عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22 Apr 2010, 03:49 PM
حاتم خضراوي حاتم خضراوي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: بومرداس
المشاركات: 1,115
إرسال رسالة عبر Skype إلى حاتم خضراوي
افتراضي

ئثالثا: وإنّ مِن عجيبِ ما يراه القارئ لتسويد هذا المتطاوِل المغرور ردُّه الاستدلال بحديث «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا -وفي رواية: فَنَكِرَهَا- كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» بقوله:
«(أولاً): أن الحديث دل على أن من كره المعصية وأنكرها بقلبه، ولم يكن فاعلاً لها، متلبِّساً بها، كمن غاب عنها، والدارس أو المدرّس، أو العامل في أماكن الاختلاط متلبِّسٌ بالمعصية، فاعلٌ لها، فواجبه الإقلاع عنها، بترك الاختلاط، واعتزال أماكنه.
فأين فهم فركوس، وقواعد الاستدلال الصحيحة، التي ملأ الدنيا بادعائها صراخاً».
وهذا مما يُنْبِئُ عن جهلٍ عريضٍ تكلَّفَ فيه المغرورُ توجيهَ الحديث بما هو معلومٌ فسادُه لدى الجميع، لأنّه توجيهٌ بالهوى بعيدٌ عن شرّاح الحديث لأنّه لو سلّمنا له -جدلاً- مضمونَ فهمه للزم إبطال دلالة الحديث مطلقًا، إذ إنّ شهودَ المعصية إنّما يقتضي التّلبّس بالعصيان ويستلزمه إن لم يُنْكَرْ ولو بأضعف الإيمان -كما في الحديث(٢٢- أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/41) رقم (49) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمانِ»)-، وإنّما المراد أنّ من حضر منكَرًا أو رآه وأنكره فهو مثل الذي لم ير شيئًا، لأنّه سلم بهذا الإنكار، وذاك سلم بكونه ما رأى -كما أفاده الشّيخ عبد المحسن العبّاد حفظه الله-، ويبيّن المعنى محتوى الجملة الثانية الحديثيّة المعاكِسة لها: أن «مَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» يدلّ على أنّ الرّضا منه أنزله منزلةَ الشّاهد في الإثم، وإذا كان الرّضا عملاً قلبيًّا فإنّه يقابله الإنكارُ وهو عملٌ قلبيٌّ أيضًا، فحصل المطلوب في عدم الاشتراط المذكور وبان عوارُ صاحبه.
ويدلّ على ما ذكرنا ما أجاد به الحافظ ابن رجب -رحمه الله- حيث يقول: «فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضِيَها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها، لأن الرّضا بالخطايا من أقبح المحرَّمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرضٌ على كلّ مسلم لا يسقط عن أحدٍ في حالٍ من الأحوال»(٢٣- «جامع العلوم والحكم» لابن رجب: (321).)، وبهذا قال السّفارينيّ أيضًا(٢٤- «غذاء الألباب» للسفاريني: (176)) كما يوضّحه -بجلاءٍ- حديث أم سَلَمَةَ رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قالوا: «أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟»، قال: «لاَ مَا صَلَّوْا»(٢٥- أخرجه مسلم في «الإمارة» (2/899) رقم (1854). )، وفي رواية: «فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ»(٢٦- المصدر نفسه.)، وهذا في حقّ من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فلْيكرهْه بقلبه ولْيبرأْ، قال النوويّ –رحمه الله-: «وفيه دليلٌ على أنّ من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرّد السكوت، بل إنّما يأثم بالرضا به أو بأنْ لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه»(٢٧- «شرح مسلم» للنووي: (12/243).).
وأمّا قوله لامزًا شيخنا -حفظه الله-: «فأين فهم فركوس، وقواعد الاستدلال الصحيحة، التي ملأ الدنيا بادعائها صراخاً» فيُنبئ عن نفسيّةٍ حاسدةٍ وطويّةٍ حاقدةٍ، تبخس المستحقّ حقّه، وتشكّك في صدقِ وأمانةِ ما ينقله الشّيخ -حفظه الله- مِنْ قواعدَ أصوليّة وفقهيّة، وبمثل هذا اللّمز نزداد يقينًا بصحّة فراسة شيخنا -حفظه الله- إذ قال: «ولا شكَّ أنَّ هذا الأمرَ يعكس بوضوح عن نوعيّةٍ أخلاقيّةٍ متدنيّةٍ دون المستوى المطلوب»(٢٨- «تقويم الصراط في توضيح حالات الاختلاط» للشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس -حفظه الله- (11).).
ويُظهر هذا اللّمزُ وغيره -وهو كثيرٌ- حساسيّةَ القوم تجاهَ عِلْمٍ من مفاخر علوم المسلمين، وهو علم «أصول الفقه»، فإنّهم لمّا أعياهم فهمُه أصولاً وأتعبهم تطبيقُه فروعًا؛ راحوا يزهّدون فيه، ويحشدون جنودَهم الصائلةَ للتّحذير منه، فتارةً يدّعون النّصح بعدم الإكثار منه، وتارةً يلمزون المتمكّنين فيه بأنّهم يردّون النّصوص الصريحة بالقواعد المختلَف فيها، والله المستعان.
وإنّما يعيب العلماءُ على من لا يُتقِنُ أصول الفقه ويعدّونها منقصةً في حقّه، حيث ذمّ أبو يوسفَ -رحمه الله- مخالِفَه لكونه لا يُحْسن أصول الفقه(٢٩- انظر: «موسوعة الأم» للشافعي: (8/114).)، وقال شيخ الإسلام ابن تيميّةَ -رحمه الله-: « وإنّما يغلط هنا من لم يُحْكِمْ دلالاتِ الألفاظِ اللّغويّة، ولم يميّزْ بين أنواع أصول الفقه السمعيّة، ولم يتدرّبْ فيما عَلِقَ بأقوال المكلَّفين من الأحكام الشرعيّة»(٣٠- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (31/104).).
فحُقَّ للشّيخ -حفظه الله- أن يتمثّلَ بقول من قال:
تَعَجَّبْتُ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ فَمَا أَحَدٌ مِنْ أَلْسُنِ النَّاسِ يَسْلَمُ
وَأَخَّرَنِي دَهْرِي وَقَدَّمَ مَعْشَرًا عَلَى أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَأَعْلَمُ.
رابعا: إنّ ما ذكره الشّيخ بقوله: «ونظيرُه الاختلاط الذي تدعو الضّرورةُ إليه، وتشتدُّ الحاجةُ إليه، وتخرج فيه المرأة بالضّوابط الشّرعيّة، كما هو حاصلٌ في أماكن العبادة، ومواضع الصلاة، ونحوها، مثل ما هو واقعٌ ومُشَاهَدٌ في مناسك الحجّ والعمرة(٣١- وقال هنا: انظر «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (10/44).) في الحرمين، فلا يدخل في النّهي، لأنّ الضّرورة والحاجة مستثناةٌ من الأصل من جهةٍ، وأنّ مفسدة الفتنة مغمورةٌ في جَنبِ مصلحة العبادة من جهة ثانية، إذ: «جنسُ المأمور بهِ، أعظمُ من جنسِ تركِ المنهي عنهُ»، كما هو مقرّرٌ في القواعد العامّة»؛ واضحٌ في ارتباط حكم الاختلاط بحكم الضّرورة والحاجة -بالنّسبة للمكلّف لا للحكومات التي تناط إليها مسؤوليّة الاختلاط-.
أمّا كلامُه بخصوص القاعدة التي ذكرها الشّيخ في قوله: «مفسدة الفتنة مغمورة في جَنْبِ مصلحة العبادة من جهة ثانيةٍ، إذ: «جنسُ المأمور به، أعظمُ منْ جنسِ تركِ المنهي عنهُ» فجوابُه -كما استفدناه من شيخنا أبي عبد المعزّ محمّد علي فركوس حفظه الله- أنّ القواعد المُحْكَمَةَ في باب المصالح والمفاسد على أربع قواعدَ كما بيّنها العزّ بن عبد السّلام السُّلَمِيّ في «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» وهي:
-إذا تعارضتْ مفسدتان رُوعِيَ أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفّهما، لأنّ مباشرةَ الحرام لا تجوز إلاّ للضّرورة ولا ضرورة في حقّ الزّيادة.
-وإذا تعارضتْ مصلحتان فيُؤْخَذُ بأعلاهما مصلحةً.
-وإذا تعارضتْ مصلحةٌ ومفسدةٌ فدرءُ المفسدة ودفعُها مقدّم في الغالب
-وإذا تعارضتْ مصلحة ومفسدة وكانت المفسدة مغمورةً في جانب المصلحة فتُقَدَّم المصلحة لكونها غالبةً، إذ الغالب مقدّمٌ على النّادر.
وهذه في تعارُض المصالح والمفاسد على وجهٍ لا يمكن فيه انفكاكُ أحدهما عن الآخر، وقد بيّنها العزّ بن عبد السّلام السُّلَمِيّ -رحمه الله- بقوله: «إذا اجتمعت المصالح والمفاسد فإن أمكن دفعُ المفاسد وتحصيل المنافع فعلْنا ذلك، وإن تعذر الجمع: فإن رُجّحت المصالح حصّلناها ولا نبالي بارتكاب المفاسد، وإن رَجحت دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح»(٣٢- «الفوائد في اختصار المقاصد» لابن عبد السلام: (47).).
هذا، والقواعد في تغليب جانب الحرمة ودرء مفسدتها إنّما يكون إذا تعارضَ دليلٌ يقتضي التحريم وآخر يقتضي الإباحة فيُقدَّمُ دليل التّحريم على الأصحّ تغليبًا للتّحريم ودرءًا للمفسدة لعناية الشّرع بترك المنهيّات على فعل المباحات، فهو تغليبٌ لجانب الحرمة على جانب الحلال، ومن هذا القبيل سفر المرأة للحجّ، فهل مِنْ شَرْطِ سَفَرِها المَحْرمُ أم لا؟
والعلماء يختلفون بين من يشترطه وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، ومن لا يشترطه بل اشترط الأمنَ على نفسها وهو مذهبُ مالك والشافعيّ وروايةٌ عن أحمد، وهذا القول مرويّ عن عائشةَ وابنِ عُمَرَ وابنِ الزّبير وابنِ سيرينَ والأوزاعيّ وداودَ الظاهري وغيرهم.
وعلى المذهب الأخير –وبغضّ النّظر عن الرّاجح- فليس في الاستدلال به أيّ متمسَّكٍ من دلالة أو حجّة، بل بالعكس: إنّ من أدلّتهم أنّه سفرٌ واجبٌ لا يشترط له المَحْرَمُ كالمسلمةِ إذا تخلّصت من أيدي الكفار وكالسّفر لحضور مجالس التّحكيم لئلاّ يضيعَ حقُّها، وكالحكم عليها بالتّغريب وهو النّفي عن البلد الذي وقعت فيه جناية الزّنا.
أمّا على مذهب من يشترط المَحْرَمَ فهو داخلٌ في الاستطاعة ولا يَلْزَمُها الحجّ إذا فقدتْ شرطه، وعليه فلا تعارُضَ بين المقتضي والمانع، وإذا سلّمنا التعارض -جدلاً- فهو تعارُضٌ بين الحرمة والحلال فيُقَدَّم فيه المانع على المقتضي كما تنص عليه قواعد الباب: «إذا تعارض المانع والمقتضي يُقَدَّمُ المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم».
وإنّما مسألتُنا في حالة تعارُض الواجب والمحرَّم، فإنّه تراعى مصلحةُ الواجب كالمرأة يحرم عليها سَتْرُ وجهها في الإحرام ولا يمكن إلا بكشف شيءٍ من الرأس، وسترُ الرّأس واجبٌ في الصّلاة، فإذا صلّت راعَتْ مصلحةَ الواجب، والهجرةُ على المرأة من بلاد الكفّار واجبةٌ وإن كان سفرُها وحدها دون مَحْرَمٍ حرامًا(٣٣- «المنثور في القواعد» للزركشي: (1/132-133).)، والمضطرّ يجب عليه أكلُ الميتة وإن كانت حرامًا ونحو ذلك.
وكما يرى المنصف، فإن الرّجل خلط في المسألة خلْط البطّ على الشطّ.
ثم إنّه من ناحيةٍ أخرى: هل يُلْزِمُ سعيد بن دعّاس الفقيهُ المرأةَ بحَجَّة الإسلام إذا توفّرتْ لها شروط الاستطاعة بما فيها المَحْرَم؟ أم يشترط خلوّ مسلك الحجِّ من الاختلاط شرطًا إضافيًّا في الحجّ سواء كان الاختلاط في قاعات الانتظار أو في متن الطائرة أو عند طابورات تقديم جواز السّفر أو في الحافلة أو في المشاعر، أم أنّه الضّرورة والحاجة الشديدة؟! وهل يخرج أبطال دمّاج من عموم النّهي عن الاختلاط أم لهم مسوّغٌ من الضّرورة؟ أفيدونا بحقٍّ وأمانٍ.
هكذا نزل جواب الإدارة ردًّا على ظلم المتشبّعِ بما لم يُعْطَ، فقابلتْ عدوانَه بعدوانٍ عادلٍ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وما جزاء من يبغي على من يرقاه في الرتب والكمال إلا أن يصدقَ فيه قول القائل: «وعلى الباغي تدور الدوائر».
جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحْ
هذه الفئة الدمّاجيّة المتعالمة لم يمعنوا في العلم ويتدرّجوا مرقاته ولا أصابوا حظًّا من الصناعة العلميّة سوى تمويهاتٍ على العوام ولا تمتّعوا بجميل الأدب وحُسْنِ الطّبائع بل أصيبوا في عمق أخلاقهم وسيرتهم.
وَإِذَا أُصِيبَ القَوْمُ فِي أَخْلاَقِهِمْ فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلاَ
ورحم الله الإمام الشوكانيّ الذي ذكر من محاسن كلام «عليّ بن قاسم حنش» الذي ترجم له حيث بيّن أن منشأ الفتن من النّاشئة في الدّين، قال -رحمه الله-: «ومن محاسن كلامه الذي سمعتُه منه: النّاس على طبقاتٍ ثلاث:
فالطبقة العالية: العلماء الأكابر وهم يعرفون الحقّ والباطل، وإن اختلفوا لم ينشأ عن اختلافهم الفتن لعلمهم بما عند بعضهم بعضًا.
والطبقة السافلة: عامّةٌ على الفطرة لا ينفرون عن الحق وهم أتباع من يقتدون به، إن كان محقًّا كانوا مثله وإن كان مُبْطِلاً كانوا كذلك.
والطبقة المتوسّطة: هي منشأ الشّرّ وأصل الفتن النّاشئة في الدّين، وهم الذين لم يمعنوا في العلم حتّى يرتقوا إلى رتبة الطّبقة الأولى ولا تُرِكُوا حتّى يكونوا من أهل الطّبقة السّافلة، فإنّهم إذا رَأَوْا أحدًا من أهل الطّبقة العليا يقول ما لا يعرفونه مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصورُ فَوَّقُوا إليه سهامَ التقريع ونسبوه إلى كلِّ قولٍ شنيعٍ، وغيّروا فِطَرَ أهل الطّبقة السفلى عن قَبُولِ الحق بتمويهاتٍ باطلةٍ، فعند ذلك تقوم الفتن الدينيّة على ساق»(٣٤- «البدر الطالع» للشوكاني: (1/473).).
وقد سئل شيخنا أبو عبد المعزّ -حفظه الله- في إحدى حلقاته بعد صلاة الصّبح عن النّموذج الدمّاجيّ الحاليّ الذي يُرَادُ فرضُه كمسلكٍ تربويٍّ للمنهج السّلفيّ مع اغترار النّاشئة عندنا في الجزائر بهم من جهة أنهم يحفظون القرآن والمتون والأشعار، ويدرسون عدة كتب ورسائلَ في ظرف قصير كالأسبوع ونصف الشهر.
فأجاب –حفظه الله-: «إن أسباب سعادة الأمّة ونموِّها واستقرارِ دولتها وبقاءِ حكمها تكمن في الأخلاق التي شرعها الله لعباده ونوّه بها، ودعا إلى تربية الخُلُق الحَسَنِ وتنميته في نفوس المسلمين، وقد بعث الله تعالى نبيّه لإتمام مكارم الأخلاق التي يستقيمون بها، وعليها تقوم دولتهم كما قال الشّاعر:
وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا
ومِن جماع حُسن الخُلُق مع الناس: بذلُ المعروف قولاً وفعلاً وكفُّ الأذى قولاً وفعلاً، وقد جاء في الحديث: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»(٣٥- أخرجه البخاري (1/9) في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم في «الإيمان» (1/39) رقم (40)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.)، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: « مَا شَيْءٌ أَثْقَلَُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ»(٣٦- أخرجه الترمذي في «البر والصلة» باب ما جاء في حسن الخلق (2002)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/535).)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم -أيضًا-: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ»(٣٧- أخرجه أحمد في «مسنده» (6/187)، وأبو داود في «الأدب» باب في كراهية الرفعة في الأمور (4798)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/421).).
وإذا كان الإسلام يدعو إلى أسباب سعادة الأمّة وقيام دولتها وحكمها بالأخلاقِ، وجَعَلَ البرّ يُطْلَقُ على مجامعِ حُسْنِ الخُلُقِ كما في الحديث: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ»(٣٨- أخرجه مسلم في «البرّ والصلة» (2/1190) رقم (2553)، من حديث النوّاس بن سمعان رضي الله عنه.)، فكيف يكون مَنْ فقد القيم الأخلاقيّة والمعايير الأدبيّة مثلاً تربويًّا يحتذى به وتعكس قدوتُه صفاءَ المنهج السلفيِّ القويم؟!
أمّا تزويد النّفس بحلقات مكثَّفةٍ فمتوقّفٌ على نوعيّة الشّيخ المربّي وكيفيّة بلورة هذه العلوم وصقلها في أذهان الطّلبة، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزومُ مثله، والمعلوم أنّ من أتى العلم بالكليّة في ظرفٍ قصيرٍ من غير لقاح له فَهَشٌّ، سرعانَ ما يتخلّى عن صاحبه، وقد قيل: «مَنْ رَامَ العِلْمَ جُمْلَةً ذَهَبَ عَنْهُ جُمْلَةً»، وعن ابنِ المُنْكَدِرِ: «العِلْمُ يَهْتِفُ بِالعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاّ ارْتَحَلَ»(٣٩- «اقتضاء العلم العمل» للخطيب البغدادي: (36).).
وأمّا إشباع النفس بحفظ العلوم الشرعيّة والأدبيّة مع خلوّها من الاسترشاد بالعمل بالمعاني التي حثّ عليها الإسلام ونوّه بها ودعا إليها –كما تقدّم- فإنّ هذه العلوم –حينئذٍ- حجّةٌ عليك لا لك، فهو حفظُ علمٍ لا رُوحَ له معه، بل هو بمنزلة الجسد الخراب.
قال الشّاعر:
وَلَيْسَ بِعَامِرٍ بُنْيَانُ قَوْمٍ إِذَا أَخْلاَقُهُمْ كَانَتْ خَرَابَا». انتهى كلام شيخنا.
وبعد هذا، فإنّ الإدارة تطلب من سعيد بن دعّاس وأعوانه ومن يقف وراءه أن يتوبوا إلى الله جميعًا، وأن يتحلَّوْا بالأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة، ويُقْبِلوا على شيخنا أبي عبد المعز -حفظه الله- بالاعتذارِ عمّا صدر منهم -من غير تكبُّرٍ أو عنادٍ أو تعنُّتٍ- كما اعتذر -من قبلُ- أبو محمّد عبد الحميد بن يحيى الحجّوري عند مقابلته لشيخنا في مقرِّ موقعه الرسميّ عسى أن تنفعَهم استقامتُهم واعتذارُهم ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

وآخرُ دعوانَا أَنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلَّى اللهُ علَى نبيّنَا محمّدٍ وعلَى آلهِ وصحبِهِ وإخوانِهِ إلَى يومِ الدّينِ وسلّمَ تسليمًا.

الجزائر في: 04جمادى الأولى 1431
الموافق ﻟ: 18 أفريل 2010 م


التعديل الأخير تم بواسطة حاتم خضراوي ; 22 Apr 2010 الساعة 04:35 PM
رد مع اقتباس