكَّرْتنَا؟ فأنزل الله تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} الآية.
فتأمّل هذه التربية الربانية والرّعاية النبوية للصّحابة وقد عرفت ثمارها فيهم، وتأمّل تربية من يستجيب لرغبة العوام فيفسدهم بالأخبار السياسية ويهيّج الشباب بلا فائدة، ثم هو يتململ قائلا: لماذا يتخلّفون عن دروس العلم الصحيح التي فيها تلاوة الوحيين، بل وتعلّم العقيدة الصحيحة التي هي مفتاح الجنة، ويزدحمون على الدّروس السياسية التي تروّعهم، بل تتخبّطهم تخبّط الجِنّة.
وإن تعجب فعجب قول ناصر العمر في شريط ( السعادة بين الوهم والحقيقة ): " هذه قصة عجيبة تابعتُ فصولها على مدى خمسة عشر عاما ... وقد تابعت شخصيا هذه القصة منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وهي قصة
( كرستينا أوناسيس )! "، فسئل: " ما هو قولك في تتبع قصص الكافرين في هذا الزمان الذي حلت عليه المحن والفتن؟ ".
فأجاب: " إذا كان فيها عبرة فلا بأس! فهذا القرآن مليء بقصص الكافرين ... فإذا كان تتبعها من أجل العبرة ومن أجل العظة فهي من الأمثال التي تضرَب في ذلك، فإنه على خير! لا من أجل الاقتداء وأجل العظمة، لا ولكن من أجل أن نتجنب سبيلهم {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ}، من أجل استبانة سبيل المجرمين فإنهم .. يحسن هذا الأمر، أما إذا خشي على نفسه فلا! ".
قلت: هل تعني أن النبي كان يفعل ذلك؟ مع أنك لو تأملت القصص النبوي لألفيته مما لا تطوله يد الواقع؛ لأنَّ جلّه عن بني إسرائيل والأمم السابقة مما لا يعرف إلا بالوحي، ولذلك كثيرا ما كان يقول عليه الصلاة والسلام:
" لقد كان فيمن كان قبلكم كذا وكذا ".
ثم هل استبانة سبيل المجرمين تكون بتضييع أعمار المسلمين؟! وهل يَفِي بهذا عمر نوح عليه السلام؟ وهل استنتاج أن السعادة ليست في جمع المال يستلزم منك توريط الشباب في متابعة القصص الغرامية؟! إن الذي يتتبع قصة هذه اليونانية ويقرأ لها أياما متتابعة لا بد أن يعشقها فكيف وهي ربع عمر الإنسان؟! لقد كان يكفيك قول الله {ما أَغْنَى عَنِّي مَالِيَه} للحذر من فتنة المال!
أما تذكر نهي النبي لعمر عن تتبع ما في صحيفة التوراة؟ مع أن هذا أولى وأهم مما ذكرتَ، بل إنَّ الله نهى نبيَّه عن متابعة خبر أهل الكهف إلا ظاهرا دون الغوص في تفاصيلها مع أنهم فتية مؤمنون فقال: {فَلاَ تمُارِ فيهِمْ إِلاَّ مِرَاءاً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فيهِم مِنْهُمْ أَحَداً}.
إن زعم ( استبانة سبيل المجرمين ) ـ على فهمكم ـ هو الذي أمْلى على جبهة الإنقاذ عندنا اقتناء الهوائيات المقَعَّرة ( الدُّش )، بل لم يُعرَف زمن انتشرت فيه هذه الأجهزة انتشاراً واسعاً إلا أيامها، لحماية دولتهم الوهمية زعموا! وقد كانوا يطوفون على البيوت لمَدِّها بأسلاكها، فلما ذهبت ريحهم ذهبوا وتركوا الأمة تتقاسم هذا الميراث الخبيث، قال الله تعالى:{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ ِمن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ}.
ـ ومنها أنّ في قوله تعالى: {وإذَا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ} دليلاً على أنّ العامي قد يدرك من الواقع ما يخفى على العالم، ولا يعدّ عيباً في العالم؛ لأنّ إحصاء واقع الناس ليس إلا إلى ربّ الناس، لكن العيب فيما إذا أفتى المجتهد في نازلة ولمّا يسأل أهل الاختصاص عن ملابساتها وهو يقدر على ذلك. فقد كان يخفى على النبي القليل أو الكثير من واقع الناس، فيأتيه العاميّ بالخبر اليقين فيفتي عليه السلام على غرار ما سمع، وخذ مثالا على ذلك قصّة الثلاثة الذين عزفوا عن الدنيا ... وهل نسيت أنّ الهدهد قال لسليمان عليه السلام: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}، فهذا طائر عَلِم من الواقع مالم يعلمه رسول أوتي من الملك ما لم يؤته أحد من قبله ولا من بعده، بل كان يعلم من واقع الطير والنمل ومنطقها ما هو معلوم، فما لعصافير الأحزاب الإسلامية تتطاول على العلماء، أن رأوا أنفسهم تُحَلِّق في أجواء مكذوبة حسبوها يقين الأنباء؟!! قال العلامة عبد العزيز بن باز: ".. ومما يَكثر فيه الكلام من مظاهر الجهل بالواقع اتّهام بعض أهل العلم والفضل بالجهل بأحوال المنافقين والعلمانيين، وهذا غير قادح؛ إذ يوجد في الأمة منافق أو زنديق لا يَعلمه العلماء ولا يَعرفون حاله، ولا يُعَدُّ هذا الخفاء عيباً في حقهم، قال الإمام الذهبي في ترجمة الحلاج: كان جماعة في أيام النبي منتسبون إلى صحبته وإلى ملّته وهم في الباطن مردة المنافقين، قد لا يَعرفهم نبي الله e ولا يَعلَم بهم قال الله تعالى:{ومِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ}، فإذا جاز على سيِّد البشر أن لا يَعلَم ببعض المنافقين ـ وهم معه في المدينة سنوات ـ فبالأولى أن يَخفَى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده على أمته ... ".
من أجل هذا لم أذكر هنا هذا العلم أعني المسمّى ( فقه الواقع ) في صفات المجتهد. ومن مظاهر الغلوّ فيه أنّني سمعت مرارا من يتناقل قصّة عن الشيخ محمد ابن عثيمين ـ حفظه الله ـ يريدون إدانته بجهله بالواقع زعموا، فيقولون:
" لقد نُبِّه الشيخ على وجود مجلاّت خليعة بالأسواق، وفي كل مرّة ينكر ذلك؛ لأنّه لم يرها، فبينما هو في درسه إذ دخل عليه من رمى بالمجلّة في حجره، فقام الشيخ بعدها فكتب في التحذير منها ومن الأفلام! ".
أقول: إن صحّ هذا فإنّه لا يقدح في الشيخ ولا في علمه، كما لم يقدح في النبي e عدم علمه بمثل ما ذكرته آنفا، ولا في عمر ولا في ابن عباس عدم علمهما بواقع قصّة الطلاق، بل هذا يزيد الشيخ ابن عثيمين منقبة على منقبة؛ لأنّه يدلّ على انكبابه على العلم تعلّما وتعليما وشغل وقته به، حتى لم يجد فراغا للتّطلّع على ما في الأسواق، وأنّ قراءة المجلاّت ليست عنده ذات أشواق، وكأنّ لسان حاله ينشد:
مُنـايَ من الـدنيـا علـومٌ أبثُّـهـا وأنشرُهـا في كـل بـادٍ وحـاضـرِ
دعـاءٌ إلى القـرآن والسّنـة الـتي تناسَى رجالٌ ذِكْرَها في المحـاضـرِ
وقـد أبـدلـوها بــالجرائـد تـارة وتلفـازهـم رأس الشرور المنـاكـرِ
ومِذْيـاعهم أيضا فلا تَنْسَ شـرّه فكم ضاع من وقت بها بالخسائرِ
ولا أدري لماذا يوردون هذه القصة في كل مرّة إلا أن يكون في الأمر ما يأتي:
ـ ومنها أنّ العيب الأعظم أن يتصدّر العامي أو طالب العلم مجالس فقه الواقع بحجّة تقصير العلماء فيه؛ وهذا خطأ لأنّ الله حين نعى عليهم إذاعة الأخبار، لم يأمرهم بتحليلها ولكن بردّها إلى أهلها كما قال سبحانه: {ولَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.
وفي مخالفة هذه الآية خيانة للأمانة التي أمر الله بأدائها إلى أهلها {ِإنّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِه}، وفي مخالفتها خراب الدنيا، فعن أبي هريرة قال: بينما النبي في مجلس يحدّث القوم جاءه أعرابيّ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله يحدّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: » أين ـ أُراه ـ السائل عن الساعة؟ «، قال: ها أنا يا رسول الله! قال: » فإذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة «، قال: كيف إضاعتها؟ قال: » إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة « رواه البخاري..
فعجباً لقوم وسّدوا هذه الأمور إلى طلبة العلم! بانين على أوهام الشباب علاليَ وقصورا، فتارة يريدون مجلساً للشّورى بالسعودية للتسلل فيه، وتارة يريدون لجنة لحقوق الإنسان الشرعيّة، ونهايتها التّملّص بل التّخلّص من جمود هيئة كبار العلماء زعموا! وكان عاقبة ذلك خسرا.
وهاك ضياء من هدي السّلف :
ـ عن يحيى بن يَعْمَر قال: " كان أوّل من قال بالقدر بالبصرة مَعْبَد الجُهني، فانطلقتُ أنا وحُميد بن عبد الرّحمن الحِمْيَري حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله e فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطّاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أنّ صاحبي سيكِل الكلام إليّ فقلتُ: أبا عبد الرّحمن! إنّه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقَفَّرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأنّ الأمر أُنُف.قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنّي بريء منهم، وأنهم برآء منّي.والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أنّ لأحدهم مثل أُحد ذهبا فأنفقه، ما قُبِل منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدّثني أبي عمر بن الخطّاب قال: بينما نحن عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب، شديد سواد الشّعر، لا يُرَى عليه أثر السّفر ولا يعرفه منّا أحد، حتى جلس إلى النبي ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال
رسول الله : » الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا «، قال: صدقتَ، فعجبنا له يسأله ويصدّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: »" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه «، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: » أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك «"، قال: فأخبرني عن الساعة قال:» ما المسئول عنها بأعلم من السائل « قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: » أن تلد الأَمَةُ رَبَّتَها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان «، قال: ثم انطلق، فلبث مليّا ثم قال لي:» يا عمر أتدري من السائل؟ « قلت: الله ورسوله أعلم، قال:»" فإنّه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم « رواه مسلم.
والشاهد منه أنهم حين واجههم واقع لا يعرفونه من قبل وهو ظهور القدر، عرفوا أنّ أصحاب رسول الله e هم مرجعهم في علاجه لأنهم أعلم الخلق يومئذ، بل جاء في رواية أنهم لَقوا بعض الصحابة فلم يسألوهم وإنما قصدوا أعلمهم يومئذ؛ فقد قال الراوي: " فلما أتينا المدينة لقينا
أناساً من الأنصار فلم نسألهم؛ قلنا: حتى نلقَى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري ... "، ولذلك وجدتُ العلامة محمد ابن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ بوَّب لهذا الحديث في » كتاب التوحيد « بقوله: " باب ما جاء في القدَر " وذكر فيه مسائل منها قوله: " الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء ".
قلت: ومِن قَبله بوّب النسائي له في (( السنن الكبرى )) (3/446) بقوله:
" توقير العلماء " لما فيه من توقير جبريل للنبي ، فاجعل من السلف قدوتَك تكن سلفيّا وإلا ...
يتبع
التعديل الأخير تم بواسطة أحمد سالم ; 23 Jul 2010 الساعة 04:49 AM
|