عرض مشاركة واحدة
  #13  
قديم 18 May 2010, 08:48 AM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي بابُ تَفسِير التَّوحِيد وشَهادَةِ أن لاَّ إِلهَ إلاَّ اللهُ

بابُ تَفسِير التَّوحِيد وشَهادَةِ أن لاَّ إِلهَ إلاَّ اللهُ


العطف هنا من باب عطف المترادِفين؛ لأنَّ التَّوحيد حقيقة هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الباب مهمٌّ؛ لأنَّه لما سبق الكلام على التَّوحيد وفضله والدَّعوة إليه، كأنَّ النفس الآن اشرأَبَّت إلى بيان ما هو هذا التَّوحيد الَّذي بوَّب له هذه الأبواب (وجوبه، وفضله، والدعوة إليه)؟
فيجاب بهذا الباب.

وقول الله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُم أَقرَبُ" الآية [الإسراء: 57].


قوله تعالى: "أُولِئَكَ الَّذِينَ يَدعُونَ": دعاء مسألة، ودعاء عبادة.

قوله: "يَبتَغُونَ": يطلبون.

قوله: "الوَسِيلَةَ"، أي: الشَّيء الَّذي يوصِلُهم إلى الله.
فهؤلاء الَّذين يدعُوهم هؤلاء هُم أنفسُهم يبتَغون إلى ربِّهم الوسيلَةَ أيُّهم أقرَبُ، فكيف تدعُونهم وهم محتاجُون مفتَقِرون؟!
فهذا سفَهٌ في الحقيقة، وهذا ينطبق على كلِّ من دُعِي وهو داعٍ، كعيسى بن مريم، والملائكة، والأولياء، والصَّالحين، وأمَّا الشَّجر والحَجَر، فلا يدخُل في الآية.
فهؤلاء الَّذين زعمتم أنَّهم أولياء من دون الله لا يملِكون كشفَ الضُّر ولا تحويلَه، وقد قال تعالى مبيِّنًا حالهم: "وَالَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَملِكُونَ مِن قِطمِيرٍ * إِن تَدعُوهُم لاَ يَسمَعُوا دُعَاءَكُم وَلَو سَمِعُوا مَا استَجَابُوا لَكُم وَيَومَ القِيَامَةِ يَكفُرُونَ بِشِركِكِم وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبِيرٍ" [فاطر: 13، 14].

وجه مناسبة الآية للباب:
أنَّ التَّوحيد يتضمَّن البراءة من الشِّرك؛ فلا يدعو مع الله أحدًا؛ لا ملَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلاً، وهؤلاء الَّذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرَّؤوا من الشِّرك، بل هم واقِعون فيه، ومن العجَب أنَّهم يدعون من هُم في حاجةٍ إلى ما يقرِّبهم إلى الله تعالى، فهم غير مستَغنِينَ عن الله بأنفسهم، فكيف يُغنُون غيرَهم؟!

قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ إِبرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَومِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي" الآية.


قوله: "بَرَاءٌ مِمَّا تَعبُدُونَ"، أي: إنَّني مُتخَلٍّ غاية التَّخلِّي عمَّا تعبدون.
وهذا يقابل النَّفي في (لا إله إلا الله).

قوله: "إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي": يقابل الإثبات في (لا إله إلا الله).
فالتَّوحيد لا يتِمُّ إلاَّ بالكفر بما سوى الله والإيمان بالله وحده؛ "فَمَن يَكفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِن بِاللهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَى" [البقرة: 256]، وهؤلاء يعبُدون اللهَ ويعبُدون غيرَه، لأنَّه قال: "إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي"، والأصل في الاستِثناء الاتِّصال إلاَّ بدليلٍ، ومع ذلِك تبرَّأ مِنهُم.

[مَسأَلةٌ مهِمَّةٌ]
يوجَد في بعض البُلدان الإسلاميَّة من يصلِّي ويزكِّي ويصُوم ويحُجُّ، ومع ذلك يذهبُون إلى القُبور يسجُدون لها ويركَعون، فهم كفَّارٌ غيرُ موَحِّدين، ولا يُقبَل منهم أي عمَلٍ، وهذا من أخطر ما يكون على الشُّعوب الإسلاميَّة؛ لأنَّ الكُفر بما سوى الله عندَهم ليس بشيءٍ، وهذا جهلٌ مِنهم، وتفريطٌ من عُلمائِهم، لأنَّ العامِيَّ لا يأخُذ إلاَّ من عالمه، لكنَّ بعض النَّاس ـ والعِياذُ بالله ـ عالِم دولَةٍ لا عالِم مِلَّةٍ.

مُناسبَة الآية للبَاب: أنَّ التَّوحيد لا يحصُل بعبادة الله مع غيرِه، بل لا بُدَّ من إِخلاصه لله، والنَّاس في هذا المقام ثلاثَة أقسام:
قسمٌ يعبُد الله وحدَه.
وقسمٌ يعبُد غيرَه فقَط.
وقسمٌ يعبُد الله وغيرَه.
والأوَّل فقَط هو الموحِّد.

وقوله: "اِتَّخَذُوا أَحبَارَهُم وَرُهبَانَهُم أَربَابًا مِن دُونِ اللهِ" الآية [التوبة: 31].


قوله: "أَحبَارَهُم وَرُهبَانَهُم": جمعٌ حَبر، وهو العالِم، ويقال للعالم أيضًا (بَحرٌ) لكثرة علمه.
والرُّهبان جمع راهِب، وهو العابِد.

وقوله: "أَربَابًا مِن دُونِ اللهِ": جمع ربٍّ، أي جعَلُوا الأَحبَار أربابًا؛ لأنَّهم يطيعُونَهم في معصية الله، وجعَلُوا الرُّهبانَ أربابًا باتِّخاذهم أوليَاءَ يعبُدونَهم من دون الله.

قوله: "وَالمَسِيحَ ابنَ مَريَمَ"، أي: اتَّخذوا المسيحَ ابنَ مَريم أيضًا ربًّا فقَالوا: إنَّه ثالثُ ثلاثَةٍ.

مُناسبَة الآيَة للبَابِ: أنَّ الله أنكَر علَيهم اتِّخاذ الأحبَار والرُّهبان أربابًا من دون الله، فجعَلُوا الأحبَار شُرَكاء في الطَّاعة، كلَّما أمَرُوا بشيءٍ أطاعُوهم، سواءٌ وافَق أمرَ الله أم لا.
فتفسِير التَّوحيد أيضًا بلا إله إلا الله يستَلزم أن تكُون طاعَتُك لله وحدَه، ولهذا علَى الرُّغم من تأكيد النَّبِيِّ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ لطاعة وُلاة الأمر، قال: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوفِ" [البخاري، ومسلم].

وقوله: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللهِ" الآية [البقرة: 165]


قوله: "مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ": أَي يَجعَلُ غيرَ اللهِ.

وقوله: "أَندَادًا": جمع نِدٍّ، وهو الشَّبيه والنَّظير.

وقوله: "يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللهِ": هذا وجه المُشابَهة، أي: النِّدِّيَّة في المحبَّة.
واختَلف المفسِّرون في قوله: "كَحُبِّ اللهِ":
فقِيل: يجعَلُون محبَّة الأَصنَام مساوِيةً لمحبَّة الله، فيكُون في قلُوبهم محبَّةٌ لله ومحبَّةٌ للأَصنَام.
وقِيل: يحبُّون هذِه الأصنَام كمحَبَّة المؤمِنين لله.
وسِياق هذِه الآيَة يؤيِّد القَول الأوَّل.

وقوله: "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلهِ":
على الرَّأي الأوَّل يكُون معنَاها: والَّذين آمنُوا أشدُّ حبًّا لله مِن هؤُلاءِ لله، لأنَّ محبَّة المُؤمِنين خالِصة، ومحبَّة هؤلاء فيهَا شِركٌ بين الله وبين أصنَامهم.
وعلى الرَّأي الثَّاني معنَاها: والَّذين آمَنُوا أشدُّ حبًّا لله مِن هؤُلاءِ لأصنَامهم، لأنَّ محبَّة المُؤمِنين ثابِتةٌ في السَّراء والضَّراء على بُرهانٍ صحيحٍ، بخلاف المُشركِين، فإنَّ محبَّتهم لأصنامِهم تتضَاءل إذا مسَّهُم الضُّر.
فما بالُك برجلٍ يحِبُّ غير الله أكثَر من محبَّته لله؟!
وما بالُك برجل يحِبُّ غيرَ الله ولا يحِبُّ الله؟!
فهذا أقبَح وأعظَم، وهذا مَوجودٌ في كثِيرٍ مِن المُنتسِبِين للإسلام اليَوم؛ فإنَّهم يحِبُّون أولِياءَهم أكثَر ممَّا يحِبُّون الله، ولهذا لو قِيل له: احلِف بالله، حَلَف صادِقًا أو كاذِبًا، أمَّا الولِيِّ، فلا يحلِف به إلاَّ صادِقًا.

والمحبَّة أنواعٌ:
الأوَّل: المحبَّة لله:
وهذه لا تنافِي التَّوحيد، بل هي من كمَاله، فأوثَق عُرَى الإيمان: الحبُّ في الله، والبُغض في الله.

الثَّاني: المحبَّة الطَّبيعِيَّة الَّتي لا يُؤثِرها المرءُ علَى محبَّة الله:
فهذه لا تنافي محبَّة الله؛ كمحبَّة الزَّوجة، والولَد، والطَّعام والشَّراب واللِّباس، والمَال، ولهذا لما سُئِل النَّبِيُّ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ: "مَن أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيكَ؟ قالَ: "عَائِشَةُ". قِيل: فمِن الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا"(1).

الثَّالث: المحبَّة مع الله:
فهذِه تُنافِي محبَّة الله، وهي أن تكون محبَّة غيرِ الله كمحبَّة اللهِ أو أكثَر من محبَّة الله، بحيث إذا تعارَضَت محبَّة الله ومحبَّة غيرِه قدَّم محبَّةَ غير الله، وذلك إذا جعَل هذه المحبَّة ندًّا لمحبَّة الله يقدِّمها على محبَّة الله أو يساوِيها بها.

مُناسبَة الآيَة للبَاب: أنَّ الله جعَل هؤُلاءِ الَّذِين ساوَوا محبَّة الله بمَحبَّة غيرِه مُشرِكين جاعِلين لله أندادًا.

وَ
فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ، أنَّه قَالَ: "مَن قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ".
وشَرَحَ هذِه التَّرجَمة مَا بعدَها مِن الأَبوابِ.


قوله: "مَن قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" أي: لاَ مَعبُودَ حَقٌّ إِلاَّ اللهُ، فلفظ "الله" بدَلٌ مِن الضَّمير المُستَتِر في الخبَر، ومن يرى أن "لا" تعمَل في المَعرِفة يقُول: هو الخبر.

قوله: "وَكَفَرَ بِمَا يُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ"، أي: بعِبادة من يُعبَد من دون الله.
وفيه دليلٌ على أنَّه لا يكفِي مجرَّد التَّلفُّظ بـ(لا إله إلا الله)، بل لا بُدَّ أن تَكفُر بعبادة من يُعبَد من دون الله، بل وتَكفُر أيضًا بكلِّ كُفرٍ؛ فمَن يقول (لا إله إلا الله) ويرى أنَّ النَّصارى واليَهود اليَوم على دِينٍ صحيحٍ، فليس بمُسلِمٍ، ومن يرَى الأَديان أفكارًا يختَارُ منها ما يُرِيد، فليس بمُسلِمٍ، ولهذا لا يُقَال: (الفِكرُ الإسلامِي)، بل يُقَال: (الدِّينُ الإِسلامِي) أو (العقِيدةُ الإسلامِيَّة)، ولا بأس بقَول: (المُفكِّرُ الإِسلامِي)؛ لأنَّه وصفٌ للشَّخص نفسِه، لا للدِّين الَّذي هُو علَيه.

مُناسبَةُ الحدِيث للبَاب:
أنَّ مِن تفسير التَّوحيد الكُفرَ بمَا يُعبَد مِن دُونِ الله.

قوله: "وَشَرَحَ هَذِهِ التَّرجَمَة"، المرَادُ بالشَّرح هُنا: التَّفصِيل، والتَّرجمة: تُطلَق باصطلاح المؤلِّفِين على العَناوِين والأَبواب.

كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.

رد مع اقتباس