
25 May 2010, 01:41 PM
|
|
|
بابٌ مِن الشِّركِ لُبسُ الحَلقَةِ وَالخَيطِ ونَحوِهِمَا لِرَفعِ البَلاَءِ أَو دَفعِهِ
بابٌ مِن الشِّركِ لُبسُ الحَلقَةِ وَالخَيطِ ونَحوِهِمَا لِرَفعِ البَلاَءِ أَو دَفعِهِ
قوله: "مِنَ الشِّركِ"، يَشمَلُ الأَصغَر والأَكبر، ولُبس هذِه الأشياء قَد يَكونُ أصغَرَ، وقَد يكونُ أكبرَ بحسَبِ اعتِقاد لابِسِها.
ولُبس هذِه الأشيَاء مِن الشِّرك؛ "لأَنَّ كُلَّ مَن أثبَتَ سبَبًا لَم يَجعَلهُ اللهُ سبَبًا شَرعِيًّا ولاَ قَدَريًّا، فقَد جعَل نفسَهُ شرِيكًا معَ اللهِ".
[حُكمُ مَن لَبِسَ الحَلقةَ والخَيطَ ونَحوَهُما]
ولُبسُ الحَلقة ونحوِها:
إِن اعتَقَد لابِسُها أنَّها مؤَثِّرةٌ بنَفسِها دُون اللهِ، فهُو مُشرِكٌ شركًا أكبرَ في توحِيد الرُّبوبِيَّة؛ لأنَّه اعتَقد أنَّ معَ اللهِ خالِقًا غيرَه.
وإِن اعتَقد أنَّها سبَبٌ، ولكِنَّه ليسَ مؤَثِّرًا بنَفسِه، فهُو مُشرِكٌ شِركًا أصغَرَ؛ لأَنَّه لمَّا اعتَقد أنَّ ما ليسَ بسبَبٍ سبَبًا فقَد شارَك اللهَ تعَالى فِي الحُكم لهَذا الشَّيء بأنَّه سبَبٌ، واللهُ تعالى لَم يجعَلهُ سبَبًا.
[طَرِيقُ العِلم بأنَّ الشَّيءَ سبَبٌ]
ـ إمَّا عن طرِيق الشَّرع: كالعَسَل؛ قال اللهُ تعالى: "فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ" [النحل: 69]، وقِراءَة القُرآن، قالَ اللهُ تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ" [الإسراء: 82].
ـ إمَّا عن طرِيق القَدَر: كمَا إذا جرَّبنَا هذا الشَّيء فوجَدنَاهُ نافِعًا في هذَا الأَلَم أو المَرَض، ولكِن لا بُدَّ أن يكُونَ أثَرُه ظاهِرًا مُباشِرًا؛ كمَن اكتَوى بالنَّار فبَرِئَ، فهَذا سبَبٌ ظاهِرٌ بيِّنٌ.
وإنَّما قُلنا هذَا لئَلاَّ يقُول قائِلٌ: أنَا جرَّبتُ هذَا وانتَفعتُ بِه، وهو لَم يكُن مباشِرًا، كالحَلقة، فقَد يَلبَسُها إِنسانٌ وهُوَ يعتَقِدُ أنَّها نافِعَةٌ، فيَنتَفِعُ؛ لأنَّ للاِنفعَال النَّفسِي للشَّيء أثَرًا بيِّنًا، فقَد يقرَأُ إنسانٌ على مرِيضٍ فلا يَرتَاحُ لَه، ثمَّ يأتِي آخَر يعتَقِدُ أنَّ قراءَته نافِعَةٌ، فيَقرَأُ علَيه الآيةَ نفسَها فيَرتاحُ لَه، ويَشعُر بخِفَّةِ الأَلَم، كذلِك الَّذِين يلبَسُون الحِلَق، ويَربِطون الخُيُوط، قَد يحِسُّون بخِفَّة الأَلَم، أو اندِفاعِه، أو ارتِفاعِه بناءً على اعتِقادِهم نَفعَها.
وخِفَّةُ الأَلَم لمَن اعتَقَد نفعَ تِلك الحَلقَة مجرَّدُ شُعورٍ نفسِيٍّ، والشُّعور النَّفسِيُّ ليس طرِيقًا شرعِيًّا لإِثبات الأَسبَاب، كما أنَّ الإِلهام ليسَ طرِيقًا للتَّشرِيع.
قوله: "لُبسُ الحَلْقَة والخَيط ونَحوِهِما" هذِه أشيَاء مَعروفَةٌ، ولَم يذكُرها المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ على سبِيل الحَصر، فهيَ تختَلِف بحسَب الزَّمان والمَكان.
قوله: "لِرَفعِ البَلاَءِ، أَو دَفعِهِ" والرَّفع بعدَ نُزولِ البَلاء، والدَّفع قبلَ نُزولِهِ.
وشيخُ الإسلام محمَّدُ بن عبدِ الوهَّاب ـ رحمه الله ـ لا يُنكِر السَّبب الصَّحيح للرَّفع أو الدَّفع، وإنَّما يُنكِر السَّبَب غيرَ الصَّحِيح.
وقَولُ اللهِ تعَالى: "قُل أَفَرَأَيتُم مَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِن أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ" الآية [الزمر: 38]
قوله: "أَفَرَأَيتُم"، أي: أخبِرُوني.
وقوله: "مَا تَدعُونَ"، دُعاءَ عِبادَةٍ، ودُعاءَ مَسأَلةٍ، فيَدعُون الأَصنام بالتَّعبُّد لها بالنَّذر والذَّبح والرُّكوع والسُّجود، ويَدعُونَها بسُؤالِها دَفعَ الضَّرَر أو جَلبَ النَّفع.
قوله: "إِن أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ"، فاللهُ سُبحانَه إذا أرَاد بعَبدِه ضُرًّا لا تستَطيع الأَصنَامُ أن تَكشِفه، بدَفعِه أو رَفعِه، وإِن أرادَه برَحمةٍ لا تستَطيعُ أن تُمسِكهَا عَنه، فهِي لا تكشِف الضَّرَر، ولا تَمنَع النَّفع، فلماذَا تُعبَدُ؟!
وقوله: "قُل حَسبِيَ اللهُ"، أي: كافِينِي.
قوله: "عَلَيهِ يَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ": قدَّم الجارَّ والمَجرُورَ لإفادَةِ الحَصر.
والمَعنى أنَّ المتَوكِّلَ حقِيقَةً هُو المتوَكِّلُ على اللهِ، أمَّا الَّذِي يتوَكَّل علَى الأَصنَامِ والأَولِياءِ والأَضرِحَة، فلَيس بمُتوكِّلٍ على اللهِ تعالى.
والشَّاهِدُ مِن هذِه الآيَةِ: أنَّ هذِه الأصنَام لا تَنفعُ أصحابَها لا بِجَلبِ نَفعٍ ولا بدَفعِ ضرٍّ، فليسَت أسبابًا لذلِك، فيُقاس علَيها كلُّ ما ليسَ بسبَبٍ شرعيٍّ أو قدَريٍّ، فيُعتَبرُ اتِّخاذُه سببًا إشراكًًا باللهِ.
وهُناك شاهِدٌ آخَرُ في قولِه: "حَسبِيَ اللهُ"؛ فإِنَّ فيه تفوِيضَ الكِفايَة إلى اللهِ دُون الأَسباب الوَهمِيَّة، وأمَّا الأسبَابُ الحقِيقيَّةُ، فلا يُنافِي تعاطِيها توكُّلَ العَبد علَى اللهِ تعَالى وتفوِيضَ الأَمرِ إلَيه؛ لأنَّها مِن عِندِه.
عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ رَأَى رَجُلاً فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِن صُفْرٍ، فَقَالَ: "مَا هَذِهِ"؟ قَال: مِنَ الوَاهِنَةِ. فقَالَ: "انزِعهَا، فَإِنَّهَا لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهَنًا، فَإِنَّكَ لَو مُتَّ وَهِيَ عَلَيكَ، مَا أَفلَحتَ أَبدًا" رواه أحمد بسنَدٍ لا بأسَ بِه.
قوله: "حَلقَةٌ مِن صُفرٍ": أي نُحاسٍ.
قوله: "مِنَ الوَاهِنَةِ"، هِي وجَعٌ في الذِّراعِ أو العَضُد.
قوله: "لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهَنًا": أي: ضعفًا في النَّفس؛ لأنَّ الإنسان إذا تعلَّقَت نفسُه بهذِه الأُمور ضعُفَت واعتَمدَت علَيها ونسِيَت الاعتِماد على اللهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ، والاِنفعال النَّفسي له أثَرٌ كبِيرٌ في إِضعاف الإِنسان؛ فأحيانًا يتَوهَّمُ الصَّحِيح أنَّه مرِيضٌ فيَمرَض، وأحيانًا يتنَاسى المَرض فيَصِحُّ.
قوله: "مَا أَفلَحتَ": الفلاَحُ هو النَّجاة مِن المَرهُوب، وحُصُول المَطلُوب.
مُناسبَةُ الحدِيث للبَاب: الحدِيث مناسِبٌ للبَاب مناسبَةً تامَّةً؛ لأنَّ هذا الرَّجُل لبِسَ حَلقَةً من صُفرٍ، إمَّا لدَفع البَلاءِ أو لرَفعِه.
وَلَهُ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ مَرفُوعًا: "مَن تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَن تَعَلَّقَ وَدْعَةً، فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ". وفي رواية: "مَن تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَقَد أَشرَكَ".
قوله: "مَن تَعَلَّقَ تَمِيمَةً": أي علَّقَها وتعلَّق بها قَلبُه واعتَمد علَيهَا في جَلب النَّفع ودَفعِ الضَّر، والتَّمِيمَةُ: شيءٌ يُعلَّق علَى الأَولادِ مِن؛ خَرَزٍ أَو غَيرِه، يتَّقُون بِه العَين.
وقوله: "فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ": هي بمعنَى الدُّعاء، ويحتَمل أن تكُونَ خبرِيَّةً محضَةً، وكلاهما دالٌّ على أنَّ التَّميمَة محرَّمةٌ.
قوله: "مَن تَعَلَّقَ وَدْعَةً": واحِدةُ الوَدَع، وهِي أحجَارٌ تُؤخَذ مِن البَحر، يُعلِّقُونها لدَفع العَين، ويَزعمُون أنَّ الإِنسان إذَا علَّقها لم تُصِبه العَينُ، أو لا يُصِيبُه الجِنُّ!!
قوله: "فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ": أي: لا تَركَهُ في دَعةٍ وسُكونٍ، وضدُّه القَلَق والأَلَم.
قوله: "فَقَد أَشرَكَ": يكُون أكبَر إِن اعتَقد أنَّها ترفَعُ أو تَدفَعُ بذاتِها دُون اللهِ، وإِلاَّ فهُو أصغَرُ.
مُناسبَةُ الحدِيث للبَاب: أنَّه صرَّح بأنَّ تعلِيق التَّمائِم؛ مِن الحِلَق والخُيوطِ وغَيرِهما شِركٌ.
وَلاِبنِ أَبِي حَاتِمٍ عَن حُذَيفَةَ: "أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً فِي يَدِهِ خَيطٌ مِنَ الحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلاَ قَولَهُ: "وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُشرِكُونَ" [يوسف: 106]
قوله: "خَيطٌ مِنَ الحُمَّى"، أي: لبِسه مِن أجلِها ليُشفَى مِنها.
قوله: "فَقَطَعَهُ" أي: قطَع الخَيط، تغيِيرًا للمُنكَر باليَد، وهذا لغَيرَة السَّلف الصَّالح.
وقوله: "وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُشرِكُونَ"، أي: المشرِكون الَّذين يُؤمِنون بتوحِيد الرُّبوبِيَّة، ويَكفُرون بتوحِيد الأُلوهِيَّة.
وكلام حُذَيفة ـ رضي الله عنه ـ في رجُلٍ مسلِمٍ لبِسَ خيطًا لتبرِيد الحُمَّى، وفيه دلِيلٌ على أنَّ الإنسانَ قد يجتَمِع فيه إِيمانٌ وشِركٌ، ولكنَّه أصغَرُ؛ لأنَّ الأكبَر لا يجتَمِع مع الإِيمان.
مُناسبَة الأثَر للبَاب: استِدلالُ حُذَيفة ـ رضِي اللهُ عنه ـ بمَا نزَل فِي الشِّرك الأكبَرِ علَى الشِّرك الأَصغَر.
كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
|