عرض مشاركة واحدة
  #21  
قديم 15 Jul 2010, 10:08 AM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي بابٌ من الشِّرك النَّذرُ لغير الله

بابٌ من الشِّرك النَّذرُ لغير الله

النَّذر لغير الله مثل أن يقول: "لفلان عليَّ نذرٌ"، أو "لهذا القبر عليَّ نذرٌ"، تقرُّبًا.
والفرق بينه وبين نذر المعصية:
أن النَّذر لغير الله ليس لله أصلاً، ونذر المعصية لله؛ ولكنَّه على معصية من معاصيه، مثل أن يقول: "لله عليَّ نذرٌ أن أفعل كذا وكذا من معاصي الله"، فيكون النَّذر والمنذور معصِيةً.
ونظير هذا:
ـ الحلِف بالله على شيءٍ محرَّمٍ. نحو: "والله لأسرقن".
ـ الحلِف بغير الله. نحو: "والنَّبِيِّ لأفعلَنَّ كذا وكذا
ـ نذر المعصية.

[حكم النذر لغير الله]:
وحكم النَّذر لغير الله شركٌ؛ لأنه عبادة للمنذور له، وإذا كان عبادَةً، فقد صرَفها لغير الله، فيكون مشرِكًا.
وهذا النَّذر لغير الله لا ينعقِد إطلاقًا، ولا تجِب فيه كفَّارةٌ، بل هو شِركٌ تجِب التَّوبة منه، كالحلِف بغير الله؛ فلا ينعقِد وليس فيه كفَّارةٌ.
وأمَّا نذر المعصِية؛ فينعقِد ولكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفَّارة يمين، كالحلِف بالله على المحرَّم ينعقِد، وفيه كفَّارةٌ.

وقول الله تعالى: "يُوفُونَ بِالنَّذرِ" [الإنسان: 7]


قوله: "يُوفُونَ بِالنَّذرِ"، هذا مدحٌ للأبرار، وهو يقتضي أن يكون عبادَةً؛ لأنَّ الإنسان لا يُمدَح ولا يستحِقُّ دخول الجنَّة إلاَّ بفِعل شيءٍ يكون عبادَةً.
[تعقِيبٌ مفِيدٌ]
ولو أعقَب المؤلِّف هذه الآية بقوله تعالى: "وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم" [الحج: 29] لكان أوضح؛ لأنَّه أمرٌ، والأمر بوفائِه يدلُّ على أنَّه عبادَةٌ؛ لأنَّ العِبادة "ما أُمِر به شرعًا".

وجه استِدلال المؤلِّف بالآية على التَّرجمة:
أنَّ الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله مِن الأسباب الَّتي بها يدخُلون الجنَّة، ولا يكون سببًا يدخُلون به الجنَّة إلاَّ وهو عبادَةٌ، فيقتضي أنَّ صرفَه لغير الله شِركٌ.

وقوله: "وَمَا أَنفَقتُم مِن نَفَقَةٍ أَو نَذَرتُم مِن نَذرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعلَمُهُ" [البقرة: 270].


قوله: "ما": شرطية، و"أَنفَقتُم أَو نَذَرتُم مِن نَذرٍ": فعل الشَّرط، وجوابه: "فَإِنَّ اللهَ يَعلَمُهُ".
والنَّفقة: بذل المال، وقد يكون في الخير، وقد يكون في غيره.
وتعليق الشَّيء بعِلم الله دليلٌ على أنَّه محلُّ جزَاءٍ؛ إذ لا نعلَم فائِدةً لهذا الإخبار بالعِلم إلاَّ لترتُّب الجزاء عليه، وترتُّب الجزاء عليه يدلُّ على أنَّه من العِبادة الَّتي يُجازَى الإنسان عليها.
وهذا وجه استِدلال المؤلِّف بهذه الآيَة.

وَفِي "الصَّحِيح" عَن عائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قال: "مَن نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللهَ، فَلْيُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أَن يَعصِيَ اللهَ، فَلاَ يَعصِهِ". [رواه البخاري].


قوله: "مَن نَذَرَ"، شرطية تفيد العُموم، وهل تشمل الصَّغير؟
قال بعض العلماء: تشمَلُه؛ فينعقِد النَّذر منه.
وقيل: لا تشمَلُه؛ لأنَّ الصَّغير ليس أهلاً للإلزام ولا للاِلتزام، وبناءً على هذا يخرُج الصَّغير من هذا العموم؛ لأنَّه ليس أهلاً للإلزام ولا للالتزام.

قوله: "أَن يُطِيعَ اللهَ"، الطَّاعة: هي فعل المأمور به، وترك المنهي عنه.

قوله: "فَلْيُطِعْهُ"، ظاهره: يشمل ما إذا كانت الطَّاعة المنذورة جنسها واجب، كالصلاة والحج وغيرهما، أو غير واجب، كتعليم العلم وغيره.
وظاهره أيضًا أنه يشمل:
ـ النَّذر المطلَق: ليس له سبَبٌ، مثل: "لله عليَّ أن أصوم ثلاثة أيَّام".
ـ النَّذر المعلَّق: معلَّقٌ بحصول سبَبٍ، مثل: "إن نجَحتُ، فلِله عليَّ أن أصوم ثلاثة أيَّامٍ".

[حُكم النَّذر]
واعلم أنَّ النَّذر لا يأتي بخيرٍ ولو كان نذر طاعَةٍ؛ و"إِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ"، ولهذا نهى عنه النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ، وبعض العلماء يحرِّمه.
وإليه يمِيل شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة للنَّهي عنه، ولأنَّك تُلزِم نفسك بأمرٍ أنت في عافِيةٍ منه، وكم من إنسانٍ نذَر وندِم، وربَّما لم يفعل.
ويدلُّ لقوَّة القَول بتحريم النَّذر:
ـ قوله تعالى: "وَأَقسَمُوا بِاللهِ جَهدَ أَيمَانِهِم لَئِن أَمَرتَهُم لَيَخرُجُنَّ"، فهذا التِزامٌ مؤكَّدٌ بالقَسَم فيُشبِه النَّذر، "قُل لاَ تُقسِمُوا طَاعَةٌ مَعرُوفَةٌ" [النور: 53]، أي: عليكم طاعةٌ معروفةٌ بدون يمِينٍ، والإنسان الَّذي لا يفعل الطَّاعة إلا بالنَّذر، أو حلَف على نفسِه يعني أنَّ الطَّاعة ثقِيلةٌ عليه.
ـ أنَّ النَّاذر كأنَّه غير واثقٍ بالله ـ عزَّ وجلَّ ـ؛ فكأنَّه يعتقد أنَّ الله لا يُعطِيه الشِّفاء إلاَّ إذا أعطاه مقابَلةً، ولهذا إذا أيِسوا من البُرء ذهبوا ينذُرون، وفي هذا سُوء ظنٍّ بالله ـ عزَّ وجلَّ ـ.
والقَول بالتَّحريم قولٌ وجِيهٌ.
فإن قِيل: كيف تحرِّمون ما أثنى الله على مَن وفَّى بِه؟
فالجواب: أنَّنا لا نقول: إنَّ الوَفاء هو المحرَّم حتَّى يقال: إنَّنا هدمنا النَّص، إنَّما نقول: المحرَّم أو المكرُوه كراهَةً شديدةً هو (عقد النَّذر)، وفرقٌ بين عَقدِه ووفائِه، فالعقد ابتِدائيٌّ، والوفاء في ثاني الحال تنفيذٌ لما نذر.

قوله: "وَمَن نَذَرَ أَن يَعصِيَ اللهَ؛ فَلاَ يَعصِهِ"، لا: ناهية، والنَّهي بحسب المعصِية؛ فإن كانت المعصِية حرامًا، فالوفاء بالنَّذر حرامٌ، وإن كانت المعصِية مكروهَةً، فالوفاء بالنَّذر مكروهٌ؛ لأنَّ المعصِية الوقوع فيما نهي عنه، والمنهيُّ عنه ينقسِم عند أهل العلم إلى قسمين: منهِيٌّ عنه نهيَ تحرِيمٍ، ومنهيٌّ عنه نهيَ تنزِيهٍ.

كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.

رد مع اقتباس