
07 Jul 2010, 07:31 AM
|
|
|
بَاب لا يُذبَح لله بمكانٍ يُذبَح فيه لغَير الله
بَاب لا يُذبَح لله بمكانٍ يُذبَح فيه لغَير الله
هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون، ففي الباب السابق ذكر الذبح لغير الله، فنفس الفعل لغير الله.
ومثاله: مَن يريد أن يضحِّي لله في مكان يُذبح فيه للأصنام، فلا يجوز أن يذبح فيه؛ لأنه موافقة للمشركين في ظاهِر الحال، وربما أدخل الشَّيطان في قلبه نيَّةً سيِّئةً، فيعتقد أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذا خطر.
وقول الله تعالى: "لاَ تَقُم فِيهِ أَبَدًا" الآية [التوبة: 108].
قوله: "لاَ تَقُم فِيهِ"، أي: مسجد الضرار؛ حيث بني على نية فاسدة، قال تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسجِدًا ضِرَارًا وَكُفرًا وَتَفرِيقًا بَينَ المُؤمِنِينَ وَإِرصَادًا لِمَن حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ" [التوبة: 107]، والمتَّخِذون هم المنافقون، وغرضهم من ذلك:
1- مضارَّة مسجِد قباء: ولهذا يسمَّى مسجد الضِّرار.
2- الكفر بالله: لأنَّه يُقرَّر فيه الكفر ـ والعياذ بالله ـ؛ لأنَّ الَّذين اتَّخذوه هم المنافقون.
3- التَّفريق بين المؤمنين: فبدلاً من أن يصلِّي في مسجد قُباء صفٌّ أو صفَّان يصلِّي فيه نِصفُ صفٍّ، والباقون في المسجد الآخر، والشَّرع له نظر في اجتِماع المؤمنين.
4- الإرصاد لمن حارَب الله ورسُولَه؛ يقال: إنَّ رجلاً ذهب إلى الشَّام، وهو أبو عامر الفاسِق، وكان بينَه وبين المنافقين الَّذين اتَّخذوا المسجِد مراسلات، فاتَّخذوا هذا المسجد بتوجِيهاتٍ منه، فيجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والخديعة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، قال الله تعالى: "وَلَيَحلِفُنَّ إِن أَرَدنَا إِلاَّ الحُسنَى" [التوبة: 107]، فهذه سنَّة المنافقين: الأيمان الكاذِبة.
والجواب على هذا اليمين الكاذب: "وَاللهُ يَشهَدُ إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ"؛ لأنَّه ما يعلَم ما في القلوب إلاَّ علاَّمُ الغُيوب.
قوله: "أَبَدًا" إشارَةٌ إلى أنَّ هذا المسجِد سيَبقى مسجِد نِفاقٍ.
قوله: "لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى"، في هذا التَّنكير تعظِيمٌ للمَسجد، بدليل قوله: "أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى"، أي: جعلت التَّقوى أساسًا له، فقام عليه.
قوله: "يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا"، بخلاف من كان في مسجد الضرار، فإنهم رجس، كما قال الله تعالى في المنافقين: "سَيَحلِفُونَ بِاللهِ لَكُم إِذَا انقَلَبتُم إِلَيهِم لِتُعرِضُوا عَنهُم فَأَعرِضُوا عَنهُم إِنَّهُم رِجسٌ" [التوبة: 95].
وطهارتهم تشمل طهارة القلب من النفاق والحسد والغل وغير ذلك، وطهارة البدن من الأقذار والنجاسات والأحداث.
وجهُ المناسَبة من الآية:
أنه لما كان مسجد الضِّرار مما اتُّخِذ للمعاصي ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، نهى اللهُ رسُولَه أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله، فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية، فلا تقام فيه الصلاة.
وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حرامًا، لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار.
وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس، فهذا باعتبار الزمن والوقت والحديث الذي ذكره المؤلف باعتبار المكان.
وَعَن ثَابِت بن الضَّحَّاك ـ رضي الله عنه ـ، قال: نذَرَ رَجُلٌ أن يَنحَر إِبِلاً ببُوَانَة، فسأَل النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: "هَل كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِن أَوثَانٍ الجَاهِلِيَّةِ يُعبَدُ؟". قالوا: لا. قال: "فَهَل كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِن أَعيَادِهِم؟". قالوا: لا. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أَوفِ بِنَذرِكَ، فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةِ اللهِ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَملِكُ ابنُ آدَمَ". رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.
قوله: "نَذَرَ"، النَّذر في اللغة: الإلزام والعهد.
واصطلاحًا: إلزامُ المكلَّف نفسَه لله شيئًا غيرَ واجِبٍ.
وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
قوله: "ببُوَانَة"، مكان يسمَّى بُوانَة.
قوله: "هَل كَانَ فِيهَا وَثَنٌ"، الوثَن: كل ما عُبِد من دون الله، من شجر، أو حجر، سواء نُحِت أو لم يُنحَت.
والصَّنم يختص بما صنعه الآدمي.
قوله: "الجَاهِلِيَّة"، نسبة إلى ما كان قبل الرسالة، وسميت بذلك، لأنهم كانوا على جهل عظيم.
قوله: "يُعبَدُ"، صفة لقوله: "وَثَنٌ"، وهو بيان للواقع، لأن الأوثان هي التي تعبد من دون الله.
قوله: "عِيدٌ"، العِيد: اسم لما يَعُود أو يتَكَرَّر، والعَود بمعنى الرُّجوع، أي: هل اعتاد أهل الجاهلية أن يأتوا إلى هذا المكان ويتخذوا هذا اليوم عيدًا، وإن لم يكن فيه وثَنٌ.
فسأَل النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.
فالشرك: هل كان فيها وثن؟
ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟
قوله: "أَوفِ بِنَذرِكَ"، هل المراد به المعنى الحقيقي أو المراد به الإباحة؟
الجواب: يحتمل أن يراد به الإباحة، ويحتمل أن يراد به المعنى الحقيقي، فبالنسبة لنحر الإبل المراد به المعنى الحقيقي.
وبالنسبة للمكان المراد به الإباحة، لأنه لا يتعين أن يذبحها في ذلك المكان، إذ إنه لا يتعين أي مكان في الأرض إلا ما تميَّز بفضل، والمتميز بفضل المساجد الثلاثة، فالأمر هنا بالنسبة لنحر الإبل من حيث هو نحر واجب.
وبالنسبة للمكان، فالأمر للإباحة، بدليل أنه سأل هذين السؤالين، فلو أجيب بنعم، لقال: لا توف، فإذا كان المقام يحتمل النهي والترخيص، فالأمر للإباحة.
ثم علل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك بانتفاء المانع، فقال:
"فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةِ اللهِ"، أي: لا يمكن أن توفي بنذر في معصية الله، لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصيته، وليست المعصية مباحة حتى يقال افعلها.
وقوله: "وَلاَ فِيمَا لاَ يَملِكُ ابنُ آدَمَ" الَّذي لا يملكه ابنُ آدم يحتَمِل معنَيَين:
الأوَّل: ما لا يملك فعله شرعًا؛ كما لو قال: لله على أن أعتق عبد فلان، فلا يصح لأنه لا يملك إعتاقه.
الثَّاني: ما لا يملك فعله قدرًا؛ كما لو قال: لله عليّ نذر أن أطير بيدي فهذا لا يصح لأنه لا يملكه والفقهاء رحمهم الله يمثلون بمثل هذا للمستحيل.
الشاهد من الحديث: أن الذبح لله بمكان فيه معصية أو شرك لا يجوز؛ ولهذا استفسر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من السائل.
كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
|