عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06 Jun 2010, 10:51 AM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي بابُ ما جاءَ في الرُّقى والتَّمائم

بابُ ما جاءَ في الرُّقى والتَّمائم

لم يَذكُر المؤلِّف أنَّ هذا الباب مِن الشِّرك؛ لأنَّ مِن الرُّقى ما ليسَ شركًا.
قوله: "الرُّقَى"، جمع رُقيَةٍ، وهي القِراءة.
قوله: "التَّمائم"، جمع تمِيمَة، وسمِّيت تميمَةً؛ لأنَّهم يرَون أنَّه يتِمُّ بها دفعُ العَين.

قال ـ رحمه الله ـ: في "الصَّحيح" عن أبي بَشير الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ، أنَّه كان معَ رسُول اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض أسفَاره، فأرسَل رسُولاً: "أَن لاَ يَبقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِن وَتَرٍ أَو قِلاَدَةٌ إِلاَّ قُطِعَت" [البخاري ومسلم].


قوله: "قِلاَدَةٌ مِن وَتَرٍ، أَو قِلاَدَةٌ"، شكٌّ مِن الرَّاوي، والأُولى أرجَح؛ لأنَّ القلائد كانَت تُتَّخذ من الأَوتار، ويعتقدون أنَّ ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقادٌ فاسدٌ؛ لأنَّه تعلُّقٌ بما ليسَ بسبَبٍ، وقد سبق هذا، لأنَّه بتعلُّقِه أثبَت للأشياء سببًا لم يُثبِته اللهُ لا بشَرعه ولا بقَدَره، ولهذا أمر النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نَقطَع هذِه القلائشد.
أمَّا إذا كانت هذه القِلادة مِن غَير وَتَرٍ، وإنَّما تُستَعمل للقيادَة كالزِّمام، فهذا لا بأسَ به لعدَم الاعتِقاد الفاسِد، وكان النَّاس يعملون ذلك كثيرًا مِن الصُّوف أو غيره.
قوله: "فِي رَقَبَةٍ بَعِيرٍ"، ذكر البَعير، لأنَّ هذا هو الَّذي كان منتشرًا حينَذاك، فهذا القيد بناءً على الواقِع عندهم، فيكون كالتَّمثيل، وليس بمخصَّصٍ.
يستفاد من الحديث:
1. أنَّه ينبغي لكبير القَوم أن يكون مراعيًا لأحوالهم، فيتفقَّدهم وينظر في أحوالهم.
2. أنَّه يجب عليه رعايتهم بما تقتضيه الشَّريعة، فإذا فعلوا محرَّمًا منعهم منه، وإن تهاونوا في واجبٍ حثَّهم عليه.
3. أنَّه لا يجوز أن تُعلَّق في أعناق الإبل أشياءٌ تُجعَل سببًا في جلب منفَعةٍ أو دفع مضَرَّةٍ، وهي ليس كذلك لا شرعًا ولا قدرًا، لأنَّه شركٌ، ولا يلزم أن تكون القلادة في الرَّقبة، بل لو جُعِلت في اليد أو الرِّجل، فلها حكمُها، لأنَّ العلَّة هي القلادة، وليس المكان.
4. أنَّه يجب على من يستطيع تغيير المنكر باليد أن يغيِّره بيَده.

وعَن ابنِ مَسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ، قالَ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقُول: "إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِركٌ". رواه أحمد وأبو داود

قوله: "إِنَّ الرُّقَى"، ليست على عمومها، بل هي عامٌّ أرِيد به خاصٌّ، وهو الرُّقى بغير ما ورَد به الشَّرعُ، ممَّا فيه شِركٌ، أمَّا ما ورَد به الشَّرع، فليسَت من الشِّرك، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفاتحة: "وَمَا يُدرِيكَ أَنَّهَا رُقيَةٌ" [الترمذي]، وفي الحديث: "لاَ بَأسَ بِالرُّقَى مَا لَم يَكُن فِيهِ شِركٌ" [مسلم]، فالرُّقى المباحة الَّتي يَرقي بها الإنسانُ المريضَ بدُعاءٍ مِن عنده ليس فيه شِركٌ جائِزةٌ.

قوله: "التَّمائم"، فسَّرها المؤلِّف بقوله: "شيءٌ يعلَّق على الأولاد يتَّقون به العَين"، وهي من الشِّرك؛ لأنَّ الشَّارع لم يجعَلها سببًا تُتَّقى به العَينُ.
وأمَّا الأورَاقُ من القرآن تُجمَع في جِلدٍ ويخاط علَيها، ويلبَسُها الطِّفل على يده أو رقبته، ففيها خلافٌ بين العُلماء، وظاهِر الحديث: أنَّها ممنوعَةٌٌ، ولا تَجُوز.
ومِن ذلك أنَّ بعضَهم يكتب القُرآن كلَّه بحُروفٍ صغيرةٍ في أوراقٍ صغيرةٍ، ويضعُها في صندوقٍ صغيرٍ، ويعلِّقها على الصَّبي، وهذا مع أنَّه مُحدَثٌ، فهو إهانةٌ للقرآن الكرِيم؛ لأنَّ هذا الصَّبي سوف يسِيل عليه لعابُه، وربَّما يتلوَّث بالنَّجاسة، ويدخُل به الحمَّام والأماكِن القذِرة، وهذا كلُّه إهانةٌ للقرآن.
ومع الأسَف أنَّ بعض النَّاس اتَّخذوا من العبادات نوعًا من التَّبرُّك فقَط، مثل ما يشاهَد من أنَّ بعضَ النَّاس يمسَحُ الرُّكن اليماني، ويمسح به وجهَ الطِّفل وصدرَه، وهذا معنَاه أنَّهم جعَلُوا مسحَ الرُّكن اليماني من باب التَّبرُّك لا التَّعبُّد، وهذا جَهلٌ، وقد قال عُمَر في الحِجر: "إنِّي أعلَم أنَّك حجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولولا أنِّي رأيتُ رسُولَ الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يُقبِّلُك ما قبَّلتُك" [البخاري وسلم].

قوله: "التِّوَلَةُ"، شيءٌ يعلِّقونه على الزوج، يزعمون أنه يحبب الزوجة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وهذا شرك، لأنه ليس بسبب شرعي ولا قدري للمحب.
ومثل ذلك الدِّبلَة، وهي خاتَمٌ يُوضَع في يَد الزَّوج، فإذا أَلقاهُ الزَّوجُ، قالَت امرأتُه: إنَّه لا يحِبُّها، فهم يعتَقِدُون فيه النَّفعَ والضَّررَ، وهذَا مِن الشِّرك الأَصغَر، وإن لم تُوجَد هذِه النِّية ـ وهذَا بعِيدٌ ـ؛ ففِيه تشبُّهٌ بالنَّصارى.
فإِن كانَت مِن الذَّهَب؛ ففِيها محذُورٌ ثالِثٌ للرجال.
فإن خلَت مِن هذه الأُمور فهِي جائِزةٌ؛ لأنَّها خاتَمٌ مِن الخوَاتِم.

وقوله: "شِركٌ": هل هِي شِركٌ أصغَرُ أو أكبَرُ؟
نقول: بحسَب ما يُرِيد الإِنسَان مِنها؛ إن اتَّخذَها مُعتقِدًا أنَّ المُسبِّب للمحبَّة هُو اللهُ، فهِي شِركٌ أصغَرُ، وإن اعتَقد أنَّها تفعَلُ بنَفسِها، فهي شِركٌ أكبَرُ.

وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ مَرفُوعًا: "مَن تَعَلَّقَ شَيئًا، وُكِلَ إِلَيهِ" رواه أحمد والتِّرمذي


قوله: "مَن تَعَلَّقَ": اعتمَد علَيه، وجعَله همَّهُ ومَبلَغ عِلمِه، ويعلِّقُ رجاءَه بِه، وزَوالَ خَوفِه بِه.

قوله: "شَيئًا": نكِرةٌ في سِياق الشَّرط؛ فتعُمُّ جميعَ الأشيَاء، فمَن تعلَّق باللهِ ـ سبحانَه وتعَالى، وجعَل رغبَتَهُ ورجاءَه فِيه وخَوفَه مِنه، فإنَّ الله تعَالى يقُول: "وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ" [الطَّلاق: 3]، أي: كافِيه.

قوله: "وُكِلَ إِلَيهِ"، أي: أُسنِد إلَيه، وفُوِّض.

أقسَامُ التَّعلُّق بغَيرِ اللهِ:
الأوَّل: ما يُنافي التَّوحيدَ مِن أصلِه، وهو أن يتَعلَّق بشيءٍ ليسَ له تأثِيرٌ، ويعتَمِد علَيه اعتِمادًا مُعرِضًا عن الله، مثل تعلُّق عُبَّاد القُبور بمن فيهَا عندَ حُلول المَصائِب، فهذا شِركٌ أكبَرُ مُخرِجٌ مِن المِلَّة.
الثَّاني: ما يُنافي كمَالَ التَّوحيد، وهو أن يعتَمِد علَى سبَبٍ شرعِيٍّ صحِيحٍ معَ الغَفلة عن المُسبِّب، وهُو اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ، وعدَمُ صرفِ قلبِه إلَيه، فهذا نَوعٌ مِن الشِّرك، ولا نقُول شِركٌ أكبَرُ؛ لأنَّ هذا السَّبَب جعَلهُ اللهُ سبَبًا.
الثَّالث: أن يتعلَّق بالسَّبَب تعلُّقًا مجرَّدًا، لكَونه سبَبًا فقَط، مع اعتِماده الأصلِي علَى اللهِ، فيعتَقِد أنَّ هذا السَّبَب مِن اللهِ، وأنَّ اللهَ لو شَاء لأبطَل أثَرَه، ولو شَاء لأَبقَاهُ، وأنَّه لا أثَر للسَّبَب إلاَّ بمَشِيئة اللهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ، فهذا لا يُنافي التَّوحيد؛ لا كمالاً ولا أصلاً، فلا إِثمَ فِيه.
ومعَ وُجود الأسبَاب الشَّرعِيَّة الصَّحيحة يَنبَغي للإنسَان أن لا يُعلِّق نفسَه بالسَّبَب، بل يعلِّقُها باللهِ، فالمُوظَّف الَّذِي يتعَلَّق قلبُه بمُرتَّبِه تعلُّقًا كامِلاً، مع الغَفلة عن المُسبِّب، وهو اللهُ، قد وقَع في نَوعٍ مِن الشِّرك، أمَّا إذا اعتَقَد أنَّ المُرتَّبَ سبَبٌ، والمُسبِّبُ هو اللهُ ـ سبحانَه وتعَالى ـ، وجعَل الاعتِماد علَى اللهِ، وهو يشعُرُ أنَّ المُرتَّبَ سبَبٌ، فهذَا لا يُنافِي التَّوكُّلَ.
وقد كانَ الرَّسولُ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ يأخُذ بالأسبَاب، مع اعتِماده علَى المُسبِّب، وهُو اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ.
وجاء في الحدِيث: "مَن تَعلَّقَ"، ولم يقُل: مَن علَّق؛ لأنَّ المتعَلِّق بالشَّيء يتعلَّقُ به بقلبِه وبنفسِه، بحَيثُ يُنزِّل خوفَه ورجاءَه وأمَلَه بِه، وليسَ كذلِك مَن علَّقَ.

[مسألة: التَّميمَةُ مِن القُرآن]:
قوله: "إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرآنِ..." إلخ.
إذا كان المعلَّق من القُرآن أو الأدعِية المباحَة والأذكَار الوارِدة، فهذه المَسألة اختَلَف فيهَا السَّلفُ ـ رحمهم اللهُ ـ:
ـ فمِنهم مَن رخَّص في ذلِك لعُموم قولِه: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ" [الإسراء: 82]، ولَم يذكُر الوسِيلَة الَّتي نتَوصَّل بها إلى الاستِشفاء بهذا القُرآن، فدلَّ على أنَّ كلَّ وسِيلَةٍ يُتوَصَّل بها إلى ذلِك فهِي جائِزَةٌ، كما لَو كانَ القُرآن دواءًا حسِّيًّا.
ـ ومِنهم مَن منَع ذلِك، وقال: لا يجُوز تعلِيقُ القُرآن للاستِشفاء بِه؛ لأنَّ الاستِشفاء بالقُرآن وَرَد على صِفةٍ معيَّنةٍ، وهي القِراءة بِه علَى المرِيض، فلا نتَجاوَزُها، وإذا استَشفَينَا بالقُرآن على صِفةٍ لم تَرِد، فقَد فعَلنا سببًا غير مشرُوعٍ، وقد نقَله المؤلِّف ـ رحمه الله ـ عن ابن مَسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ، ولولا الشُّعور النَّفسِيُّ بأنّ تعلِيقَ القُرآن سبَبٌ للشِّفاء، لكانَ انتِفاءُ السَّببِيَّة على هذِه الصُّورة أمرًا ظاهِرًا؛ فإنَّ التَّعلِيق ليسَ له عَلاقَةٌ بالمَرض، بخِلاف النَّفث على مَكانِ الألَم، فإنَّه يتأثَّرُ بذلِك.
ولهذا فالأَقرَبُ أن يُقَال: إنَّه لا ينبَغي أن تُعلَّق الآياتُ للاِستِشفاء بهَا، لا سيَّما وأنَّ هذا المعلَّق قد يفعَل أشيَاء تُنافي قُدُسيَّة القُرآن، كالغِيبة مثلاً، ودُخول الخَلاء، وأيضًا إذا علَّق وشعَر أنَّ به شِفاءً استَغنى به عن القِراءة المَشرُوعة، فيَستَغني بغير المَشرُوع عن المَشرُوع.
وإن كان صبِيًّا، فربَّما بالَ على المعلَّق.
وأيضًا؛ فإنَّه لم يرِد عن النَّبِيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيه شيءٌ.
يقُول الشَّيخ ابنُ عثَيمِين ـ رحمه الله ـ:
"الأَقرَب أن يُقال: أنَّه لا يُفعَل، أمَّا أن يصِل إلى درَجةِ التَّحريم، فأنا أتَوقَّفُ فِيه، لكن إذا تضَمَّن محظورًا، فإنَّه محرَّمٌ بسبَب ذلِك المحظُور".

قوله: "الَّتي تُسَمَّى العَزائِم"، أي في عُرف النَّاس، والعَزيمة: القِراءة.
و"خَصَّ مِنها الدَّليلُ ما خَلا مِن الشِّرك": سواء ما ورد؛ كـ: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ! أَذهِبِ البَاسَ، اِشفِ أَنتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا" [البخاري ومسلم]، أو لم يرد؛ كقول: "اللَّهُمَّ! عافِهِ، اللَّهُمَّ! اشفِهِ".
أمَّا إن كانَ فيها شِركٌ فلا تَجُوز؛ كقَول: "يا جِنِّيُّ! أنقِذهُ، ويا فُلان (الميِّت)! اشفِهِ".

قوله: "مِن العَينِ والحُمَة"، سبق تعريفهما في (باب مَن حقَّق التَّوحيد دخَل الجنَّة)، وظاهِر كلام المؤلِّف: أنَّ الدَّليل لم يرخِّص بجَواز القِراءة إلاَّ فيهما!! لكن ورَد بغيرِهما؛ فقَد كان النَّبِيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ينفُخ على يدَيه عندَ منامِه بالمعوِّذات، ويمسَح بهِمَا ما استَطاع مِن جسَدِه [البخري ومسلم]، وهذا مِن الرُّقية، وليس عَينًا ولا حُمَةً.
ولهذا يرَى بعضُ أهل العِلم أنَّ التَّرخيص في الرُّقيَة مِن القُرآن عامٌّ، وقولُ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لاَ رُقيَةَ إِلاَّ مِن عَينٍ أَو حُمَةٍ" يعني: لا استِرقاء إلاَّ مِن عينٍ أو حُمَةٍ.

شُرُوط جَوَاز الرُّقيَة:
الأوَّل: أن لا يعتَقِد أنَّها تنفَعُ بذاتِها دُون الله، فإِن اعتَقد أنَّها تنفَعُ بذاتِها مِن دُون الله، فهو محرَّمٌ، بل شِركٌ، بل يعتَقِد أنَّها سبَبٌ لا تنفَع إلاَّ بإِذن الله.
الثَّاني: أن لا تكُون ممَّا يخالِف الشَّرع، كما إذا كانَت متضَمِّنةً دعاءَ غيرِ الله، أو استِغاثةً بالجِنِّ، وما أشبَه ذلك، فإنَّها محرَّمةٌ، بل شِركٌ.
الثَّالث: أن تكون مفهومَةً معلومَةً، فإن كانَت من جِنس الطَّلاسِم والشَّعوذَة، فإنَّها لا تجُوز.
أمَّا بالنِّسبة للتَّمائم؛ فإن كانَت مِن أمرٍ محرَّمٍ، أو اعتقَد أنَّها نافِعةٌ لذاتِها، أو كانَت بكتابَةٍ لا تُفهَم، فإنَّها لا تجُوز بكلِّ حالٍ.
وإن تمَّت فيها الشُّروط الثَّلاثة السَّابِقة في الرُّقية، فإنَّ أهلَ العِلم اختَلفُوا فيها كما سبَق.

ورَوَى أحمَدُ عَن رُوَيفِعٍ، قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ: "يَا رُوَيفِعُ! لَعَلَّ الحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ، فَأَخبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَن عَقَدَ لِحيَتِهِ، أَو تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَو استَنجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَو عَظمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنهُ" [أحمد وصححه الألباني].


قوله: "مَن عَقَدَ لِحيَتَهُ"، اللِّحيَة عندَ العَرب كانَت لا تُقصُّ ولا تُحلَق، كما أنَّ ذلِك هُو السُّنة، لكنَّهُم كانُوا يعقِدُون لِحاهُم لأسبَابٍ:
منها: الاِفتِخارُ والعَظمَةُ؛ فتجِد أحدَهم يعقِدُ أطرَافها، أو يعقِدُها مِن الوسَط عُقدَةً واحِدةً ليُعلم أنَّه رجُلٌ عظِيمٌ، وأنَّه سيِّدٌ في قومِه.
الثَّاني: الخَوف مِن العَين؛ لأنَّها إذا كانَت حسَنةً وجمِيلَةً ثمَّ عُقِدت أصبَحت قبِيحَةً، فمَن عقَدها لذلِك، فإنَّ الرَّسولَ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ برِيءٌ مِنه.

قوله: "أَو تَقَلَّدَ وَتَرًا"، الوتَر: سِلكٌ مِن عصَب الشَّاة، يتَّخذُ للقَوس وَتَرًا، ويستَعمِلونه في أعنَاق إِبِلِهم أو خَيلِهم، أو في أعناقِهم، يزعمُون أنَّه يمنَع العَين، وهذا مِن الشِّرك.

قوله: "أَو استَنجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ": وهو إزالة أثر الخارج من السَّبيلَين، ورجِيعُ الدَّابة: رَوثُها.

قوله: "أَو عَظمٍ": العَظمُ معرُوفٌ.
قوله: "فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنهُ": وإنَّما تبرَّأَ النَّبِيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ـ ممَّن استَنجى بهِما؛ لأنَّ الرَّوث عَلَفُ بهائِم الجِنِّ، والعَظمَ طعَامُهم، يجِدُونه أَوفرَ ما يَكُون لحمًا.
وكلُّ ذَنبٍ قُرِن بالبَراءَة مِن فاعِلهِ؛ فهُو مِن كبَائِر الذُّنوبِ، كما هو مَعرُوفٌ عِند أهلِ العِلم.

الشَّاهِد مِن هَذَا الحَدِيث قَولُه: "مَن تَقَلَّدَ وَتَرًا".

وعَن سَعِيدِ بن جُبَيرٍ، قالَ: "مَن قَطَعَ تَمِيمَةً مِن إِنسَانٍ، كَانَ كَعَدلِ رَقَبَةٍ" روَاه وكِيعٌ.


قوله: "كَعَدلِ رَقَبَةٍ" بفَتح العَين؛لأنَّه مِن غَير الجِنس، والمُعادِل مِن الجِنس بكَسر العَين.
ووَجهُ المشابَهة بين قَطع التَّمِيمة وعِتق الرَّقَبة: أنَّه إذَا قطَع التَّمِيمةَ مِن إِنسَانٍ، فكأَنَّه أعتَقَهُ مِن الشِّرك، ففَكَّه مِن النَّار، ولكِن يقطَعُها بالَّتي هي أحسَن، لأنَّ العُنف يؤدِّي إلى المُشاحَنة والشِّقاق، إلاَّ إن كانَ ذا شَأنٍ؛ كالأمِير، والقَاضِي، ونحوِه ممَّن له سُلطَةٌ، فلَه أن يقطَعها مُباشَرةً.

ولَهُ عَن إِبرَاهِيمَ، قالَ: "كَانُوا يَكرَهُونَ التَّمائِمَ كُلَّهَا مِن القُرآنِ وَغَيرِ القُرآنِ".


قوله: "ولَهُ عَن إِبرَاهِيمَ": هو النَّخَعِي.
قوله: "كَانُوا يَكرَهُونَ التَّمَائِم...": قَد سبَق أنَّه رأيُ ابن مَسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ، فأصحابُه يرَونَ ما يَراهُ.

وفي هذا الوَقت أصبَح تعلِيقُ القُرآنِ لا للاِستِشفاء، بل لمجرَّد التَّبرُّك والزِّينة، كالقلائِد الذَّهبِيَّة، أو الحُلِي الَّتي يُكتَب عليها لفظُ الجَلالة، أو آيَةُ الكرسِي، أو القُرآن كامِلاً، فهذا كلُّه مِن البِدَع، فالقُرآن ما نزَل ليُستَشفى به علَى هذَا الوَجه، إنَّما يُستَشفى به علَى ما جَاء بِه الشَّرع.

كتبه أبو عبد الله حسن بن داود ـ عفا الله عنه ـ.
(أعتذر عن تأخر الدرس إلى هذا اليوم).

رد مع اقتباس