عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06 May 2010, 06:05 AM
محمد الهاشمي محمد الهاشمي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 101
افتراضي


سمة محقّق الإخلاص:
هذا، ومن علامات محقِّق الإخلاص والصدق:
أن يُحِبَّ الدين ويعملَ على التواصي بالحقّ والصبر عليه، وإذا ما خُيّر بين أمرين عُرضا عليه: أحدهما لله، والآخر للدنيا، اختار نصيبه من الله وآثره على الدنيا لفنائها وبقاء الآخرة، وهو يعلم أنّ الباقية خير من الفانية، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى: 4]، ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: 17]، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: 77]، ومن علاماته:

أن ترضيه كلمة الحقّ له أو عليه، وتغضبه كلمة الباطل له أو عليه، فهو لا يعمل لنفسه، وإنما يسعى لإرضاء ربه سبحانه، ولو أدّى ذلك إلى سخط الناس عليه وسقوط قدره في قلوبهم، وصغره في أعينهم من أجل إصلاح قلبه مع الله تعالى، «والجزاء من جنس العمل»، و«المعاملة بنقيض القصد»، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَرْضَى اللهَ بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ اللهُ النَّاسَ، وَمَنْ أَسْخَطَ اللهَ بِرِضَى النَّاسِ، وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ»(٢٧)، قال ابن القيم -رحمه الله-: «لما كان المتزين بما ليس فيه ضدّ المخلص، فإنه يظهر للناس أمرًا، وهو في الباطن بخلافه، عامله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وَقَدَرًا، ولما كان المخلص يُعجّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبّة في قلوب العباد، عُجِّل للمتزيِّن بما ليس فيه من عقوبته أن شانه اللهُ بين الناس، لأنّه شان باطنَه عند الله، وهذا مُوجِب أسماء الربِّ الحُسنى وصفاتِه العُلْيَا وحِكمته في قضائِه»(٢٨).
ومن علاماته:

أن يكره المخلِصُ أن يطَّلعَ غيرُه على عمله أو يُنسبَ إليه، قال الشافعي -رحمه الله-: «وددت أنّ الخلق تعلّموا هذا العلم على ألاّ يُنْسَبَ إليَّ منه حرفٌ»(٢٩)

وأن وَيَوَدُّ -في ميدان تعليم الناس الخير وإفتائهم بالحقّ- أن يكفيَه غيرُه مؤونةَ الفتوى والبيانِ، وإذا استوجبَ المقامُ تصدِّيه للفتوى والتوجيه حرص على تجرّده للحقّ بسلوك سبيلِهِ، مُعْرِضًا عن حظوظ النفس والاعتزاز بها، مترفّعًا عن الهوى وشِرَاكِهِ.

وإن خاصم غيرَهُ فلا يعملُ على غَلَبة خصمه بالشبهات والباطل؛ لأنه يعلم أنه ليس من التقوى والإخلاص، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ -وَهُوَ يَعْلَمُهُ- لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ»(٣٠)، وإنما يتمنَّى أن يُظهِرَ اللهُ الحقَّ على لسان مُنَاظِرِهِ، قال الشافعيُّ -رحمه الله-: «ما ناظرتُ أحدًا قطُّ إلاَّ أحببتُ أن يُوفَّقَ ويُسدَّدَ ويُعانَ، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدًا إلاَّ ولم أُبَالِ بَيَّنَ اللهُ الحقَّ على لساني أو لسانِهِ»(٣١).
وذكر أبو حامد الغزالي علاماتٍ أخرى للصادق المخلصِ حيث قال: «فاعلم أنّ لذلك علامات:
- إحداها: إنه لو ظَهَرَ من هو أحسن منه وَعْظًا أو أَغْزَرُ منه عِلْمًا، والناس له أشدُّ قبولاً، فرح به ولم يحسده
- والأخرى: إن الأكابر إذا حضروا مجلسَهُ لم يتغيّر كلامه بل بقي كما كان عليه، فينظر إلى الخلق بعين واحدة.
- والأخرى: أن لا يحبَّ اتباعَ الناس له في الطريق، والمشيَ خلفه في الأسواق، ولذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها»(٣٢).


مشقة الإخلاص في تثبيت تحول القلب:

إنّ الصدقَ في الإخلاصِ أشقُّ الأعمال صعوبةً على النفس وأشدُّها على القلب لاستبقائه سالِمًا من المقاصد السيّئة، بعيدًا عن أغراض الدنيا وشهواتها؛ ذلك لأنّ القلوبَ كثيرةُ التقلُّبِ والتحوُّل في نواياها وقصودها فلا تثبتُ على حالٍ، لذلك بيَّن النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم حقيقةَ تحوُّلِ القلبِ في وجهته وقصدِه، فكثيرًا ما كان يدعو بالتثبيت على الدِّينِ حيثُ قال: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلاَّ وَهُوَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، وَالِمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا، وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»(٣٣)، وكان يقول في دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»(٣٤)، ويكثر في قَسَمِهِ عبارةَ: «لاَ، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ»(٣٥).

فالإخلاصُ شديدٌ، وقد لاقى كثيرٌ من العلماء والصالحين معاناةً لعلاج نيّتهم به، فيُؤْثَرُ عن سفيانَ الثوريِّ -رحمه الله- أنه قال: «مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي، إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ»(٣٦)، وسأل الفضلُ بنُ زيادٍ -رحمه الله- الإمامَ أحمد -رحمه الله- فقال: «كيف النية؟ قال أحمد: يُعَالِجُ نَفْسَهُ إِذَا أَرَادَ عَمَلاً يُرِيدُ بِهِ النَّاسَ»(٣٧).

ولَمَّا كانت النفسُ بِطَبْعِهَا تميلُ إلى الشرِّ، وتفر من الخير، وتأمر بالسوء، وتنجرف مع الهوى، وتركن إلى الشهوات، والعبدُ قد يُؤْتَى من جهله أو من قِلَّةِ حَذَرِهِ كان لزامًا عليه معرفة ما يضادّ الإخلاص وينافيه ليتحرّز منه، ويعمل على أن يأخذ نفسَهُ بمراقبة الله تعالى حتى يتيقَّن أنه سبحانه عالِمٌ بِسِرّهِ، رقيبٌ على أعماله، شاعر بالراحة في الاستعانة به وعلى طاعته، مُحِسٌّ بالأُنْسِ في ذِكْرِهِ والتعوّذِ به من كلِّ قَبيحة ورذيلة، ويعمل على محاسبة نفسه على عمل يومه، فإن رأى ظلمًا ندم عليه واستغفر وأناب وعمل من الخير ما يراه مصلحًا لِمَا أفسدَ، في تواصل وصَبْرٍ -جهادًا في ذات الله سبحانه- لتطهُرَ نفسُه وتَزْكُوَ حتى يصبحَ أهلاً لكرامة الله ورضاه و يسلكَ بها سبيل المؤمنين المخلصين الصادقين من أهل الصبر واليقين مقتديًا بهم ومقتفيًا آثارَهم.

نسألُ اللهَ تعالى أن يَهَبَنَا العلمَ والإيمانَ، وهما أسمى هِبَاتِ الرحمن، وأهلهما هم خُلاصةُ الوجود ولُـبُّه، وأهل التأهيل للمراتب العُلْيَا والدرجات الرفيعة، قال ابن القيم -رحمه الله-: «أفضلُ ما اكتسبته النفوسُ، وحصَّلَتْهُ القلوبُ، ونال به العبدُ الرِّفعةَ في الدنيا والآخرة هو العلمُ والإيمانُ، ولهذا قَرَنَ بينهما سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ﴾(٣٨)، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(٣٩)(٤٠)

نسألُ اللهَ تعالى أن يَعْصِمَنَا من الخطأ والزَّلَلِ، وأن يوفِّقَنَا إلى حقِّ العلم وخير العلم وأكمل العمل، إنه وَلِيُّ ذلك والقادرُ عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليما.

أبو عبد المعز محمّد علي فركوس
الجزائر في: 24 من ذي الحجّة 1427هـ
الموافق لـ: 13 يناير 2007هـ



رد مع اقتباس