
15 Jul 2010, 10:14 PM
|
|
موقوف
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: الجزائري مقيم في فرنسا
المشاركات: 608
|
|
--------------------------------------------------------------------------------
لست أعني بهذا الفصل ظاهره المتبادر إلى الذهن فحسب؛ لأنه شيء معلوم للمسلمين عِلما نظريًّا على الأقل، ولكنه كلمة إلى أولئك الذين لم يقنعوا بدعوة الكتاب والسنة، حين رأوا تألُّب قُوَى الكفر والنفاق على ديار المسلمين، من يوم الأندلس وفلسطين الفقيدتين، إلى يوم البوسنة والهرسك الجريحتين، وازداد المسلمون وهنًا على وهن حين قلَّت عنايتهم بمصدر قوّتهم: الكتاب والسنة، وهانوا على الله حين ساء ظنهم بهما، إذ تصوَّروا ضعف أثرهما في النفوس، وأن دعوة المسجد قاصرة عن بعث الأمة إلا ببطء لا يكافيء النشاط الرهيب والمتنوّع الوسائل الذي يقوم به الشيوعيون واليهود والنصارى ...
وهذه الدعوى ـ إن كان فيها حق ـ فيكفي أصحابها إثما أن صرفوا وجوه النشء عن العكوف على الوحيين حفظا وتعلُّما وتعليما، ولئن حبسوا أنفسهم لتعليم الناس دينهم، فقلَّما ينزعون بآية أو حديث إلا تبرُّكا، وإلا فحسن ظنهم بكلامهم زهَّدهم في كلام الله وكلام رسوله e، ووالله ثم والله ثم والله إن أحدهم ليجد في أُنشودة من الخشوع، ما يفقده مع كلام ربّ الأرباب، ولو كانت الطير لكانت محشورة كل له أوّاب.
أين هم الذين يعلّمون القرآن بتفسيره الأثري؟
أين هم الذين أحيوا طريقة السلف في تسميع الحديث النبوي والتقليل من الكلام البشري؟
ألا تعلمون أن الكفار لا يقدرون عليكم ما دمتم تتلُون الوحيين؟ قال الله تعالى: {يأَيُّها الَّذِينَ ءامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتلَى علَيْكُمْ ءَاياتُ اللهِ وفِيكُمْ رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِم ِباللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، وفي هذا السياق الكريم فائدتان هما:
الأولى: عصمة أتباع الوحيين من الكفر، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
" يعني أن الكفر بعيدٌ منكم وحاشاكم منه؛ فإن ءايات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهاراً، وهو يَتْلوها عليكم ويُبلِّغها إليكم "().
والثانية: أن الله تعالى اقتصر على ذكر أعظم كيد يدبِّره الكفار للمسلمين وهو إرادة تكفيرهم، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ}، فكأن الله يقول: مهما كان مكرهم الكبار الذي تزول منه الجبال قال تعالى: {وإن كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ}، فإن إيمانكم لا يزول ما أقمتم على تلاوة الوحي كتابا وسنة.
وليس هذا غريبا على من أيقن بقلبه أن الله جعل معين الحياة في الوحي فقال: {يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.
وأعظم الحياتَيْن حياةُ القلب، وأحيا الناس أَتْبَعُهم للوحي، وهو آمَنُهم من الضلال، وبهذا يَدِقّ فهمك لقول الرسول e: » تركتُ فيكم شيئين لن تَضلّوا بعدهما: كتابَ الله وسنتي، ولن يتفرَّقا حتى يَرِدا علي الحوض « رواه الحاكم ومالك وهو حسن.
وقال أبو بكر الصديق t: " لستُ تاركا شيئا كان رسول الله e يعمل به إلا عملتُ به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ " رواه البخاري ومسلم.
فهذا صدِّيق الأمة يخشى على نفسه الانحراف عن الصراط المستقيم إن هو فرَّط في شيء من هدي النبي e ـ مع أنه كان شديد التمسك بما دَقَّ وجَلَّ من سنة نبيِّه e ـ فكيف قرَّت أعْيُن المبتدعة وهدأت جفونهم، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة أنه قال: لما توفِي رسول الله e واستُخلِف أبو بكر بعده، كفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله e: » أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله «، فقال:
" والله! لأقاتلنّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله e لقاتلتهم على منعه "، فقال عمر: " فوالله! ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفتُ أنه الحق".
فتأمل هذا الحرص الشديد على أداء الواجب بكل تفاصيله التي كانت على عهد رسول الله e، ولو كانت في تقديم أحقر شيء.
ولما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام أتبع الخلق للوحي اقترن بهم مِن تأييد الله أكمله، كما قال الله تعالى: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} وقال: {ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا المُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ. وإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} وقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ ءَاَمُنوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}().
ومن كان لهم متَّبِعاً كان له مِثْلُ ما لهم من التأييد والنصرة، قال الله تعالى لموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم ولأتباعهما: {أَنتُمَا ومَن اتَّبَعَكُمَا الغَالِبُون}، وقال لعيسى e ولأتباعه: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ}.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " فلما كان للنصارى نَصيبٌ ما مِن اتِّباعه كانوا فوق اليهود إلى يوم القيامة، ولما كان المسلمون أَتْبَع له من النصارى كانوا فوق النصارى إلى يوم القيامة "().
وقال ابن تيمية: " ولهذا كل من كان متّبعا للرسول كان الله معه بحسَب هذا الاتباع، قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَك مِنَ المُؤْمِنِينَ}، أي حسْبك وحسْبُ مَن اتَّبعك، فكلُّ مَن اتَّبَع الرسولَ مِن جميع المؤمنين فالله حسْبه، وهذا معنى كون الله معه، والكفاية المطلقة مع الاتِّباع المطلق، والناقصة مع الناقص، وإذا كان بعض المؤمنين به المتبعين له قد حصَل له مَن يعاديه على ذلك فالله حسْبُه، وهو معه وله نصيب من قوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}، فإن هذا قَلْبُه موافِقٌ للرسول وإن لم يكن صحِبَه ببدنه، والأصل في هذا القلب، كما في الصحيحين عن النبي e أنه قال:
(( إنّ بالمدينة رجالاً ما سِرْتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلاَّ كانوا معكم ))، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: (( وهم بالمدينة، حبَسهم العذرُ ))()، فهؤلاء بقلوبهم كانوا مع النبي e وأصحابه الغزاة، فلهم معنى صُحبته في الغزاة، فالله معهم بحسَب تلك الصحبة المعنوية "().
وقد صدق ـ رحمه الله ـ؛ فإن في القرآن ما يدل على أنهم صحبوهم بباطنهم، وذلك أنهم حين أَتَوا ليحملهم النبي e معه إلى الجهاد ردَّهم؛ لأنه لا يملك ما يحملهم عليه، رجعوا وقلوبهم متحرِّقة وعيونهم دامعة على ذلك حتى وصفهم الله بقوله: {ولاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}.
ثم قال ـ رحمه الله ـ: " ولو انفرد الرجل في بعض الأمصار والأعصار بحق جاء به الرسول، ولم تنصُرْه الناس عليه، فإن الله معه، وله نصيب من قوله: {إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الغَاِر إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}، فإن نصر الرسول هو نصر دينه الذي جاء به حيث كان ومتى كان، ومن وافقه فهو صاحبه عليه في المعنى، فإذا قام به ذلك الصاحب كما أمر الله فإن الله مع ما جاء به الرسول ومع ذلك القائم به، وهذا المتبع له: حسْبُه الله، وهو حسْبُ الرسول كما قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} "().
وعن ابن مسعود قال: صلى رسول الله e العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاءِ مكةَ فأجلسه ثم خَطَّ عليه خطا ثم قال:» لا تَبْرَحَنَّ خطك فإنه سينتهي إليك رجالٌ، فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك «، قال: ثم مضى رسول الله e حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزُّطُّ():أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورة ولا أرى قشرا، وينتهون إليّ لا يجاوزون الخط، ثم يَصدرون إلى رسول الله e، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله e قد جاءني وأنا جالس، فقال:» لقد أراني() منذ الليلة «، ثم دخل علي في خطي فتوسَّد فخذي فرقد، وكان رسول الله e إذا رقد نفخ، فبيْنا أنا قاعد ورسول الله e متوَسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إلي، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله e وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأيْنا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبيّ: إنّ عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلا مَثَلَ سيِّد بنى قصرا، ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبْه عاقبه أو قال عذّبه، ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله e عند ذلك فقال:
(( سمعتَ ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هؤلاء؟ )) قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (( هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟ )) قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (( المثل الذي ضربوا: الرحمن تبارك وتعالى بنى الجنة ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه أو عذّبه ))().
فأنت ترى في هذه القصة العظيمة أن استجابة ابن مسعود لرسول الله e حين أمره بلزوم مكانه دفعت عنه شر قوم جاؤوه في أبشع صورة، مع أنه لم يكن بينه وبينهم سوى خطّ لو جاءت عليه الريح لعفى أثره، لكنه ليس كبقية الخطوط، إنه خط السنة: من لزمه كفاه الله ما نابه.
وإذ قد بيَّنتُ أدلة تثبيت الله لأمة المتابعة ونصره إياها، فلا بأس أن أسوق هنا قصة تشهد للأمرين جميعا، وفيها منقبة عظيمة لأبي بكر الذي حفظ الله به الدين ونصره بعد رسول الله e، حتى قال أبو هريرة t:
" والله الذي لا إله إلا هو لولا أبو بكر استُخلف ما عُبد الله "، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أباهريرة! فقال: " إن رسول الله e وَجَّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قُبض رسول الله e وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله e فقالوا: يا أبا بكر! رُدَّ هؤلاء، تُوجِّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدَّت العرب حول المدينة؟! فقال: " والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله e ما رددتُ جيشا وجَّهه رسول الله e، ولا حلَلْتُ لواء عَقَده رسولُ الله "، فوجَّه أسامة، فجعل لا يمرّ بقبيلٍ يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أنَّ لهؤلاء قوة ما خرج مِثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندَعهم حتى يَلقوا
الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على
الإسلام "().
هذا هو تمسك أبي بكر بالسنة على الرغم من فاجعة موت رسول الله e وفاقرة ارتداد العرب، أضف إليهما تثبيط الناس له انطلاقا من العقل الذي يقضي بما قضوا به، ولكن الشرع الذي تعلَّمه أبو بكر من النبي e هو الذي هداه إلى ما شحَّت به قرائحُهم؛ ألا وهو خوفُه t من تأخير ما قدَّمه رسول الله e، فكانت عاقبة التمسك بالسنة الانتصار على العدو والثبات على الإسلام.
تنبيه:
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: " وقد حقق العلماءُ أن غلبة الأنبياء على قسمين: غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أُمروا منهم بالقتال في سبيل
الله ..."().
ولهذا قرر العلماء أن المؤمنين المستضعفين اليوم في مجتمعاتهم؛ الذين لا يؤمرون بالقتال، هم منتصرون بالحجة العلمية التي تدمغ كل
باطل وجدال، وأما الذين لهم القوة والسلطان فيؤمرون به لتتأيَّد
الحجة بالسنان، وعلى هذا فالحجة العلمية غالبة في كل زمان، والحمد لله
على هذا.
ولما كان أهل الحديث أقوى الناس حجة؛ لأنهم أعلمهم بالقرآن كما قال عمر بن الخطاب: " إن ناسا يجادلونكم بشُبَه القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله U "()، ولما كانوا أعلمهم بهدي النبي e، كانوا أتبعهم للكتاب والسنة، فلا يستغرِبنّ خلفيّ أن تجتمع كلمة أهل العلم على تفسير الطائفة المنصورة بأهل الحديث في قوله e: » من يُرِد الله به خيرا يفقِّهه في الدين ... ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ... ))()،
مع أنه لا يخفى على الحصيف ارتباط الجملة الأولى ـ التي هي الفقه في
الدين ـ بالأخرى ـ التي هي انتصار هذه الطائفة ـ وهو من جوامع كلمه e().
تهديد مخالف الرسول بالزيغ أو الكفر
ما دام قد كتب الله لأتباع نبيّه e الثبات على الدين، فقد جعل مخالفيه على خطر من دينهم فقال: {وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً}، قال ابن القيم: " توَعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} اعتذَروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق ..."().
وثالثة الأثافي أن هذه المصيبة قد تصيب من دين المرء مقتلا حتى يكفر، قال ابن تيمية عند قول الله U: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : " أمر مَن خالف أَمْرَه أن يحْذَر الفتنة، والفتنة: الرِّدة والكفر، قال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} ... قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: " نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول e في ثلاثة وثلاثين موضعا "، ثم جعل يتلو: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وجعل يكررها ويقول: " وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبُه
فيهلكه "، وجعل يتلو هذه الآية: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}.
وقال أبو طالب المشكاني: وقيل له : إن قوما يدَعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: " أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته، يدَعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}! وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: {والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ}، فيدَعون الحديثَ عن رسول الله e وتغلبهم أهواؤُهم إلى الرأي، فإذا كان المخالف عن أمره قد حُذِّر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم، دلّ على أنه قد يكون مفضياً إلى الكفر أو العذاب
الأليم ... "().
ومن الكلمات السائرة عند السلف قولهم: " أسرع الناس رِدَّة أصحابُ الأهواء "().
ولما كان أصل كفر أهل الكتاب من جهة مخالفة الرسل قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم}، وفي هذا السياق الكريم فائدتان:
الأولى: أن سبب كفرهم هو تعظيمهم علماءهم حتى غضّوا من حق الله ورسوله في التحاكم إليهما، فعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النبي e وفي عنقي صليب من ذهب، فقال:» يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن «، وسمعته يقرأ من سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ}، قال: (( أمَا إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أَحلُّوا لهم شيئا استحلّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئا حرَّموه ))().
والثانية: أن في الاقتصار على التنديد بصنيع اليهود والنصارى تنبيها على قسمي المخالفة للرسل لا ثالث لهما، وهما:
ـ التفريط: الذي هو النصيب الأوفر لليهود مؤذي الأنبياء وقتَلَتِهم.
ـ الإفراط: الذي هو النصيب الأوفر للنصارى ذوي الغلوّ.
وهذا من إعجاز القرآن العظيم. وقد جاء التحذير منهما مقترنين في حديث واحد، هو قول الرسول e:» دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم « متفق عليه.
فقوله: " بكثرة سؤالهم « في الإفراط والغلو.
وقوله: » واختلافهم على أنبيائهم « في التفريط والتقصير.
ولذلك أورده البخاري في " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة "()، وهو من جوامع كلمه e.
ولما كانت المتابعة بهذه الدقة لم يمدح الله تعالى المؤمنين بمجردها، بل بإحسانها فقال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينِ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}، أي هي متابعة ظاهرة وباطنة، ومن كان كذلك فأخذ منه الشيطان نصيبا من الطاعة، أسرع الأَوْبة ونفعته التوبة؛ كما وصف الله المهاجرين والأنصار بذلك؛ لأن مخالفتهم لم تكن متأصِّلة في قلوبهم، وسرّ هذه العناية الربانية بهم ما عُرِفوا به من المتابعة التامة، فتأمَّل إخبار الله عن حفظ قلوبهم من الزيغ بسبب صدقهم في المتابعة في وقت العسرة قال الله U: {لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيَّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ}، فلْيحذر الذين هم على ظاهر السنة دون باطنها، وكذا العكس.
تعجيل الهزيمة لمخالفي الرسل
يتبع
|