
01 Jul 2010, 11:46 AM
|
|
|
نظرات في "لمحات"
نظرات في "لمحات":
أشكر الأخ هشام بن حسن ـ سدده الله ـ على تهييجه لمثل هذه المسائل، للتذاكر بين الطلبة؛ من غير تقليد! ولا تسفيه!
حتى ننشغل بما ينفعنا، ولا نخوض في "كل" ما يذكر على الساحة، والمنتديات.
حديث العجن:
قد وردت هيئة العجن عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، من طريق الأزرق بن قيس، وقد وردت بأسانيد مختلفة:
1 ـ أخرج إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (ص 525)؛ قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا يونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه في الصلاة إذا قام، فقلت له؟ فقال: رأيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ يفعُلُه.
2 ـ وأخرج الطبراني في "الأوسط" (4/ 213 ـ رقم 4007)؛ قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي، قال: نا عبد الله بن عمر بن [أبان]، قال: نا يونس بن بكير، قال: نا الهيثم بن علقمة بن قيس بن ثعلبة، عن الأزرق بن قيس به.
قال العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ: "وإسناده [أي: الحربي] حسن". ["الضعيفة": (2/392)].
3 ـ وأخرج البيهقي في "الكبرى" (2/194)؛ عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس نحوه، ـ وليس فيه ذكر العجن ـ وفيه: فقلت لولده ولجلسائه: لعلَّه يفعل هذا مِن الكِبَر؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون.
قال العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ: "وهذا إسناد جيد". ["الضعيفة": (2/392)]، وفي "صفة الصلاة" (ص 155): "إسناد صحيح".
أمَّا رواته:
ـ عبيد الله بن عمر: وثقه غير واحد، وأخرج له البخاري ـ كما ذكر الشيخ ـ. "تاريخ بغداد" (12/25). انظر: "التهذيب" (3/23).
ـ يونس بن بُكَير: وثقه بعضهم، وأخرج له البخاري تعليقا، وأما قول الحافظ في "التقريب" (ص 542): "صدوق يخطئ" ، فقد بيَّن الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في "تمام المنة" (ص 202) أنه ليس معناه على ما ذكر الشيخ بكر ـ رحمه الله ـ أنه ضعيف إن لم يتابع، بل المقصود أنه حسن الحديث كما جاء عن الذهبي. وانظر "التهذيب" (4/466).
ـ الهيثم: جاء في رواية الحربي مهملاً، وعند الطبراني: (الهيثم بن علقمة)، وذكره ابن رجب في "فتح الباري"؛ فقال في (7/293 ـ ط.الغرباء): (الهيثم بن علية)، وهو خطأ نبه عليه محققو الكتاب.
ـ عطية بن قيس: ثقة مقرئ، أخرج له البخاري تعليقا، ومسلم. "التقريب" (ص 333).
ـ الأزرق بن قيس: ثقة، أخرج له البخاري. "التقريب" (ص 37).
ـ موطن الخلاف:
إذًا؛ اختلف في (الهيثم)؛ هل هو: (الهيثم بن علقمة)، أو (الهيثم بن عمران)؟
ـ رجح العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ أنه ابن عمران بن عبد الله أبو الحاكم العبسي.
ذكره ابن حبان في "الثقات" (7/577)؛ فقال: "الهيثم بن عمران العبسي، من أهل دمشق، يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن خارجة".
وذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (74/114)؛ فقال: "العنسي".
وترجم له في "الجرح والتعديل" (9/82)؛ فسكت عنه، قال العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ: "لكن رواية هؤلاء الثقات الثلاثة عنه، ويضم إليهم رابع وهو الهيثم بن خارجة، وخامس وهو بن بكير، مما يجعل النفس تطمئن لحديثه؛ لأنه لو كان فيه شيء من الضعف لتبين في رواية أحد هؤلاء الثقات عنه، ولعرفه أهل الحديث كابني حبان وأبي حاتم، زد على ذلك أنه توبع على روايته هذه، كما تقدم قريبا من حديث حماد بن سلمة ونحوه، والله أعلم". ["الضعيفة": (2/392)].
إذًا؛ اعتمد الشيخ ـ رحمه الله ـ توثيق ابن حبان! على ما فيه!
ولهذا انتقده العلامة بكر أبو زيد ـ رحمه الله ـ في "الأجزاء الحديثية".
ونبَّه العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ على ذلك؛ فقال: "والخلاصة: أن توثيق ابن حبان يجِب أن يُتلقَّى بكثير من التحفظ والحذر لمخالفته العلماء في توثيقه للمجهولين، لكن ليس ذلك على إطلاقه كما بيَّنه العلامة المعلمي في "التنكيل" (1/ 437، 438) مع تعليقي عليه.
وإنَّ مما يجب التنبيه عليه أيضا أنه ينبغي أن يضم إلى ما ذكره المعلِّمي أمر آخر هام عرفته بالممارسة لهذا العلم، قلَّ من نبَّه عليه، وغفل عنه جماهير الطلاب؛ وهو أنَّ من وثقه ابن حبان، وقد روى عنه جمع من الثقات، ولم يأت بما ينكر عليه فهو صدوق يحتجُّ به". ["تمام المنة": (ص 25) بتصرف].
ولهذا حسَّن الشيخ ـ رحمه الله ـ الحديث؛ فإن الهيثم هذا قد وثقه ابن حبان، وقد روى عنه ثلاثة من الثقات؛ وهم: محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار، وسليمان بن شرحبيل، كم في "الجرح والتعديل" (9/82، 83).
وهذا التحسين مبني على ممارسة، وخبرة طويلة، وهذا ما يجعل بعضهم يطعن في تحسينه ـ رحمه الله ـ.
ولما توهم بعضهم أن كل من وثقه ابن حبان فهو مجهول الحال أو العين؛ ظنوا تحسين الألباني ـ رحمه الله ـ تناقضا، وهذا غير صحيح.
وقد دافع الألباني ـ رحمه الله ـ عن نفسه، وذكر الأمثلة على أن من روى عنه جماعة من المشايخ، ولم يأت بما ينكر فحديثه مقبول؛ فذكر:
ـ مالك بن الخير الزبادي: قال الذهبي ـ رحمه الله ـ في "الميزان" (6/5، 6 ـ رقم 7021): "محلُّه الصدق... روى عنه حيوة بن شريح، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين، قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته... يريد أنَّه ما نصَّ أحدٌ على أنَّه ثقة... والجمهور على أنَّ من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح".
وقال العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ: "وأقره على هذه القاعدة في "اللسان"، وفاتهما أنه في "ثقات" ابن حبان (7/460)".
قال الحافظ قال في "اللسان" (6/439): "وهذا الذي نسبه [أي: الذهبي] للجمهور لم يصرح به أحد من أئمة النقد، إلا ابن حبان. نعم هو حق في حق؛ من كان مشهورا بطلب الحديث والانتساب إليه، كما هو مقرر في علوم الحديث.
وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات" فهو ثقة عنده".
قال العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ: "وبناءً على هذه القاعدة ـ الَّتي منها كان انطلاقُنا في تصحيح الحديث ـ جرى الذَّهبي والعسقلاني وغيرُهما مِن الحفَّاظ في توثيق بعض الرُّواة الَّذين لم يُسبَقوا إلى توثيقهم مطلقًا؛ فانظر مثلا ترجمةَ أحمد بن عبدة الآملي في "الكاشف" للذَّهبي [(1/199) ـ ط.عوامة)]، و "التهذيب" للعسقلاني [(1/36)].
وأمَّا الَّذين وثَّقهم ابنُ حبَّان وأقرُّوه، بل قالوا فيهم تارةً: "صدوق"، وتارةً: "محلُّه الصِّدق" ـ وهي من ألفاظ التَّعديل كما هو معروفٌ ـ؛ فهم بالمئات، فأذكر الآن عشرةً منهم من حرف الألِف على سبيل المثال من "تهذيب التهذيب"، ليكون القرَّاء على بيِّنةٍ من الأمر".
ثم ساقهم الشيخ ـ رحمه الله ـ، وقال:
"كلُّ هؤلاء وثَّقهم ابنُ حبَّان فقط، وقال فيهم الحافظ ما ذكرته آنفًا من عبارَتَي التَّوثيق، ووافقه في ذلك غيرُه من الحفَّاظ في بعضِهم وفي غيرِهم من أمثالهم، ومِن عادته أن يقول في غيرِهم ـ ممَّن وثَّقهم ابنُ حبَّان ـ ممَّن روى عنه الواحِد والاثنان: "مستور" أو "مقبول"، كما حقَّقته في موضعٍ آخر.
فأخشى ما أخشاه أن يبادِر بعضُ من لا علم عنده إلى القول: إنَّ الحافِظ قد جارَى ابنَ حبَّان في تساهُله في توثيق المجهولِين". ["تمام المنة": (ص 205، 206)].
هذا كلام الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ.
فتبين منه:
أنَّ ادِّعاء! جهالة الحال أو العين في مثل (الهيثم) لا يقوم، ولو أفادك به بعض مشايخك!
وأما قولك:
ـ "أنَّ الهيثم خالف حماد بن سلمة"؛ فأين وجه المخالفة؟! أليس قوله: "يعجن" قد فسره بـ: "يعتمد على الأرض"؟! ولهذا قال الشيخ محمد بازمول ـ حفظه الله ـ: "وحديث العجن إذن ليس فيه زيادة وصف، أو عمل في الصلاة؛ إذ الاعتماد على الأرض عند النهوض يصح لأن يكون ببطن الكف، كما يصح أن يكون بظهر الكف والأصابع مجموعة، بل هذا الثاني هو الأظهر ـ والله أعلم ـ؛ إذ بها يكون الاعتماد". [(شرح صفة الصلاة": (ص 277)].
فليس هناك تعارض بين: "يعتمد على الأرض"، و"يعجن".
ـ "وممَّا يقدح في رواية الهيثم أنه لم يرد في أيٍّ من دواوين السُّنة المعروفة": ينبغي أن نعرف أن العبرة بصحة السند، لا بوجود الحديث في دواوين السنة، وقد ذكر أهل الحديث في كتب الاصطلاح (الصحيح في غير الصحيحين) وذكروا قاعدة الألخذ بالأحاديث في الكتب المسندة، ولم يشترطوا أن يشتهر في الكتب الستة، أو الصحاح، أو المسانيد، إلا ما ذكر عن ابن الصلاح من تضييق في المسألة، وقد تعقبه بعض من ألف على "مقدمته".
ولو سلمنا بهذا الكلام؛ فإن العجن هو بيان صفة لا زيادة عمل لم يرد في دواوين السنة المشهورة، كما أشار إلى ذلك الشيخ بازمول ـ حفظه الله ـ.
ـ "لا يعلم من قال من المتقدمين بهذه الهيئة": هذا أجاب عليه العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ؛ فقال ـ بعد سوقه لكلام الحافظ في "التلخيص" ـ: "فلم يقف على هذا الحديث المرفوع صراحة، مصداقا للقول المشهور: كم ترك الأول للآخر، فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله".
وهذا التحقيق الذي تفرد به العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ قد أقر بمثله الشيخ العلامة بكر ـ رحمه الله ـ في "الأجزاء الحديثية"، ولا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أولوا الفضل.
وهذا آخر ما أردت نقله من كلام العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة، والأمر فيه سعة، لكن ينبغي التنبه إلى أن بعض من لا خلاق لهم يتسللون من هذه المسائل لمنصة الطعن في منهج العلامة ـ الألباني ـ رحمه الله ـ، لكن:
يبقى الألباني هو الألباني.
ويبقى هؤلاء في الإبهام والإهمال مغمورين.
فاللهم ارحم العلامة الألباني، واكتب له الأجر العظيم على ما خدم به سنة نبيك ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وأسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
|