
29 Jun 2010, 10:28 AM
|
|
|
بَابُ ما جاءَ في الذَّبح لغَيرِ اللهِ
بَابُ ما جاءَ في الذَّبح لغَيرِ اللهِ
قوله: "في الذَّبح"، أي: ذبح البهائم، [أو غيرها مما يتقرب به].
قوله: "لغَير اللهِ" أي: قاصدًا بذبحه غيرَ الله؛ من الأنبياء، والملائكة، والأولياء، وغيرهم.
والذَّبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
أن يذبح لغير الله تقرُّبًا وتعظيمًا؛ فهذا شركٌ أكبرُ مخرِجٌ عن الملَّة.
أن يذبح لغير الله فرَحًا وإكرامًاً؛ فهذا مباحٌ.
ومراد المؤلِّف هنا القِسم الأول.
فلو قدِم السُّلطان إلى بلدٍ، فذبحنا له، فإن كان تقرُّبًا وتعظيمًا؛ فإنَّه شركٌ أكبرُ، وتحرُم هذه الذَّبائح، وعلامة ذلِك: أنَّنا نذبحها في وجهِه ثمَّ ندعُها.
أمَّا لو ذبحنا له إكرامًا وضيافَةً، وطبخت، وأكلت، فهذا من باب الإكرام، وليس بشركٍ.
وقوله في التَّرجمة: "بابُ ما جَاء في الذَّبح لغير الله"، أشار إلى الدَّليل دون الحكم، ومثل هذه التَّرجمة يترجم بها العُلماء للأمور الَّتي لا يجزمون بحكمها، أو الَّتي فيها تفصيلٌ، وأمَّا الأمور الَّتي يجزمون بها؛ فإنَّهم يقولونها بالجزم، مثل (باب وجُوب الصلاة)، و(باب تحريم الغِيبة)، ونحو ذلك.
والمؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ لا شكَّ أنَّه يرى تحريم الذَّبح لغير الله على سبيل التَّقرُّب والتَّعظيم، وأنَّه شركٌ أكبَرُ، لكنَّه أراد أن يمرِّن الطَّالب على أخذ الحكم من الدَّليل، وهذا نوعٌ من التَّربية العلمِيَّة، فإنَّ المعلِّم أو المؤلِّف يدع الحكم مفتوحًا، ثمَّ يأتي بالأدلَّة لأجل أن يكِلَ الحكم إلى الطَّالب، فيحكم به على حسب ما سيق له من هذه الأدلَّة.
وقول الله تعالى: "قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ" الآية [الأنعام: 162-163]
قوله: "إِنِّ صَلاَتِي وَنُسُكِي"، النُّسك لغةً: العبادة، وفي الشَّرع: ذبح القربان.
ويُحمَل في الآية على المعنى الشَّرعي.
وقيل: تحمل على المعنى اللُّغوي؛ لأنَّه أعمُّ، فالنُّسك العبادة، كأنَّه يقول: أنا لا أدعو إلا الله، ولا أعبد إلا الله، وهذا عامٌّ للدُّعاء والتَّعبُّد.
فإنَّ الصَّلاة أعلى العِبادات البدنِيَّة، والذَّبح أعلى العبادات الماليَّة؛ لأنَّه على سبِيل التَّعظيم لا يقَع إلاَّ قربةً، هكذا قرَّر شيخ الإسلام ابن تيميَّة في هذه المسألة.
ويحتَاج إلى مناقشةٍ في مسألةٍ أنَّ القربان أعلى أنواع العِبادات المالية، فإنَّ الزَّكاة لا شكَّ أنَّها أعظَم، وهي عبادَةٌ مالِيَّةٌ.
قوله: "مَحيَايَ وَمَمَاتِي"، أي: حياتي وموتي، أي: التَّصرُّف فِيَّ وتدبِيرُ أمرِي حيًّا وميِّتًا لله.
وفي قوله: "صَلاَتِي وَنُسُكِي" إثباتُ توحِيد العِبادة، وفي قوله: "مَحيَايَ وَمَمَاتِي" إثباتُ توحيد الرُّبوبية.
قوله: "لله"، خبر إن، والله: علم على الذات الإلهية.
قوله: "رَبِّ العَالَمِينَ"، أي: ما سوَى الله، وسُمِّي بذلِك؛ لأنَّه علَمٌ على خالِقه.
والرَّبُّ هنا: المالك المتصرِّف، وهذه ربوبيَّةٌ مطلَقةٌ.
قوله: "لاَ شَرِيكَ لَهُ": في عبادتِه، ولا في ربوبيَّتِه، ولا أسمائِه وصفاتِه.
وقد ضلَّ من زعَم أنَّ لله شركاءَ؛ كمَن عبَد الأصنامَ، أو عيسى بنَ مريم ـ عليه السَّلام ـ، وكذلك بعضُ غلاة الشُّعراء الَّذِين جعَلُوا المخلُوقَ بمنزِلَة الخالِق، كقَول بعضِهم يخاطِبُ ممدوحًا له:
فَكُن كَمَن شِئتَ يَا مَن لا شبِيهَ لَهُ *** وكَيفَ شِئتَ فَمَا خَلقٌ يُدانِيكَ
وكقَول البُوصِيري في قصيدته:
يا أَكرَمَ الخَلقِ مَا لِي مَن أَلُوذُ بِهِ *** سِوَاكَ عِند حُلولِ الحادِث العَمَمِ
إِن لَم تَكُن آخِذًا يَومَ المعَادِ يَدِي *** فضلاً وإِلاَّ فقُل يَا زَلَّةَ القَدَمِ
فَإِنَّ مِن جُودِكَ الدُّنيَا وَضَرَّتَهَا *** وَمِن عُلُومِكَ عِلمَ اللَّوحِ وَالقَلَمِ وهذا من أعظم الشِّرك؛ لأنَّه جعل الدُّنيا والآخِرة من جُود الرَّسول، ومقتضاه أنَّ الله ـ جلَّ ذِكرُه ـ ليس له فيهما شيءٌ.
وقال: إنَّ "مِن عُلُومِكَ عِلمَ اللَّوحِ والقَلَمِ"، يعني: وليس ذلك كلَّ علومِك، فما بقي لله علمٌ ولا تدبيرٌ ـ والعياذ بالله ـ.
قوله: "وَبِذَلِكَ أُمِرتُ"، وإنَّما خصَّ بذلك؛ لأنَّه أعظم المأمورَاتِ، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشِّرك، فكأنَّه ما أُمِر إلاَّ بهذا، ومعلومٌ أنَّ مَن أخلَص لله تعالى، فسيقُوم بعبادَةِ اللهِ ـ سبحانه وتعالى ـ في جميع الأمور.
قوله: "وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ"، يحتمل أنَّ المراد الأوَّلِيَّة الزَّمنِيَّة، فيتعيَّنُ أن تكُون أوَّلِيَّةً إضافِيَّةً ويكون المراد: أنا أوَّل المسلمين من هذِه الأمَّة؛ لأنَّه سبقه في الزَّمن من أسلَمُوا.
ويحتمل أنَّ المراد الأوَّلِيَّةُ المعنوِيَّة، فإنَّ أعظم النَّاس إسلامًا وأتمَّهُم انقيادًا هو الرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فتكون الأوَّلِيَّة أوَّلِيَّةً مطلَقَةً.
والشَّاهِد مِن الآيَة: أنَّ الذَّبح لا بُدَّ أن يكُونَ خالِصًا لله.
وقوله: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ".
قوله: "فَصَلِّ"، الفاء للسَّببِيَّة عاطِفةٌ على قوله: "إِنَّا أَعطَينَاكَ الكَوثَرَ"، أي: بسَبب إعطائِنا لكَ ذلِك صلِّ لربِّك وانحَر شُكرًا له على هذِه النِّعمة.
والمراد بالصَّلاة هنا الصَّلاةُ المعروفة شرعًا.
وقوله: "وَانْحَرْ"، أي: اذبَح، أي اجعل نحرَك لله كما أنَّ صلاتَك له.
فأفادَت هذه الآية الكريمة أنَّ النَّحر من العبادَة، ولهذا أمرَ اللهُ به وقرَنَهُ بالصَّلاة.
ويدخُل فيه كلُّ ما ثبتَت مشروعِيَّتُه؛ وهي ثلاثة أشيَاء: الأضاحي، والهدايا، والعقائِق.
[والشَّاهِد مِن الآيَة: أنَّ الله أمرَ بالذَّبح؛ فهُو عبادَةٌ لا يجُوز أن تُصرَف لغَيره].
عن علِيٍّ ـ رضي الله عنه ـ، قال: "حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأَربَعِ كلِماتٍ: "لَعَنَ اللهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ وَالِدَيهِ، لَعَنَ اللهُ مَن آوَى مُحدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَن غَيَّرَ مَنَارَ الأَرضِ" رواه مسلم.
قوله: "كَلِمَاتٍ": قال شيخُ الإسلام: "لا تُطلَق الكلِمةُ في اللُّغة العربِيَّة إلاَّ على الجُملة المفِيدَة".
قوله: "لَعَنَ اللهُ"، اللَّعن مِن الله: الطَّرد والإِبعاد عن رَحمةِ الله.
ويحتمل أن تكون الجملة خبرِيَّةً، ويحتمل أن تكون إنشائِيَّة بلفظ الخبَر، والخبَرُ أبلَغ؛ لأنَّ الدُّعاء قد يُستَجاب، وقد لا يُستَجاب.
قوله: "مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ"، عامٌّ يشمل من ذبح بعيرًا، أو بقرَةً، أو دجاجَةً، أو غيرَها، ويشمل كلَّ مَن سِوى اللهِ؛ حتَّى لو ذبَح لنَبِيٍّ، أو مَلَكٍ، أو جِنِّيٍّ، أو غيرِهم.
قوله: "مَن لَعَنَ وَالِدَيهِ"، يشمَل الأبَ والأمَّ، ومَن فوقَهما.
والمسألة هنا ليسَت مالِيَّةً، بل هي من الحُقوق، ولعن الأدنى أشَدُّ مِن لعن الأعلَى؛ لأنَّه أولى بالبِرِّ، ولعنُه ينافِي البِرَّ.
ولعنُ الوالِدَين، أي: سبُّهما وشتمُهما، فاللَّعن من الإنسان السَّبُّ والشَّتم، لأنَّ النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له: كيف يلعَنُ الرَّجل والدَيه؟ قال: "يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" [البخاري ومسلم].
قوله: "مَن آوَى مُحدِثًا"، أي: ضمَّهُ إليه وحمَاهُ، والإِحداث: يشمَلُ الإِحداث في الدِّين؛ كالبِدَع، والإِحداث في الأَمرِ، في شؤون الأمَّة؛ كالجرائِم وشبهِها.
فمن آوى محدِثًا؛ فهو مَلعُونٌ، وكذا من ناصَرَهُم؛ لأنَّ الإِيواء أن تأوِيه لكفِّ الأذَى عنه، فمن ناصرَهُ، فهو أشدُّ وأعظَم.
قوله: "مَن غَيَّرَ مَنَارَ الأَرضِ"، أي: علاماتِها ومراسِيمَها الَّتي تحدِّدُ بين الجِيران، فمَن غيَّرَها ظُلمًا، فهو مَلعُونٌ، وما أكثَر الَّذِين يغيِّرونَ منارَ الأرضِ، لا سيما إذا زادَت قيمَتُها، وما علِمُوا أنَّ الرَّسولَ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يقول: "مَنِ اقتَطَعَ شِبرًا مِنَ الأَرضِ ظُلمًا؛ طُوِّقَهُ مِن سَبعِ أَرَضِينَ" [رواه مسلم].
والشَّاهِد مِن الحدِيث: أنَّ النَّبِيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لعَنَ مَن ذبَحَ لغَيرِ الله؛ فهو دلِيلٌ أنَّه مِن الكبائِر، بل هو مِن الشِّرك.
وعن طارِق بن شِهابٍ، أنَّ رسُولَ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: "دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ" قالوا: وكيفَ ذلِك يا رسُولَ الله؟ قال: "مَرَّ رَجُلاَنِ عَلَى قَومٍ لَهُم صَنَمٌ لاَ يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيئًا، فَقَالُوا لأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيسَ عِندِي شَيءٌ أُقَرِّبُهُ. قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَو ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ. فَقَالَ: مَا كُنتُ لأُقَرِّبَ لأَحَدٍ شَيئًا دُونَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ" رواه أحمد.
قوله: "عن طارِق بنِ شِهابٍ"
في الحديث علَّتان:
الأولى: أنَّ طارق بن شِهابٍ اتَّفقوا على أنَّه لم يسمَع من النَّبِيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، واختَلفُوا في صحبَتِه، والأكثرون على أنَّه صحابِيٌّ.
لكن إذا قُلنا: إنَّه صحابِيٌّ، فلا يضُرُّ عدَمُ سماعِه من النَّبِيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ لأنَّ مرسل الصَّحابي حجَّةٌ، وإن كان غيرَ صحابِيٍّ؛ فإنَّه مرسل غيرِ صحابِيٍّ، وهو مِن أقسام الضَّعيف.
الثَّانية: أنَّ الحديث مُعنعَنٌ من قِبَل الأعمَش، وهو من المدلِّسين، وهذا آفةٌ في الحديث.
فالحدِيث في النَّفس منه شيءٌ من أجل هاتَين العِلَّتين.
ثمَّ للحديث علَّةٌ ثالثةٌ، وهي أنَّ الإمام أحمَد رواه عن طارقٍ عن سَلمان موقوفًا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شَيبة، فيحتمل أنَّ سلمان أخذَهُ عن بني إسرائِيل.
قوله: "فِي ذُبَابٍ"، أي: بسَببِ ذُبابٍ، ونظيرُه قول النَّبِيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: "دَخَلَتِ النَّارَ امرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتهَا" أي: بسَببِ هِرَّةٍ.
قوله: "فَدَخَلَ النَّارَ"، مع أنَّه ذبَح شيئًا حقِيرًا لا يُؤكَل، لكن لمَّا نوَى التَّقرُّبَ به إلى هذا الصَّنم، صار مشرِكًا، فدخَل النَّار.
كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
|